محمد بن يحيى النينوي في حوار خاص: "المحبة" علاج للأفكار المتطرفة

قال الدكتور محمد بن يحيى النينوي، عميد كلية المدينة للدراسات الإسلامية والبحوث في ولاية جورجيا بالولايات المتحدة الأمريكية، إن القرآن الكريم حجم قضية التغيير الإيجابي بالتغير النفس؛ فليس مطلوب من المرء أن يغير غيره، أنما الأمر نفسه لقول الله -عز وجل: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ" (سورة الرعد11).
 
 وإلى نص حواره مع موقع "الدكتور عمرو خالد":

كيف تواجهون الأفكار المتطرفة؟

يتم توجيه تلك الأفكار من عدة محاور، ويتمثل المحور الأول من خلال نشر العلم الصحيح والمعلومات السليمة؛ ويُعد هذا مهم جدًا؛ لأن كثير من الناس لا يعرفون الإسلام ويُحملون عليه، أو حاملون في قلوبهم أنه دين متطرف وإلى أخره، فلم يقرأوا عن الإسلام شيئًا، وبذلك لا يعرفون عنه إلا ما سمعه من التلفاز أو الراديو مثلًا.

 

وعندما يقدم إنسان مسلم الإسلام بالصورة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فتتغير هذه القناعات، وفي الولات المتحدة الأمريكية الدين منفصل تمامًا عن الدولة، ويُعد هذا من دستورها وبذلك لا علاقة للدولة  بالدين، وكما أن أمر الدين يعتبر أمر شخصيًا راجع إلى الفرد في المجتمع.

ما رأيك في تعامل الإدارة الأمريكية مع المسلمين وخاصة عقب محاولات تشوية صورتهم في الغرب؟

المسلمون في الولات التحدة محكمون بالدستور بغض النظر عن الإدارة الموجودة، حيث أن الإدارة تذهب وتأتي، ولكن الدستور القائم، فلابد أن يكون الدستور هو الحاكم، فالدستور الأمريكي عادل منصف لجميع أطراف المجتمع، فلابد أن الإدارة تلتزم به بغض النظر عن أنه قد يكون هناك أمور لا تتوافق مع كافة الرؤى.

ما رأيك في الفتاوى المتطرفة وكيفية مواجهتها والإحجام عنها؟

تُعد مشكلة تواجد الفتوى الشاذة، ناتجة عن الرجوع إلى الفضاء المسموح من المعلومات الغير محكمة أي الشبكة الإنترنت العنكبوتية؛ فلا نريد أن نحد من حرية الناس ولكن  نريد أن يظهر الشكل الحقيقي لكافة الأمور الدينية للناس؛ فإذا وصل هذا من الممكن أن يقارن الإنسان العادي الغير متخصص بين الحق والباطل دون حدوث أي تشييت أو تخبط في بعض الأمور العائقة لديه.

دور وسائل الإعلام في مواجهة تلك الفتاوى الشاذة؟

وسائل الإعلام سلاح ذو حدين؛ أما يكون إعلام مسؤلًا، أو إعلام مضلل يساعد في نشر الأفكار السلمية واستقرار المجتمع، أو يكون الإعلام مضلل؛ فيعمل على زعزعة المجتمع.

من المعروف في الولايات المتحدة أن هناك لوبي صهيوني؛ فهل ترى أن هذا اللوبي يلعب دور كبير في تشوية صورة الإسلام أ في الولات المتحدة؟

لم أكن سياسي ولا أظن أن هناك أيدي خفية في الولايات المتحدة، تريد أن تجعل المسلم الأمريكي يظهر بصورة سيئة، إنما الأعمال الإرهابية التي تحدث انعكاس سلبي مباشر لإرتباط من يقوم هذه الأعمال بالدين؛ فيزعم أنها أعمال بـ "اسم الإسلام"، وهذا الإرتباط يُرسب بعض من الصور السيئة النمطية عن المسلمين في أنحاء العالم في أذهان الغير المسلمين.

 

وكي تكون هناك جهود منظمة في والولايات االمتحدة الأمريكية؛ فيجب أن يوجد قانون يحد من الكرهيات، لكن أقول "إن المسلمين مقصرون، فأصواتنا متفرقة ورسالتنا غير متفقة وغير متوازنة، وقد تكون مختلفة  ومتضاربة؛ فلابد من توحيد الصف وتقديم نظرة سليمة للإسلام الذي جاء به الرسول وأصحابه من بعده؛ فسوف يعشقه الناس وحتى وإن لم يؤمنوا به.

هل يتطلب الأمر تطوير الخطاب الديني؟

بلا شك فالأمر يحتاج إلى تطوير الخطاب الديني، بالإضافة إلى ذلك تنسيق الخطاب الديني بدون أن يكون مُحجم، بالعكس الحرية هي التي تنمي، وأيضًا لابد من تطوير المناهج الدراسية.

هل ترى أن تطوير كتب التراث هي الحل لإشكالية التطرف الديني؟

علينا أن نحافظ على القديم الصالح، وفي نفس الوقت إضافة الجديد الأصلح؛ فبذلك نقدم نموذج يشمل القديم الصالح والجديد الأصلاح؛ فلا عيب في ذلك.

ماذا يحتاج العالم العربي الإسلامي لتقديم المسلمين في الولايات المتحدة؟

أن يكون هناك كوادر جيدة الفكر، وأن يتيح الزيارات المتبادلة بين الجليات الإسلامية في البلاد الأوروبية ومصر مثلًا، حيث أن هذا الأمر يفيد في إثراء العملية الفكرية.

ما رأيك في تدريس جامعة الأزهر للدين.. فهل الدراسة تتم بشكل صحيح في الأزهر؟

الأزهر قديمًا ومازال نبراس للواسطية التي نعتز بها كمسلمين، ولاشك أن العملية الفكرية والتعليمية تتطلب التطوير. 

ما رأيك في سؤال أحد المواطنين المسلمين عن فكرة عدم التزام المرأة على طاعة زوجها وألا تخدمه؟

الطاعة واجبة، حيث لا طاعة في معصية الخالق، فالإلزام في الخدمة اختلف فيها أهل العلم، فإن العلاقة بين المرأة وزوجها تُعد علاقة شراكة حياة؛ "فالناس بعضهم لبعض وإن لم يشعروا خدموا"، ويتبين أن العلاقة خدمية بين البشر، فالله خلق البشر يحتاجون لبعضهم لبعض فلا عيب أن الزوجة تخدم زوجها، وكذلك الأدوار تتبادل والزوج يخدم زوجته وأولاده.

 

فالدين هو عقيدة وأحكام وأخلاق، حيث أن الأخلاق إنسانية تختلف على حسب العادات والطبع في كل بلد؛ ففي البيت تنشأ فالتربية تبدأ من الأم، بجانب ذلك المجتمع والمدرسة ودور العبادة تساعد على التربية، مما يساعد في خروج جيل قوي صحيح العقيدة والفكر.

كم يصل عدد المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية؟

يتراوح عدد المسلمين في الولايات المتحدة ما بين أربعة ملايين إلى تسعة ملايين.

كيف يمكن مواجهة الفتاوى الشاذة؟

القانون وحدة لن يكون رادعًا، فإن عامل التربية والأخلاق والفكر يجب أن ييتواجد بجانب القانون، حيث تتمثل أنها تعد مشكلة عامة ولا ترتكز على قطاع واحد في المجتمع.

كيف أضرت تلك الفتاوى بالإسلام والمسلمين؟

 أضرت بالمسلمين بلا شك، حيث أنها أحدثت حالة من الفوضى والتخبط بينهم ما بين الصواب والخطأ، ويستغل أصحاب هذه الفتاوى الشاذة بعض الأحاديث والآيات القرأنية ويقومون بتفسيرها بشكل خاطئ لإباحة كل ما هو  غير مباح في الإسلام.

كيف يستغل التيارات المتطرفة الإرهايبة الدين في ارتكاب الجرائم؟

نحن نعيش في عصر منفتح على المعلومات وهذا الانفتاح يؤدي إلى ظهور الطفيليات في كل مكان، وقد يكون السبب وراء ذلك الشهرة أو الظهور الإعلامي أو المادي أو الإيمان بـ "أفكار سياسية" معينة إلى آخره؛ فإذا لم يزاحم الحق الباطل انفرد الباطل على الساحة؛ وكذلك لابد أن يزاحمة الحق، وتظهر المشكلة عندما غاب أهل الحق؛ مما أدى إلى غياب صوت الحق انفرد الباطل وتعظم وشوش على الناس عقائدهم.

لماذا غاب دور الحق من وجهة نظرك؟

من بين الأمور التي تُعد سبب في غياب الحق أن عدم مواكبة الموسسات الدينية والتعليمية لظاهرة " السوشيال ميديا"؛ فينبغي أن يتواجد جيش الكتروني ملتزم يعمل على بث هذه الأخلاقيات والسياسيات ويحاربها اعلاميًا، وحيث أصبحت الحرب فكرية.

هل الموسسات الدينية تعمل على قلب رجل واحد أم كل منها يعمل على حده؟

قام هذا المؤتمر بلم الشمل وإعادة التعاون مع البلدان الإسلامية، فلا أنكر أن هناك فرقة، لم يكن فرقة فكرية وكما أنه بمثابة فرقة في الجهود والخطوات، وحيث تٌعد سبب في ضعف الحركة العلمية والفكرية.

هل يوجد اجتهاد في الأحكام العقائدية في الوقت الحالي؟

الاجتهاد لا ينقطع، طالما أن هناك بشر هناك اجتهاد، وهذا ما يسمى بالنوازل أي "فقه النوازل" وتطبيق القواعد الأصلية على النازلة، كما أن الاجتهاد لا يخرج على القواعد القرآن والسنة، حيث أن علماء المسلمين بمثابة الجسر الذي يعمل على توصيل فهم أحكام الله عز وجل للمسلمين.

هل من الممكن أن يتم معالجة الأمراض الفكرية التي يعاني منها المسلمين؟

بالحب يتم العلاج؛ فالحبُ هو العلاج الأوحد؛ حيث أن الإشكالية أننا ابتعدنا عن المحبة كأساس لهذا الدين؛ فلا أقول أننا ابتعدنا نظرية ولكن عمليًا أي تطبيق الشريعة التي تدعوا إلى المحبة؛ فالحب في الله والحب لله وكذلك الحب مع الله هذه الأمور كلها لأبد من تفعيلها، كما ورد في آيات الذكر الحكيم " قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (31سورة آل عمران).

 

يحتاج الأمر إلى تفعيل إذا حول الدين إلى شعائر فقط وغاب المقاصد الأصلية.

هل يُعد الدين في نظرك يعتمد على شعائر مجردة من الروحانية؟

لا، فالأمر نسبي ولا يعد مطلق أبدًا، حيث أن خلو الشريعة من روحها وتدريسها من معالم المحبة والرحمة والتعامل مع الله سبحانه وتعالى، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ : مَا الْإِيمَانُ ؟ قَالَ: "الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ ، قَالَ: مَا الْإِسْلَامُ ؟ قَالَ: الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، قَالَ: مَا الْإِحْسَانُ ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ".

 

وعند فهم الحديث يحول حال الانسان من حال إلى حال أفضل منه، والخير في الأمة إلى يوم الدين.

إلصاق تهمة الإرهاب بـ المسلمين .. ما ردك؟

إن التطرف ليس حجرًا على شعب ولا على دين بعينه، وهكذا يتبين من خلال التاريخ وأحداثه المعروفة؛ فالتطرف يذهب إليه أي انسان مريض فكريًا مهما كان دينه أو جنسيته؛ فالإسلام جاء لسعاد البشرية وليس تعاستها.

عن الكاتب

رباب حسن

كاتبة وصحفية