قصة الأندلس

قصة الأندلس

نصوص الحلقات
  • قصة الاندلس (30) - الختام

     

    قصة الاندلس (30) - الختام

    الماضي هو الحاضر وتاريخ الأندلس كان لنا كالكنز المفقود ولكننا قمنا بفتحه وأخرجنا ما به من ثروات ونتمنى أن نكون تعلمنا الكثير من أخطائنا ومن من سبقونا من الأجداد. ترى هل سترفع قصة الأندلس من قدرنا أم تكون شاهداً علينا يوم القيامة وهل ستشهد الأيام القادمة وحدة وتعايش ودروس مستفادة منها،؟هل تعلم الشباب كيف يستطيع المرء تغيير وجه العالم وهل تأكدت الفتيات أن المرأة لديها القدرة على تقويم الأجيال القادمة؟ فلقد شهدنا في الأندلس العلم، الحضارة، العلوم، الفنون والتفوق.
    الدرس 1: التخطيط
    على الرغم من النهايات الحزينة، مازال الأمل كبير في الله سبحانه وتعالى ثم الشباب والمرأة والأجيال القادمة التي يمكنها إصلاح تاريخنا واستعادة حضارة عظيمة لنا من جديد. من دروس قصة الأندلس الإعداد الجيد والتخطيط الذي يجعلك تفكر ملياً في خطواتك قبل أن تخطوها، مثل موسى بن نصير الذي أرسل لعبد العزيز بن مروان وهو والي مصر يعلمه برغبته في فتح الأندلس وهو حلمه الذي كان يأمل في تحقيقه منذ عشر سنوات مضت ولم يتحدث عنه، وقد بادر بسؤاله عن المعوقات التي منعته من تحقيق هذا الحلم وبدوره أجابه أن هناك أربع معوقات:
    * لا أملك السفن كي أعبر بها
    * عدد الجنود بجيش المسلمين عشرة آلاف فقط بينما يبلغ العدد بجيوش الفرنجة مئات الآلاف
    * أرض الأندلس مكان مجهول ليس لديه أية معلومات عنه
    * هناك جزر بين المغرب والأندلس وهي: سردينيا، مايوركا وشبه جزيرة سِبتة

    بدأ في بناء ثلاث موانيء وأسطول بحري يضم العديد من السفن، ظل يعكف على الانتهاء منه طيلة ثلاث سنوات ومنهم ميناء القيروان، وكان يرغب في زيادة العدد لجيوش المسلمين بإدخال عناصر من البربر كما قام بتعيين طارق بن زياد قائد للجيش وأخذ كلٍ من جزيرتي سردينيا ومايوركا وفتحهما لتأمينه ضد أي خطر والآن كل شيء مُعًد لفتح الأندلس.

    الدرس 2: اتقان العمل
    لا يكتمل الفتح والتخطيط الجيد إلا بإتقان العمل. لابد من المُضي قدماً من بدايته حتى الانتهاء منه، فعلى سبيل المثال، استمر موسى بن نصير وطارق بن زياد في طريقهما في الشمال الغربي حتى وصلا لمنطقة تُسَمى "الصخرة" حيث فلول القوط المتواجدة بها تهرب منهم كلما ازدادوا تقدماً في سيرهما وهذه الفلول كانت تجري بلا هدف حيث لم يعد لها قائد، وكان إصرار موسى بن نصير على فتح هذه المنطقة لإدراكه إمكانية أن تصبح نقطة تجمع القوط ومهاجمتهم للمسلمين ولكن لم يتم فتحها حيث استهان بها كل من جاؤا بعد موسى بن نصير وطارق بن زياد لأنها كانت منطقة صغيرة حجماً ولكن بعد ثمانمائة عام هي التي تسببت في سقوط المسلمين.

    الدرس 3: الوحدة
    قرر عبد الرحمن الداخل قيادة هذه البلاد وتوحيد المسلمين لأن الأندلس حينذاك كانت بحاجة لمعجزة وقد كان هو هذه المعجزة، بدأ في الاتحاد مع أبو الصباح اليَحصُبي حيث اتفق مع اليمنيين وانتصرا في معركة حاسمة على والي الأندلس يوسف الفِهري وذلك في فترة امتدت خمسة وعشرين عاماً وأصبح عبد الرحمن الداخل قائداً للأندلس، ولكنه لم يتخل عن هدفه الذي وضعه نصب عينيه؛ وهو تكوين دولة موحدة على أسس قوية بالأندلس التي عانت كثيراً من التفكك والثورات في كل مكان، والهجمات تحيطها من الشمال، الغرب والفرنجة وهو الفاتح الثاني لدولة الأندلس بعد موسى بن نصير وطارق بن زياد، وكانت أولى خطواته المصالحة بين اليمنيين والشاميين لوجود صراع بينهما، وأيضاً بين اليمنيين والحجازيين وكانت أصوله من الحجاز ولكنه تحالف مع اليمنيين وكان بحاجة لوحدة وطنية. وبدأ يتساءل عن أولى خطوات الرسول صلى الله عليه وسلم داخل المدينة وأخبروه أنه آخى بين المهاجرين والأنصار، فقال: "هذا هو المراد" وهذا هو ما نحتاجه اليوم في مصر، العراق، الشام، اليمن والأردن... الخ.

    بدأ بالوحدة الوطنية بينما نحن نعجب الآن بما قام به نيلسون مانديلا من المصالحة الوطنية ونؤكد أن عبد الرحمن الداخل هو أول من بدأ بفكرة المصالحة الوطنية بين أطياف الشعب،
    ولكن تبقى لديه مشكلة؛ ألا وهي عدم معرفة الناس بالأندلس هل هم تابعين للخلافة العباسية أم الأموية لأن الأمويين سقطوا بينما العباسيون نهضوا ولو ظلوا في صفوف العباسيين ستحدث فتنة ولذلك أعلن أنهم إمارة مستقلة عن الخلافة الإسلامية لأنه قام بأمر مغاير لذلك ستلحق به الهزيمة.

    بدأت أمور الدولة تستقر وأقام الوزارات وجهز أسطولاً كبيراً وجيشاً من الجيل الثاني من المُولدين الذين وُلدوا بالأندلس وأدخلهم كعناصر بجيشه الذي كان قوامه مائة ألف فارس وكان أسطوله يمتد إلى خمسة من الموانيء وبنى ترسانة ومصانع للأسلحة في طليطلة، كما عمل على تقسيم ميزانية الدولة بين الوزارات والإعمار. كل هذا وهو يبلغ من العمر 25 عاماً وسيمتد حكمه 34 عاماً ويتوفى في التاسعة والخمسين من عمره بعد أن قام بتوحيد الأندلس وحمايتها لثمانمائة عام.

    خلاصة نجاح الأندلس
    تُعد الأندلس الخلطة السحرية التي جمعت بين: الثقافات، الشعوب، الأجناس، الحضارات والأديان. تلك هي قصة الأندلس أو هي قصتنا، وتاريخ الأندلس أشبه بمنحنى كلما ازداد التعايش كلما تحقق للناس النجاح المرجو وعندما ينقص يحدث الفشل، فنحن دخلنا الأندلس واستمر بنا البقاء فيها بالتعايش وخرجنا منها بسبب عدم التعايش، هل نذكر الآن موسى بن نصير وهو يتحرك بسفينته ليدخل الأندلس والرؤية التي رأى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم يقول له فيها: "أوصيك يا موسى" قال: "لبيك يا رسول الله" قال: "أوصيك يا موسى" قال: "لبيك يا رسول الله" قال: "أوصيك يا موسى" قال: "لبيك يا رسول الله" ثلاث مرات فقال النبي: "أوصيك بالرفق بغير المسلمين في الأرض التي ستدخلوها".

    ما هو التعايش؟
    هو أن نعيش سوياً مع بعضنا البعض. وأن نحترم الآخر ونسمع له ونتعاون معه. إذا أردتم العيش في هذه البلاد علينا بالتعايش والتزاوج وقد أحل الإسلام ذلك وبدأ ظهور الفتاوى من المشايخ والعلماء التي تسمح بهذا للمحافظة على فكرة الانصهار وظهر جيل اسمه الموُلدين.
    وعندما بدأت فكرة إعداد الجيش الذي بلغ مائة ألف فارس لم يكن الجيش من العرب فقط، ولكنه من الجيل الثاني للمُولدين من الإسبان ذوي الأصول العربية أو المسلمة من ناحية الآباء أو من المسيحيين من ناحية الأمهات، وأصبح الجيش يضم عناصر من المُولدين، المسيحيين، البربر والعرب. وعندما شرع عبد الرحمن الداخل في بناء مسجد قرطبة العظيم كان جزء منه يتكون من كنيسة وكان يرغب في توسعة هذا المكان وكان يمكنه الاستيلاء عليه مثلما كان يحدث في العصور الوسطى ولكنه أصر على شرائه، وجمع القساوسة وسألهم عن ثمن الكنيسة ليحولها لمسجد ويدفع لهم الثمن الذي يريدونه ولكنهم رفضوا لأنهم يريدونها ككنيسة، فعرض سعراً أعلى ولكنهم رفضوا أيضاً وظل يرفع السعر حتى عشر مرات.

    من أقوى الشخصيات التي تولت الحُكم وكانت تتسم بالشجاعة كان عبد الرحمن الناصر فعندما تولى زمام الأمور وجد أن كل من يتقلد مناصب في الدولة لابد أن يكون من العرب أي يتحلى بالثقة من وجهة نظر العرب، وبدأ يسأل عن أصحاب المناصب وهل هم من الأكفاء أم لا فيأتي ردهم بالإيجاب ولكنه يجد من البربر من يملك خبرة أكثر، فيأمر بعزل فلان ويُعين البربري وهكذا في مناصب أخرى يتولاها العرب ولكن عندما يعرف أن هناك من هو أفضل منه من المسيحيين يقوم بتعيينه وأصدر أوامره بأن الأفضلية في التعيين للأكفأ، وظل حكمه خمسين عاماً وهي من أطول فترات الحكم في تاريخ الأندلس بسبب حب الناس وكل الطوائف له وتأكيده على أن أهل الخبرة أفضل من أهل الثقة وعمل على الحفاظ على بلاده وعلى ملكه، وكانت النتيجة التعايش الذي أدام ملكه وأدام الأندلس.

    شكر واجب
    أتوجه بالشكر للعالم والمؤرخ الرائع المتخصص في تاريخ الأندلس والمغرب العربي الدكتور أحمد لقمان، فقد جمع من المؤرخين ممن كتبوا تاريخ الأندلس، والدكتور محمد عبد الله عناني والدكتور راغب السرجاني وأهل المغرب العربي الذين عرفناهم في قصة الأندلس وعرفنا الكثير عن حماسهم، عطائهم ونجاحهم في إنقاذ الأندلس، وإسبانيا التي حافظت على آثار المسلمين وتاريخهم. وترى، هل سيعيد التاريخ ذاته؟ وهل سنستفيد من الأخطاء ونكون من المتفوقين في تكرار الأمجاد؟ إن الأمل في الشباب والفتيات ممن سيحملون الرسالة ويبدأن في إصلاح الأرض
    بالتعايش وليس بالصراع ويصنعون حضارة بالعلم والإنتاج ويعود العز للإسلام والمسلمين مثل السابق، أدعو الله أن تتكرر أيام الأندلس على أيدي الشباب المحب للبناء وليس الصراع. 

     

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

  • قصة الاندلس (29) - أثر الأندلس

     

    قصة الاندلس (29) - أثر الأندلس

    الفكرة المركزية للحضارة

    تبدأ أي حضارة بفكرة مركزية، ومن هذه الفكرة نبنى الحضارة، وهذا ينطبق على الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية حيث تعتمد كل العلوم والاكتشافات على تلك الفكرة. فالفكرة المركزية في الحضارة الغربية هى كلمة واحدة: المادية، أى كل ما هو مادى ملموس، ومن هنا بنيت الحضارة الغربية فكرتها على المادية في كافة المجالات الاقتصاد والطب السياسة، فمثلًا فيالاقتصاد تظهر نظرية كنز أى كل من لديه المال يسيطر، وفي السياسة تعتمد على البقاء للأقوى، وفي التحليل النفسي؛ يقول فرويد أن الإنسان مادة ولا ينظر للجانب الروحى، والنظرية الاجتماعية تقول أنك في جسدك، فلا يوجد حرام أو حلال. وهنا نجد كل هذه الأفكار في المجالات المختلفة مرتبطة بالمادية وهى تعنى أنك أنت السيد القاهر ملك الكون وهم منسجمين مع تلك الفكرة.

    ما هى الفكرة المركزية بالنسبة للمسلمين؟

    قد خلقنا الله من مادة وروح نعمر الأرض كي ندخل الجنة، و الآن في عامنا هذا 2013 لا توجد علوم متفقة مع الفكرة المركزية لدينا، فنضطر لأن نمد خطوط تواصل مع الفكرة الغربية حتى أصبحنا نعيش في ظلها ولهذا عندما نريد أن نقيم نهضة فلابد أن تتفق علومنا مع فكرتنا المركزية ولهذا سنجد أنفسنا مقلدين للغرب، فلا يمكن بل مستحيل أن نبني نهضة وهى غير متسقة مع فكرتنا المركزية وإلا سنجد أنفسنا مقلدين للغرب وعلومنا ستظهر غير متفقة مع نفسيتنا وطريقة تفكيرنا ونظل تابعين لحضارة أخرى وينتج عنها تخبط.
    قدمت الأندلس حلًا لتلك المشكلة، فنحن كمسلمين فكرتنا المركزية هى مادة وروح؛ نعمر الأرض فندخل الجنة، وهذا نطبقه على الأندلس كالآتى: عندما مات منصور بن أبي عامر وجاء ابنه عبد الملك بن منصور بن أبي عامر وكان والده مات فجأة وبسرعة ذهب للخليفة وأخذ منه مرسوم بأنه سيخلف والده ويكون الحاجب وسمى نفسه المظفر وعاش سبع سنين فقط فقد حكم بعد موت أبيه 392 هجريًا وتوفى عبد الملك عام 399 هجريًا.

    نهضة العلوم

    وقد كان هذا الرجل سببًا في النهضة فقد قام بجمع العلماء في الأندلس وقال لهم سأنفق عليكم وأخصص لكم أماكن للبحث العلمي في المساجد حيث كانت المساجد جامعات ومدارس ومعاهد للعلم وذلك لتأتوا بكل القواعد العلمية من الإسلام وتبنوا عليها علوم بحيث تكون مرتبطة باحتياجتنا كمسلمين وإليكم الأمثلة:
    1. كان يعيش في عصره عالم رياضيات اسمه المجريطي - نسبة إلى مجريط وهي مدريد الآن – قال أن الفكرة المركزية في الإسلام هي حقوق الغلابة وإعمار الأرض وهي مرتبطة بحسابات الزكاة، فأرسله المظفر إلى بعثة لدراسة الرياضيات إلي بغداد، فتعلم الرياضيات واللغة اللاتينية لمتابعة أحدث ما وصل إليه علم الرياضيات وعاد باختراع جديد ألا وهو الأرقام العربية والصفر، هذا اختراع لم يكن موجودًا وكان الرومان يكتبون الأرقام كالآتى: فمثلًا 988 كان كل 10 يرمز لها ب X إذن نكتب X عشر مرات ورمز8 يرمر له d v ولهذا كان الرقم كبير. ولكن باختراع الصفر تغيرت الأمور وفي العصر الحديث الكمبيوتر يعتمد على رقم 1 وصفر فبدون الصفر كان لا يمكن اختراع الكمبيوتر وأيضًا علوم الطائرات والسيارات. كان كل هذا بفضل فكرة مركزية وهي حسابات الزكاة مما أدى لتطوير علم الرياضيات مما أدى لنقلة كبيرة في أوروبا بسبب الأرقام العربية والتي كان اصلها من الهند.

    2. الوقت مهم جدًا في ديننا وقد أقسم الله تعالى في القرآن بالمواقيت والأوقات في مواضع كثيرة، فنحن لنا مواقيت للصلاة والحج ورؤية الهلال المرتبطة برمضان، بل وأقسم الله بحركة القمر والنجوم في القرآن، كل هذا في فكرتنا المركزية أننا منسجمين مع الكون فظهر علم الفلك، وظهر عالم اسمه طليطلى وقد اخترع الاسترلاب وهو كمبيوتر القرون الوسطى، وكان يستخدم في حساب بٌعد النجوم والكواكب وكان يستخدم مثل الكمبيوتر فكان يحسب الُبعد والمسافات.

    3. يوجد أيضًا في القرآن فكرة تعمير الأرض والتي يجب معرفتها كى نحقق فكرة إعمارها. وهنا نحتاج علم الجغرافيا الذي تطور على يد الإدريسى واسمه الشريف الإدريسى لأنه من سلالة على بن أبي طالب وبيت النبوة، وقام برسم أول خريطة متكاملة للكرة الأرضية، ولهذا دعاه ملك صقلية روجر الثانى وأعطاه فضة كي يقوم بعمل الكرة الأرضية وهذا يثبت أن المسلمين أول من أثبت أن الأرض كروية وليس جاليليو والصورة لهذه الكرة موجودة ومرسوم عليها التضاريس وهى تشبه الكرة الأرضية التي نراها في المدارس.

    4. ابن جلجل قرأ حديث النبي صلي الله عليه وسلم: "ما جعل الله داء إلا جعل له دواء" ولكن هناك أمراض ليس لها دواء، فذهب إلي المظفر وطلب منه 10 بالمئة من ميزانية الدولة للبحث العلمي وهذا في حد ذاته اختراع فلم يكن في تاريخ الدول فكرة جزء من الميزانية للبحث العلمي، وهنا نتسائل ما هي ميزانية البحث العلمي في بلادنا العربية كمصر والمغرب؟

    5. يحكي لنا ثلث القرآن عن صعود وهبوط الأمم، وهنا يظهر ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع ويكتب مقدمة ابن خلدون ويذهب للأندلس ومصر. وهذا يدلل علي أن الإسلام شجع العلم وهذا متفق مع فكرتنا المركزية كما نرى في الأمثلة السابقة وهذه رسالة للشباب كي يحبوا العلم فيكون كالماء والهواء.

    6. من أجل إعمار الأرض لابد من الحفاظ على الجسد وصحته وهنا نتحدث عن من وهب عمره للطب وهو الزهراوى الأندلسى وأصبح أستاذ الجراحة في القرون الوسطى اسمه أبو القاسم الزهراوى وفيما يلي نسرد إنجازاته:

    · أول من ألف كتاب في علم الجراحة (كتاب القانون) وهو موجود بنفس الاسم في انجلترا.
    · أول من كتب في علم التشريح.
    · أول من قام بعملية تفتيت الحصوة في المثانة.
    · أول من قام بعملية شق القصبة الهوائية.
    · أول من ألف كتاب في التهاب المفاصل.
    · أول من اخترع أدوات الجراحة الحديثة (كالمشرط والمقص الجراحى وصفها ورسمها فى كتابه).
    · أول من قام بربط الأوعية الدموية بعد الجراحة.
    · أول من اخترع الحقنة الشرجية.
    · أول من استخدم أمعاء القطط في خياطة الجراحة، والتي تستخدم حتى الآن.
    · أول من بعملية الولادة القيصرية.
    · اخترع آلة لسحب الجنين من بطن الأم في الولادة، وقد استخدموها في أوروبا ولم ينجحوا فى استخدامها فماتت الأجنة.
    · أول من وضع الدواء في قالب (كبسولة).
    · أول من تحدث وشخص مرض السرطان.

    هذه رسالة للشباب كي يبنوا النهضة التي تقوم على جيل يتعلم. فهي لن تقوم بالأوهام أو الدعاء والتدين فقط، يجب أن نهتم بالعلم والعمل لكى نصل لأفكار متفقة مع إيمانا وفهما لإسلامنا.

  • قصة الاندلس (28) - ما بعد الخروج

     

    قصة الاندلس (28) - ما بعد الخروج

    ما بعد خروج أبي عبد الله بن محمد من غرناطة؟

    حديثنا اليوم عما بعد السقوط. وهو بالطبع حديثٌ مؤلمٌ قاسي على النفس. لكن يجب علينا الخوض فيه بهدف أن نتعلم منه، وبهدف تذكير أنفسنا أننا ذو تاريخ عظيم، وأنه ليس من الصعب أو المستحيل على أمتنا العودة إليه في المستقبل.

    نبدأ بخروج أبي عبد الله محمد الصغير من الأندلس، من غرناطة بالتحديد. ولم يكن هذا الخروج بالحدث البسيط أو الأمر الهين على المسلمين بعد خمسة وثمانمائة أعوام قضوها في الأندلس (92 هـ - 897 هـ). ونتسائل عن سبب تعاظم هذا الأمر في نفوسنا فيما يتعلق الأمر بالأندلس بالذات. فالتاريخ يسرد حالات عديدة تم الاعتداء فيها على بلاد المسلمين، نذكر منها على سبيل المثال إغارة التتار على بغداد. فلماذا بالذات في الأندلس تم سحق الوجود الإسلامي فيها بالكلية؟! والإجابة تكمن في كلمتين "الوحدة الوطنية".

    كان المسلمون يرون أنفسهم كعرب أو كبربر أو كأمويين، ولكن ليس "كأندلسيين" إلا في أوقات قليلة جدًا. بمعنى أنهم لم يجمعهم إنتماؤهم للأندلس تحت مفهوم "المواطن الأندلسي"، بل كانوا يعيشون تحت سماء نفس الوطن (الأندلس) لكن في شكل طوائف متعددة الإنتماءات كما ذكرنا. هذا مسلم عربي، وذاك مسلم مغربي، وهذا مسلم يمني. ولهذا خرجوا بالكامل. وكأن محافظتك على الوحدة الوطنية هي ضمان بقائك، بينما تفريطك أو تهاونك فيها يؤدي إلى سحقك.

    الحملات ضد المسلمين

    خرج الخليفة أبو عبد الله بن محمد من غرناطة، لكن ظل المسلمون يعيشون في أسبانيا. ومنذ بداية اليوم التالي لدخول فرناندو وإيزابيلا إلى أسبانيا بدأت أول حملة أو فلنسميها "مأساة إنسانية" وهي بحق أسوأ مأساة إنسانية تعرض لها المسلمون في التاريخ. وفيها تعرض المسلمون لستة أنواع من أشكال الإبادة في أسبانيا:

    1- عزل المسلمين عن ثقافتهم العربية والإسلامية: فحتى الحمامات التي كانت منتشرة في الطرقات لاغتسال ووضوء المسلمين تم إغلاقها، وحتى الأزياء العربية والإسلامية، وبالطبع مُنِعَ استخدام اللغة العربية.
    2- حرق المخططوطات الإسلامية في غرناطة: وقام بذلك الكاردينال خمينس، فقد أحرق كل ما وقعت عليه يداه من التراث الإسلامي، وهذا تراث عظيم يشابه في قيمته ما تم حرقه في مكتبة بغداد. الشيء الوحيد الذي لم يتم إحراقه كان الخرائط الخاصة بالبلاد، وسنناقش هذا فيما بعد.
    3- تنصير المسلمين بالإكراه: وهذا في الأصل ضد تعاليم المسيح. لكن في إعتقادي أنه حتى الدين كان يتم إستخدامه لخدمة الهدف العسكري. وقد قاوم المسلمون بالطبع هذه الحملات. أحيانًا بطريقة معلنة عن طريق الثورات، وتلك تم سحقها، وأحيانًا بطريقة غير معلنة عن طريق التمسك بالإسلام دون إعلان، فبذرة الإسلام قوية للغاية. وبالرغم من كل ما تعرض له المسلمون آنذاك من حرق لتاريخهم، وعزلهم عن ثقافتهم العربية، ومحاولة تنصيرهم إلا أنهم تمسكوا بدينهم. قارن هذا بالإتحاد السوفيتي وانتشار الشيوعية فيه، ورغم ذلك فور سقوطه، تحولت الجمهوريات السوفيتية للإسلام. فهذا هو الإيمان، عميق للغاية ولا يمكن أن يُعزل أو ينتزع من قلوب الناس. لم يجدِ كل ما سبق مع المسلمين، فيحكي المؤرخ قشتار أن والده كان يعلمه القرآن في الخفاء ويرسله أيضًا إلى الكنيسة للتظاهر بإعتناق المسيحية خوفاً على حياته.
    4- محاكم التفتيش: ظهرت محاكم التفتيش والتعذيب للتحقق من تنصُر المسلمين. وللأمانة لم تقتصر محاكم التفتيش على المسلمين فقط، بل شملت أيضًا غير المسلمين من المسيحيين معتنقي مذهب آخر غير مذهب الدولة الكاثوليكي، ومن اليهود أيضًا، وكأن الأمر برمته عسكري بحت وليس ديني. وفشلت هذه المحاكم أيضًا في تغيير عقيدة المسلمين.
    5- التهجير: بعد فشل الخطوات السابقة، لجأ الأسبان إلى التهجير وتوزيع المسليمن في المدن الأسبانية.
    6- الطرد: كان الطرد هو الخطوة الأخيرة بعدما فشلت الخطوات الأخرى، فتم طرد المسلمين فهاجروا إلى المغرب العربي (تونس والجزائر والمغرب)، فآواهم أهلها ونصروهم، وهم في هذا دومًا يذكرونني بالأنصار الذين احتضنوا المهاجرين أيام رسول الله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.

    وقد ندم الأسبان على خروج المسلمين من أرضهم لخسارتهم حِرَفًا كثيرة كان المسلمون يجيدونها كالزراعة والصناعة.

    المسلمون والعالم الجديد نعود إلى أمر الخرائط التي خطها المسلمون في الأندلس، ونذكر هنا أنها كانت السبب في كشف تاريخي كبير. فقد خرج المسلمون من غرناطة عام 1492 ميلادية، وهذا هو نفس العام الذي اكتشف فيه كريستوفر كولومبوس الأمريكتان. فقد اعتمد الأسبان على خرائط المسلمين لمعرفة طريق للوصول للعالم الجديد. والأدلة على ذلك عديدة بعضها مخطوطات عربية، وبعضها مخطوطات أسبانية وأمريكية، حيث تذكر هذه المصادر أن كريستوفر كولومبوس ألح على الملكة إيزابيلا بضرورة خروج بحارة مسلمين معه على سفينته في رحلته الاستكشافية وهؤلاء كانوا هم الدليل لكريستوفر كولومبوس في رحلته.

    برهان آخر نأتي به من معهد المخطوطات في مدريد، وهو خريطة موجودة حتى الآن قام بتحققيقها أستاذ في جامعة برشلونة. مضمون المخطوط أن "ابن الزياد" هو أول من رسم خريطة للعالم وبها أوروبا يليها المحيط الأطلنطي تليها الأرض الجديدة التي هي الأمريكتين حاليًا.

    يؤكد مصدر آخر أن البحار العربي "الخشخاش" من عهد عبد الرحمن الأوسط (عام 822 ميلادية) قبل اكتشاف كريستوفر كولومبوس بحوالي خمسمائة عام، قام بتقديم خريطة لعبد الرحمن الأوسط مفادها أن هناك أرضٌ جديدة لم تطأها أقدامنا حتى الآن وأشار إلى مكانها، وأنه قد قامت بعض الرحلات بالسفر لمحاولة اكتشافها.

    برهان آخر، قام الخليفة العثماني في تركيا بارسال محي الدين بن الريس التركي لنجدة المسلمين في غرناطة، وكان المستشار العلمي لآخر حاكم أندلسي مسلم. وحينما تم خروج أبي عبد الله محمد من الأندلس، رفضت الملكة إيزابيلا خروج محي الدين بن الريس، وحددت إقامته، وطلبت منه كل الخرائط التي كانت في حوزة أبي عبد الله.

    دليل آخر، يوثق متحف واشنطن أن كريستوفر كولومبوس حينما أرسلته إيزابيلا لاكتشاف الأمريكتين توقعت أن المسلمين في الأغلب قد سبقوهم إلى هناك - ففضل العرب والمسلمين كان مرأى السمع والبصر حينذاك- فأمرت بكتابة خطاب باللغة العربية موجه لأهل بلاد الأمريكتين تحسبًا لاحتلال المسلمين لهذه الأرض قبلها. ينص الخطاب على ما يلي: "من ملكة أسبانيا إيزابيلا إلى قائد هذه المنطقة الجديدة، نحن نرغب في التعاون مع بلادكم،...". قام العرب المصاحبون لكولومبوس بقراءة هذا الخطاب على سكان الأمريكتين من الهنود الحمر، ولكن بالطبع لم يفهموا محتواه.

    دليل أخير يذكره الأدريسي وهو مؤرخ جغرافي مشهور، بقيام مجموعة من الشباب المسلمين في لشبونة قبل سقوط الأندلس بثلاثمائة عام، بالإبحار في سفينة بمجهوداتهم الشخصية في المحيط الأطلنطي لاكتشاف عالم جديد. لكن لم تنجح رحلتهم، وأطلق عليهم المجتمع حينذاك لقب "الشباب المغررون" لسعيهم وراء الوهم، وسميت بأسمائهم شوارع في لشبونة. لنكتشف فيما بعد أنهم لم يكونوا المغررين، وإنما ربما لو كان مجتمعهم قد قام بتشجيعهم لنجحنا نحن في اكتشاف أمريكا قبل الأسبان.

    الحماس والمغامرة هو ما أتحدث عنه، وأعني به التحدي والمغامرة المحسوبة واكتشاف المجهول والدأب لإكتشاف الحقائق، وهو ما يوجد الآن لدي شباب الغرب ويفتقده المسلمون. وأنا في حديثي هذا لا أبكي على الأطلال، بل إنما أُذَكِّر بفضل المسلمين الكبير على العالم، وأتسائل هل مازال لدى العرب والمسلمين شيئًا جديدًا يقدمونه للعالم؟! هل أنا بحديثي عن الماضي حركت بداخل كل منكم رغبة تتمثل
    في: أنا أريد أصنع شيئًا مفيدًا؟ أنا رأيت مجدي، وأريد أصنع مجدًا جديدًا؟ فهذه تذكرة مني فقط بأن هذه الأشياء العظيمة التي فعلناها في الماضي نستطيع بإذن الله أن نصنع أفضل منها الآن إن أردنا.

    نقطة أخيرة
    قد يتبادر إلى ذهن البعض بعد قراءة هذه الأسطر الرغبة في استعادة الأندلس، وبعض الإسلاميين يؤيدون هذا. وفي رأيي هذا تفكيرٌ خاطيء، لأن باب الدعوة الآن مفتوح على عكس السابق. والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز: "...وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ" (البقرة:190).

    نحن كمسلمون دخلنا الأندلس أول مرة لعدم وجود وسائل للدعوة، أما الآن فشبكة الإنترنت موجودة، والمساجد موجودة في الأندلس، والعرب والمسلمون موجودون أيضًاً بها، فلا يوجد ما يمنعك أبدًا من توصيل دعوتك ورسالتك. نحن نريد أن نتعايش مع الآخر لا أن نعتدي عليه، نحن نريد في الأصل أن نبني حضارة للعرب والمسلمين نفتخر بها على مدار التاريخ.
     

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

  • قصة الاندلس (27) - سقوط غرناطة

     

    قصة الاندلس (27) - سقوط غرناطة

    نتحدث اليوم عن سقوط غرناطة، مع الأسف انتهت الـ800 عام!
    ففي الحياة هناك أُناس تبني الحضارات، وأُناس يحافظوا عليها، وأُناس يطوروا الحضارات، وأُناس يهدموا الحضارات!

    إن الله تعالى جعل في الكون قوانين ثابتة "...فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحوِيلاً" (سورة فاطر: 43)، فيجب أن نغير من أنفسنا لنسير على قوانين الله لا إن نغير قوانين الله في الكون، فالوحدة تأتي بالنصر، الصراع نتيجته هزيمة، التعايش نتيجته العِزة، وانعدامه يجلب الخزي. فتلك قواعد وقوانين ربانية.

    تقسيم غرناطة

    وقف الغالب بالله وأخوه محمد الزغل ضد بعضهما البعض وأختلفوا حول من يحكم غرناطة التي تعاني من الضعف كدولة، فالغالب بالله يحكم القسم الجنوبي –وهو الأهم- ومحمد الزغل يحكم القسم الشمالي بعد أن توسط بينهم – فرناندو - حقنًا للدماء فاقترح عليهم التقسيم! ما أشبه اليوم بالبارحة! وفي نفس اللحظة فرناندو - ملك اراغون - يتزوج من إيزابيلا ملكة قشتالة فأقاموا بذلك "اتحاد الممالك الأسبانية" بقيادة فرناندوا وإيزابيلا. كان الغالب بالله يحكم الجزء الجنوبي والأكبر من غرناطة وكان متزوجًا من امرأة عظيمة الشأن عرفت باسم - عائشة الحرة - ابنة عمه وكان لديهم ولدان محمد ويوسف، وسيصير محمدٌ الحاكم بعد أبيه الغالب بالله.

    ثريا الرومانية

    ولكن في ذلك الوقت كان الغالب بالله قد وقع في غرام امرأة رومية اسمها ثريا، كانت كالسُمِ في العسل، فلم يكن طموح هذه المرأة السيطرة على الغالب بالله وحده، بل كان طموحها السيطرة على غرناطة بأكملها فاستطاعت أن تتحكم به وأصبح كالخاتم في إصبعها وكانت تريد أن تبعد محمدًا –ابن الغالب بالله- عن العرش. ولدت ثريا للغالب بالله ولدًا ليرث العرش وبدأت تحيك المؤامرات ضد زوجة الغالب بالله –عائشة- وابنها محمد حتى أقنعت الغالب بالله أن يحدد إقامة زوجته وابنه في قلعة. قام الغالب بالله بفعل ما طلبت منه ثريا، أما زوجته فلم تفعل شيئًا تجاه تلك المؤامرات ضدها لكي لا تتفكك المملكة ومن أجل زوجها وأولادها، ولكن عندما حُوصِرت في القلعة بدأت تتواصل مع أعيان الدولة فأعانوها وأخرجوها وابنها من محبسها بغير علم الغالب بالله، ثم بدأ ابنها يتنازع ضد والده! فقالت ثريا المرأة الرومية للغالب بالله: "اقتله!"، ولما علم ابن الغالب بالله بهذا الأمر قام بالاستعانة بمن حوله لمحاربة أبيه. كانت عائشة الحرة تذهب لزوجها تطلب منه الطلاق حتى لا يخسر المملكة وابنه، ثم تذهب الى ابنها تقول له: "لم أحررك من القلعة لتحارب والدك!" ولكن لم يستمع لها أحدٌ فتقول: "أنا أصرخ في أموات!"، والنتيجة أن الابن سيقاتل أباه! ويبدأ الابن وشهرته – أبو عبد الله- يتفق مع عمه ضد أبيه! ثم يهرب الغالب بالله مع ثريا ويموت بعدها.

    سيطرة فرناندو على الساحل الجنوبي وحصار غرناطة

    أثناء هذه الأحداث استطاع فرناندو السيطرة على الساحل الجنوبي وجبل طارق جهة المغرب العربي اللذان كانا فضلهما كبيرٌ على فتح الأندلس، لكن هناك عربيٌ خان وسَلَّمّ جبل طارق لفرناندو وللأسبان! فكانت النتيجة أن انقطع المغرب العربي عن غرناطة فلا يستطيعون مساعدتها بعد ذلك فقد أصبحت غرناطة محاصرة! من جهة أخرى أصبح محمدٌ هو الملك وكان يطلقون عليه اسم –"محمد الصغير"، وأخذ فرناندو يتحرك بجيوشه وقام بإرسال رسالة إلى أبو عبد الله - محمد الصغير - يطلب منه تسليم قصر الحمراء وكأنه يريد تسليم غرناطة بالكامل! ولكن أبو عبد الله رفض التسليم فيبدأ فرناندو بمحاصرة غرناطة، وفي هذه الأثناء يظهر بطل في جيش غرناطة، هو شابٌ مجاهدٌ ذو ثقة، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم "الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة"، ذاك الشاب هو "موسى ابن أبي غسان". يقف موسى بن أبي غسان بوجه أبو عبد الله ويقول له: لا تُسَلِم غرناطة! ويخرج موسى ابن أبي غسان بالجيش وكلما أراد فرناندو الحرق والتخريب يخرج له ويحاربه ويقف ويقول لفرناندو: "فليسمع ملك أسبانيا أن العربي خُلِقَ للفرس والسيف، وخير لي أن أموت في قبرٍ تحت أنقاض غرناطة من أن أكون في قصرٍ وأنا ذليل!"

    تسليم غرناطة

    ويعود أبو عبد الله وموسى ابن أبي غسان. يريد أبو عبد الله أن يُسَلِّم المدينة لضعفه، ويأتي فصل الشتاء وينتشر الجوع والبرد مع عدم تحمل الناس للوضع، فيقف موسى ابن أبي غسان ويقول لهم: "لم يبقَ لنا إلا الأرض التي نقف عليها، فإذا ضيعناها ضاع العرق والدين والوطن!" ولكن أبو عبد الله أصبح ضعيفًا أكثر فأكثر، ويقف موسى مرة أخرى ويقول: "خير لنا أن نَعُدَ أسماء الشهداء من أن نَعُدَ أسماء الذين شهدوا سقوط غرناطة!" ويرفض التسليم ولكن أبو عبد الله يقول له: "اسكت..."، ويبعث أبو عبد الله وزيره ليتفاوض على تسليم غرناطة وليخرج من المدينة بأمان هو وأولاده، ويستعد بالفعل للتسليم ويتسلم فرناندوا مفاتيح المدينة! وللعلم حاول أبو عبد الله أن يقاتل وتم أسره وتجريده من ملابسه، وخرج يوم 2 يناير 1492 م؛ اليوم الذي خرج فيه المسلمون من الأندلس! خرج محمد الصغير، وعلى بعد 12 كيلو من غرناطة وقف وبكى، وقد رآه جواسيس الأسبان وهو يبكي، وقالت له عائشة الحرة: "أبكِ بكاء النساء مُلكًا لم تحفظه حفظ الرجال!" خرج محمد الصغير من غرناطة وعاش في المغرب وبنى هناك قصرًا، ويقال أنه جاهد وأُستشهد، ورواية أخرى تقول أنه عاش في قصره حتى مات وعاش أولاده بعده فقراء.

    الذي يبني مُلكًا عظيمًا لله وللوطن يعيش كثيرًا، والذي يعيش لنفسه سيموت صغيرًا. وهكذا سقطت الأندلس! ولكن لازال هناك أمل! إذا كانت الأندلس سقطت من المسلمين فحضارتهم تعيش بها إلى الآن وخيرهم باقٍ إلى الآن، فبعد سقوطها بسنتين وبسبب الخرائط التي رسمها المسلمون أُكتشِفت أمريكا، وقبل سقوط الأندلس بـ40 سنة فُتِحَت القسطنطينية وكأن شمس الإسلام غَرُبَت عن غرب أوروبا لتُشرِقَ بمشرقها بفتح القسطنطينية ويصدق قول الله: "...وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ" (سورة محمد: 38). فيا تُرى هل نكون من الذين يستبدلهم الله أم من الذين يختارهم لصنع تاريخ رائع لأمتنا؟ الدروس كثيرة والألم كبير، لكن الأمل باقٍ.
     

     

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

  • قصة الاندلس (26) - مملكة غرناطة

     

    قصة الاندلس (26) - مملكة غرناطة

    لله قوانين ثابتة في الدنيا لا تتغير كقوانين الكيمياء والفيزياء، وثبوت هذه القوانين ما هي إلا من عدل ورحمة الله عز وجل لنتعلم منها بمرور الزمان. فنحن نعيش في عام 2013 ميلادية ومازلنا نتعلم من أحداث الأندلس التي حدثت من مئات السنين. يقول تعالى: [...فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا] (فاطر: 43)

    السنوات الأخيرة...

    بعد وجود المسلمين في الأندلس لمدة 600 عام وصناعة حضارة عظيمة، يبقى لهم 200 عام في الأندلس، وشتان بين الفترتين، فقد مرت 600 عام مليئة بالعز والعطاء والتعايش والنهضة والعمل، أما الـ200 عام الأخيرة فأفضل وصف لها هو الجمود. أما عن أوروبا في ذلك الوقت، فقد استفادوا من حضارة المسلمين وتقدموا كثيرًا وعرفوا جيدًا عيوب المسلمين.

    حكم بنو الأحمر غرناطة تلك السنوات الأخيرة. مؤسس دولة بنو الأحمر هو محمد بن يوسف بن أحمد الناصري الملقب بابن الأحمر. وقد كان آخر زعيم حقيقي في الأندلس، فهو إنسان عملي ومرن ولا يردد الشعارات، لكنه يتعامل مع الواقع. وهو من ذرية سعد بن عبادة أحد صحابة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كان يحكم قرطبة واستنجد به المسلمون في غرناطة حيث كان من يضيق بهم الحال في الأندلس من المسلمين يذهب إلى غرناطة. وكان هو سبب بقاء المسلمين لمائتي عام أخرى في الأندلس.

    كانت تؤسس الدول في ذلك الوقت على أحد شيئين، أساس ديني قوي أو قوة عسكرية قوية، وكانت غرناطة قائمة على انسحاب المسلمين من الدول حولها إليها فكانت ضعيفة الأساس في حين أن دول إسبانيا من حولها كانت قوية جدًا وتحارب غرناطة وتضيق عليها بشتى الوسائل. أدرك محمد بن الأحمر هذه الحقيقة فقرر عمل معاهدة بينه وبين ملك قشتالة وكانت تنص على مايلي:

    1. يدفع المسلمين في غرناطة لمملكة قشتالة جزية سنوية قدرها مائة وخمسون ألف دينارًا ذهبيًا.
    2. تتبع غرناطة مملكة قشتالة وتكون من رعايا مملكة قشتالة.
    3. تسليم حصون غرناطة لمملكة قشتالة.
    4. تساعد غرناطة مملكة قشتالة في حالة خوض قشتالة أي معركة مع أي دولة.

    لم يكن باق في ذلك الوقت للمسلمين من الأندلس إلا إشبيليه وغرناطة وهي الأهم.
    لم يكن ملك قشتالة (فيرناندو) يقدر على اقتحام غرناطة عسكريًا لأنها كانت كثيفة سكانيًا ولأنها كانت محصنة بحصون وأسوار قوية، لذلك أقبل على عمل المعاهدة. كانت خطة فيرناندو للقضاء على حكم المسلمين في غرناطة أن يحاصرهم اقتصاديًا، ولكن ابن الأحمر كانت له رؤية لإنقاذ غرناطة؛ فقام بعمل جلسة مصارحة مع شعبه وقال: "أيها الناس، هذه اتفاقية خزي وعار ولكنهم كانوا سيأخذونها سيأخذونها وإنما أردت أن أؤجل عليهم غرناطة لكن لا حل" ثم سكت وقال: "إلا حل واحد وهو العمل ثم العمل ثم العمل" وبهذه الكلمة حافظ على غرناطة 200 عام. الطريقة التي استخدمها مع شعبه استُخدمت في العصر الحديث في سنغافورة وماليزيا فعاد الوعي للشعب وعرفوا أنهم لن يتمكنوا من البقاء إلا بالعمل.

    أهمية العمل في تغيير التاريخ

    قام محمد بن الأحمر بنشر شعار العمل في كل مكان بغرناطة، فانتشرت الآيات مثل: [وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ...] (البقرة: 82) [وَقُلْ اعْمَلُوافَسَيَرَىاللهعَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ...] (التوبة:105) كما أنشأ مدارس للحرف والمهن، وانتعشت منتجات غرناطة خاصة المنسوجات، وظهرت المنتجات الطبية بسبب وجود الأعشاب على جبال غرناطة، وظهرت صناعة السفن، وازدهر فن العمارة، وقام ببناء قصر الحمراء الذي عاش فيه بعد ذلك وهو من أهم معالم إسبانيا السياحية إبى يومنا هذا.

    لم يكن باستطاعتهم استعادة مجد الأندلس كما كان في السابق بسبب وجود خلل في غرناطة وهو عدم وجود فكرة الوطنية لدى الناس فكل اهتمامهم كان يدور حول غرناطة وكيف يحافظوا عليها. ملك قشتالة طلب من ابن الأحمر أن يدخل معه في معركة ضد إشبيليه وقبل ابن الأحمر بذلك لقناعته بأن الإسبان سيوقعون بإشبيلية على كل حال، ولكنه جلب مسلمي إشبيليه إلى غرناطة وبهذا زاد من حماية وقوة غرناطة بزيادة عدد سكانها.
    ترى كيف نستطيع الحكم على إبن الأحمر؟ هل هو خائن أم وطني؟ في كل الأحوال الشيء الأكيد هو أنه غير التاريخ وحمى غرناطة ومسلميها لمدة 200 عام منذ بداية حكمه.

    سقوط غرناطة

    توفى ابن الأحمر وأتوا أبناؤه وأحفاده من بعده لكنهم لم يكونوا مدركين لأهمية العمل لبقاء غرناطة كما كان يدرك محمد بن الأحمر. فسقطت غرناطة عندما توقف العمل والإنتاج بها. وقبل سقوط الأندلس بـ 26 عامًا، كان هناك من آل الأحمر شخص يدعى الغالب بالله الذي اختلف مع أخوه أبو عبد الله الزغل وكانوا سيدخلون في حرب ضد بعضهم ولكنهم توصلوا لحل وهو تقسيم غرناطة شمالية مع الغالب بالله وجنوبية مع أبو عبد الله الزغل والذي إاقترح عليهم هذا الحل هو فيرناندو. وقسمت غرناطة بسبب الصراع والخلاف بين الأخوين. وفي ذلك الوقت كانت ملكة ليون إيزابيلا قد تزوجت بفيرناندو ملك قشتالة وتوصلا لإتفاق أن يوحدا الممالك الإسبانية ليكونا مملكة إسبانيا.

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

  • قصة الاندلس (25) - الحب

     

    قصة الاندلس (25) - الحب

     

    بسم الله الرحمن الرحيم، حلقتنا اليوم مختلفة، فالأحداث الكثيرة التي تكلمنا عنها ليست وحدها تمثل الأندلس، فإذا كان عمر الإسلام 1400 عامًا فالأندلس تمثل 800 عام من عمر الإسلام، وبالتالي فهي حياة مليئة بأحداث اجتماعية وإنسانية. في حلقة اليوم سنأخذ بُعدًا إنسانيًا كي نريكم صورة متكاملة، ستكون عن أمرٍ قويٍ جدًا في الأندلس وهو الحب، ولقد قدر النبي صلى الله عليه وسلم عاطفة الحب ودلنا على أهميتها، فعندما جاءه رجل يقول له أن ابنته تقدم لخطبتها رجلٌ فقيرٌ وآخر غنيٌ وأنه يريد أن يزوجها الغني قال له النبي: "والفتاة قلبها من يهوى؟" فقال: المعدم يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم كلمة جميلة: "لا أرى للمتحابين إلا الزواج"، لقد كانت هذه هي نظرة الإسلام للحب.

    الحب بناء أو هدم:

    وأريد أن أمهد لهذا الموضوع وأقول لكم أن عاطفة الحب هي من أجمل النعم التي أنعم الله بها على البشرية، والحب أنواعٌ كثيرة ولكنني في هذه الحلقة سأركز على الحب بين الرجل والمرأة. من شدة غلاوة هذه العاطفة على ربنا سبحانه وتعالى جعل استمرار البشرية مرتبطٌ بها، فما الزواج إلا بداية انجذاب رجل لامرأة فيتوج بهذا الزواج، وبالتالي يكون استمرار وبقاء البشرية. وأهم ما في الحب - وكي نعرف إن كان حبًا حقيقيًا أم مزيفًا وأنا أهدي هذا الكلام للشباب وخاصة البنات – أن نعرف هل هو حبٌ يبني أم يهدم؟ فهناك من يحب فينجح أو يقلع عن عادة سيئة كالمخدرات أو يبني أو تبني بيتًا وأسرة، وليس زواج من وراء الأهل مما يخلق مشاكل معهم، فلو تم البناء تعرف وقتئذٍ أن الحب حقيقي.

    * قصة حب المعتمد واعتماد

    ولنرجع للأندلس ولنرى قصصًا من أحبوا فبنوا ومن أحبوا فهدموا، ولنبدأ بقصة المعتمد بن عَبّاد، واسمه الحقيقي محمد بن عَبّاد وسوف يكون لاًحقا ملكًا لإشبيلية وسيكون من أقوى ملوك الطوائف؛ عندما كان المعتمد أميرًا رأى امرأة اسمها اعتماد كانت تعمل عند رجل اسمه الرميكي من كبار التجار في إشبيلية، وقد أعجب بها وأحبها حبًا شديدًا ولكنه لم يستطع الزواج بها، فقد كان الرميكي يرفض هذا الزواج فلم يكن أحد يتخيل أنه سيصبح ملكًا، ولكن في النهاية تزوج منها وبعدها أصبح ملكًا لإشبيلية وأحب أن يُلقب نفسه بلقب له علاقة بها فسمى نفسه "المعتمد"، وعُرِفَ تاريخيًا إلى اليوم بالمعتمد بن عَبّاد وقد أنجب منها ثلاث بنات. وكان ابن عَبّاد يحبها حبًا جمًا فقد وجدا ذات مرة بنات يلعبن في الطين فأرادت اعتماد أن تتدلل على زوجها فقالت له أنها تريد أن تلعب في الطين فأحضر بعض التراب وسكب عليه كل أنواع العطور الموجودة وقال لها: امش فيه هذا هو طينك، فسمي "يوم الطين"، ولامه الناس على هذا الأمر، وقد كان الكل يَشُكّون في أمر هذه المرأة أنها تريده لماله وملكه.

    دارت الأيام على المعتمد وجاء يوسف بن تشفين ونفى المعتمد وطرده إلى بلدٍ تسمى أرماد بجوار مراكش بالمغرب، ولم يُجرِ عليه أي مال وتحول إلى إنسان لا يجد ما يأكله لولا أن بناته كن يجدن صناعة الغزل فيقمن بالغزل ويبعن ليطعمن أباهن، لكن السؤال ماذا ستصنع اعتماد؟ هل ستترك زوجها؟ لا، بل ستكمل معه، وفي مرة من غضبه لما آل إليه حاله قالت له زوجته كعادة بعض النساء: أنا لم أر معك أي يوم حلو! فقال لها: ولا حتى يوم الطين؟! لقد ظلت اعتماد مخلصة لزوجها سنين طويلة في فقرٍ شديدٍ حتى مات، والأجمل من ذلك أنها رفضت الزواج بعد موته، لقد كانت قصة بناء ووفاء.

    * قصة حب زينب ويوسف بن تشفين

    قصة أخرى وهي قصة زينب زوجة يوسف بن تشفين القائد العظيم الذي فتح الأندلس مرة أخرى مع المرابطين، ولكن قبل أن تتزوج زينب من يوسف بن تشفين كانت زوجة لرجل اسمه أبو بكر بن عُمر وهو المؤسس الحقيقي لدولة المرابطين وقد كان رجلاً تقيًا ورعًا وليس رجل سلطة وصراع، فقال ليوسف بن تشيفن أنه أحق بالملك منه وترك له قيادة دولة المرابطين في المغرب وكانت وقتها دولة ضعيفة، وقرر هو أن يخرج للدعوة إلى الله والجهاد في مجاهل أفريقيا عندما كانت مجاهل بالفعل، ولم يكن يعلم هل سيعود أم لا، فمن تقواه قال لزينب أنه لا يريد أن يعلقها لأنه سيخرج للدعوة والجهاد وبالفعل طلقها، وفور أن انتهت عِدَّتُها طلبها يوسف للزواج، وتزوجا بالفعل فأحبته حبًا شديدًا ولكنها بقيت على الوفاء لأبي بكر بن عمر، فكيف ذلك؟! لقد عاد أبو بكر من أفريقيا ولم يته فيها فوجد أن يوسف بن تشفين قد حوَّل المغرب إلى مملكة وبنى مدينة مراكش وأصبح موحد المغرب فقال له أبو بكر بن عُمر أنه هو من أعطاه كل هذا وأيضًا لقد تزوج من زوجته فأراد أن يسترد ملكه، فقرر يوسف أن يسحقه، فوقفت زينب وقالت ليوسف: أنت تعلم كم أحبك لكن الوفاء لهذا الرجل، تقتله؟ لا يا يوسف، فقال: فما أفعل؟ فدلته على خطة تخلصه من هذا الأمر وبدون دماء.

    لقد طلبت من يوسف أن يدعو أبا بكر للقصر كي يريه كيف أصبح قصر الخلافة به من الفخامة والأبهة وعدد الموظفين ما يربكه وكي يريه أن الرجل التقي لا يستطيع أن يدير الدولة، وبعد أن يريه كل ذلك طلبت منه أن يعطيه خيمة ليقيم فيها ويدعو إلى الله في الصحراء وسيرضيه ذلك. وبالفعل فعل يوسف ذلك فعرف أبو بكر أنه لن يقدر على هذا الأمر وخرج من القصر ولم يحدث أي صراع وكل ذلك بفضل زينب، وقد قيل ليوسف لقد مررت في حياتك بأزمات كثيرة نجحت فيها كلها فمن أين تعلمت الخروج من المآزق؟ فرد بمنتهى الشجاعة: من زوجتي زينب.

    * قصة ثريا والملك الغالب بالله

    سأخبركم الآن للأسف ببعض قصص الهدم، فثريا بنت رومية قد تزوجت من الملك قبل الأخير الذي حكم غرناطة وبعدها سقطت غرناطة وخرج المسلمين من الأندلس إلى الأبد، وكان اسم الملك "الغالب بالله" وكان هذا الملك متزوجًا من امرأة عظيمة اسمها عائشة الحرة، وفي هذه الأثناء ظهرت ثريا، وتزوجت من الرجل ولعبت به وانهت وجود المسلمين في الأندلس لأنها أوقعت بينه وبين أبنائه حتى وصل به الأمر أنه حبس زوجته عائشة الحرة وحبس أبناءه، ولدرجة أنه دخل مع ابنه في صراعٍ وحربٍ قُضيَ بها على كل الأندلس. ألم أقل لكم أن هناك حبٌ يبني وحبٌ يهدم؟ إن كل شاب وفتاة بداخله عاطفة حب لابد أن يفكر ويختار هل سأبني أم سأهدم؟ هل سيساعدني الطرف الآخر في البناء أم سيكون السبب في هدم مستقبلي؟

    * أشهر قصة حب في الأندلس: ابن زيدون وولادة

    لقد كان ابن زيدون من أشهر شعراء الأندلس الكبار المثقفين وأما ولادة فهي بنت المستكفي الخليفة الأموي. كانت ولادة تسكن في القصر الأموي في قرطبة وكانت تعشق الشعر وتقوله، فقامت بعمل مكان يشبه الصالون الثقافي للندوات في حديقة القصر - انظروا كيف كانت قدرات النساء في الأندلس- وكانت هي الراعية لهذا الصالون حيث يجتمع فيه الشعراء والأدباء وكان من هؤلاء الشعراء ابن زيدون، وكانت تستمع لشعره فأحبا بعضهما حبًا شديدًا، حبًا غير عاديًا، ولكن كانت هناك مشكلة تمنع زواجهما وهي أن ابن زيدون من المعترضين على سياسة أبيها وعلى الحكومة بل ومن المعترضين على الخلافة الأموية، وهي تقول كيف أتزوج من شخصٍ معترض على أبي؟ وهو أيضًا يحبها لدرجة كبيرة ولكنه لا يستطيع التنازل عن مبادئه، فأصبح في صراع بين حبها ومبادئه، وبدأ يكتب أشعارًا كثيرة للغاية لدرجة أن جزء من حفظ تاريخ الأندلس من أشعار ابن زيدون الذي يتكلم عن حبه الكبير ولكنه يتكلم في الوقت ذاته عن وضع الدولة وأنه لا يستطيع أن يتنازل عن عاطفته ولا عن دوره، وولادة تقول أنها لا تستطيع أن تتزوج من يعارض أباها، وظلوا على هذا الحال! يذكر أن حكومة أسبانيا الآن قامت بعمل نصبٌ تذكاريٌ مكان صالون الندوات في الحديقة داخل القصر، وظلت قصة الحب والأشعار محفوظة إلى الآن.

    ظل الأمر بينهما هكذا إلى أن حدث أمر ما، لقد حدثت ثورة على المستكفي وشارك في هذه الثورة ابن زيدون ومن سوء حظه أنه قبل أن يَبُتَ المستكفي في أمره قامت ولادة بذلك - وقيل أنه كتب شعرًا في امرأة أخرى فغارت ولذلك فعلت ما فعلت به - لقد سجنته سبع سنين، وظل يكتب الشعر في السجن يقول فيه: هل أنا كنت مخطئًا أمام أخطاء الدولة؟ وكان من ضمن ما يسرده تأريخ لتاريخ الدولة بسبب أشعاره ولكنه يسرد أيضًا كم يحبها، أما هي فقد قررت أن تتزوج من شاعر آخر غريمٍ لابن زيدون ومنافسٍ له، فقام ابن زيدون بكتابة قصائد يبكي لها الناس. وبعد سبع سنين هرب من السجن حتى رَقَّ لحاله المستكفي وعفا عنه، ولكن أتعرفون أين ذهب فور هروبه؟ لقد ذهب إلى الحديقة التي كان يقابلها فيها ليقول الشعر، ولكن كانت هناك مفاجأة! فعندما ذهب إلى هناك وجد ولادة في نفس المكان؛ لقد ذهبت إلى هناك عندما علمت بهروبه.

    يالها من قصة رهيبة، ولقد انتهت هذه القصة بزواج وأكمل ابن زيدون معها بقية عمره، وكتبا شعرًا في علاقة روحين تعلقا ببعضهما البعض وفرقتهما الأفكار المختلفة، وفي النهاية تجمعا رغم الظروف. ولقد سجل الأسبان على النصب التذكاري الأشعار التي قالتها ولادة وقالها ابن زيدون:

    أغارُ عليكَ من عيني ومني ومنكَ ومن الزمانِ والمكانِ
    ولو أني خبأتك في عيوني إلى يوم القيامة ما كفاني

    هذا قول ولادة وقد رد عليها ابن زيدون وتخلدت قصة حب وزواج كلها بناء وعاطفة تعود علينا الآن بأن نسأل كل زوج وزوجة أين نحن الآن من هذا الحب؟ وهل لازال بيننا كأزواجٍ هذه العواطف الرائعة؟ إنه حب يبني.

    * قصة حب فاطمة الفهرية وزوجها

    قصة أخرى لامرأة لديها طموح أن تنجح، وهل من الممكن أن يقضي الرجل المحب على طموح امرأة تريد أن تنجح في الحياة لأنه يحبها ويريد أن يمتلكها ويغار من أن تنجح وتسبقه؟ أم يفتح لها المجال؟ إنها قصة فاطمة الفهرية وهي مغربية - فالمغرب هو شريان الأندلس - وقد وَرِثَت عن أبيها أموالاً كثيرة للغاية وكان زوجها غنيًا أيضًا، ولكنها كانت تريد أن تضع كل أموالها في جامع يتحول إلى جامعة، وهي جامعة القرويين. إن كلمة "جامعة" مشتقة من كلمة "جامع" فقد أنشأت جامعًا فيه فصول كثيرة فتحول إلى جامعة، ومنها أخذت كل جامعات العالم كلمة "جامعة" من المسلمين، وأول من قام بذلك امرأة! ولكن زوجها لم يحطم طموحها، وقَبِلَ أن يكون في الظل وأن يكون رقم اثنين، ولم يغر ويرفض أن تحقق حلمها، فهل من رجل الآن مستعد لفعل هذا؟

    إن أكثر كلمة يبحث عنها الناس في موقع جوجل هي كلمة (Love) أي الحب، الناس في احتياج إلى الحب، ولكن المهم يا شباب أن يكون الحب الذي يبني ولا يهد!
     

     

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

     

  • قصة الاندلس (24) - التعايش

     

    قصة الاندلس (24) - التعايش


     

     

    دعونا نستعرض تاريخ الأندلس منذ البداية، من الفتح، من موسى بن نصير الذي أخذ السفينة متجهاً إلى الأندلس إذ يرى في منامه رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا: "أوصيك يا موسى" قال: "لبيك يا رسول الله" قال: "أوصيك يا موسى" قال: "لبيك يا رسول الله" قال: "أوصيك يا موسى" قال: "لبيك يا رسول الله" قال: "أوصيك بالرفق بغير المسلمين في الأرض التي ستدخلوها". فما كان من موسى بن نصير إلا أن نشر تلك الرؤيا على متسع بين أفراد الجيش لقوة إحساسه بها، وأخبر بها طارق بن زياد حتى توارثتها الأجيال لتصل إلينا لنعلم أن وصية رسول الله في فتح الأندلس كانت (التعايش).

     

    ولكن ما معنى التعايش؟ التعايش في معناه البسيط هو أن نعيش سويًا. والتعايش هو ثلاثة نقاط: · أن نحترم الآخر · وأن نسمع للآخر · وأن نتعاون مع الآخر

    تاريخ الأندلس يعلمنا تاريخ التعايش لنبدأ بابن موسى بن نصير وهو عبد العزيز بن موسى بن نصير والذي قام بعمل وثيقة تصالح عليها أهل تضمر وكل أهل قرطبة، وسافر بها من بلد إلى بلد ينشرها بين الناس. جاء في هذه الوثيقة: لكم ذمة الله ورسوله، ولكم عهد الله ورسوله، ولكم ميثاق الله ورسوله، لا تحرق كنائسهم، ويؤمنون على أولادهم ونسائهم، ويؤمنون على أراضيهم ومزارعهم، ولهم منّا الأمان بعهد وذمة الله ورسوله.

    ليس هذا فقط، بل كان هو أول من تزوج بغير مسلمة وقد فعل ذلك عن عمد إذ تزوج بأرملة لوزريك قائد القوت الذي حارب المسلمين، وكانت نيته في ذلك أن يرسل رسالة لجميع المسلمين بالأندلس بأنه إذا ما أردنا الاستقرار فعلينا أن نتعايش وقد أحل لنا ذلك الإسلام. وقد دعم ذلك الفكر المشايخ والعلماء بفتاواهم للمحافظة على فكرة التعايش. فظهر جيل أسموه جيل المولّدين؛ وهم الجيل الناتج عن تزاوج العرب والبربر من الإسبانيات، وحتى اليوم نجد مسحة الشكل العربي ظاهرة بين الإسبان بسبب مرحلة التزاوج الواسعة تلك التى أنتجت من إسبانيات غير مسلمات جيلًا مسلماً.

    عبد الرحمن الداخل

    ذلك الرجل لاحظ أن الناس جميعًا متصارعون مع بعضهم البعض، فكان أول من يعرض فكرة المصالحة الوطنية، وكان ذلك قبل نلسون مانديلا وكل الإصلاحيين الجدد. كان الرجل يمتلك من الشجاعة والقوة والإرادة السياسية ما حمله على أن يبدأ بنفسه فذهب لمن عادوه بنفسه بادءًا بالصلح وتحالف معهم فنتج عن ذلك انسجام مجتمعي.

    لم يكتفي بذلك، بل اتجه إلى الجيش المكون من مائة ألف فارس، لم يجعلهم جميعاً من العرب، بل ضم إليهم المولّدين (أو الجيل الثاني من تزاوج العرب والبربر من الإسبان) كما ضم البربر والمسيحيين إليهم.

    وحين هم ذلك الرجل ببناء مسجد قرطبة العظيم، وكان جزء من ذلك المسجد في أصله كنيسة، أصر على شراء تلك الكنيسة بدلًا من أخذها بغير وجه حق لامتلاكه السلطان والقوة، فذهب إلى القساوسة وعرض عليهم مبلغًا في مقابل أن يأخذ الكنيسة فرفضوا، فأخذ يرفع السعر وهم على الرفض حتى رفعه عشرة أضعاف فقبلوا، وبنوا بالمال كنيسة أكبر، وضم بذلك أرض الكنيسة إلى المسجد الذي هدف به أن يتوسط البلد لتيسير الصلاة على المسلمين.

    كما بدأ فكرة المشروع المشترك، وذلك أنه لو اجتمع اثنان من تيارات مختلفة كعربي وبربري أو عربي ومسيحي أو مسيحي وبربري، متحدان لعمل مشروع تجاري أو معمل أو مصنع أو خلافه، كانت الأرض التي يعملون عليها منحة مجانية لهم.

    عبد الرحمن الناصر

    كان من أشجع من فكر في أفكار للتعايش هو عبد الرحمن الناصر، فقد لاحظ أن كل من له منصب في الدولة هو عربي، أي من وجهة نظر الدولة هو ثقة، فأخذ يستوثق من أن كل منهم هو الأكفأ في مجاله، فإن علم بمن هو أكفأ وأكثر خبرة ولو من البربر أو المسيحيين عزل العربي وعين الأكفأ وبذلك ظل حكمة خمسون عاماً وهو الأطول في تاريخ الأندلس، وكان السبب المباشر في ذلك هو تعليته لأهل الخبرة فوق أهل الثقة فأحبه الجميع وبذلك حفظ بلده وملكه.

    موسى بن ميمون

    من أشهر الأطباء اليهود من أهل الأندلس، وهو رجل تعامل معه الخلفاء والحكام كفيلسوف وطبيب وهو موسى بن ميمون. فهو رجل يهودي وبرغم من ذلك لم يحرم حقاً له، وانتشرت كتبه واستعان به صلاح الدين كطبيب خاص له أثناء حروبه ضد الصليبين المسيحين، فترك الأندلس والتحق به. هكذا كان التعايش عند المسلمين.

    طليطلة

    تلك المدينة العظيمة، مدينة التعايش والتي تعرف بالإسبانية باسم توليدو. لو تساءل أحدنا عن مدينة يطلق عليها اسم مدينة التعايش وبحث هل في سويسرا أم أمريكا أم الصين أم بلاد العرب لما وجد شيئاً بهذا الاسم، ولكن ما يمكننا أن نقطع به أن طليطلة – المدينة التي شيدها المسلمون – كانت مدينة التعايش، فقد صممت للتعايش فنرى البيوت في تلك الحارات هي نفس تلك البيوت التي كان يسكنها المسلمون قديما ومازالت كما هي يسكنها الإسبان حاليا.

    والتعايش ليس كلاماً بل مشروعات، فمثلاً بدأوا في طليطلة حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية وإلى كل اللغات الأخرى، وكانت الترجمات تتم في مكان خاص عرف بدار الترجمة اشتغل به كل من المسيحيين والمسلميين واليهود على السواء، فتُرجمت كتب من العربية للاتينية ومن اللاتينية إلى العربية ومن الإغريقية إلى العربية ومنها إلى اللاتينية وهكذا بسبب تلك الحركة القوية من الترجمات أضاءت أوروبا بالعلوم. عملوا أصحاب الديانات الثلاثة جنباً إلى جنب لاتقانهم للغات مختلفة وقدموا ما يعرف الآن في العالم بفكرة الـ(Team work) أو العمل الجماعي.

    كما شهدت هذه المدينة ساحات لمباريات الشطرنج والتي تنافس فيها المسلمين والمسيحيين سويًا. فإنه لمن العجب أن نجد تلك الأفكار القديمة من القرن الثالث أو الرابع هي التي تعلمنا عن التعايش بينما نحن اليوم نعجز عن التفكير في أمور تجمعنا بل أن أقصى ما نقدمه حين ظهور أي فتنة طائفية أن نصيح بأننا متحابيين ليس بيننا مشكلات. علينا أن نتعلم من القدماء أن نعمل على الوقاية قبل العلاج.

    اشتهرت طليطلة بصناعة السيوف ولم تقتصر تلك الصناعة على المسلمين بل اشترك في ورش التصنيع كل من البربر والمسيحين وخاصة أهل الشام لاشتهارهم بالسيوف. كانوا يصنعون مقابض السيوف من قرون الجاموس الذي يُربّى في مزارع أصحابها مسلمين ومسيحين على السواء، حمل ذلك الناس على الحفاظ على العلاقات سليمة ودرء أي فتن تنشب حفاظاً على أقواتهم.

    هناك أحد المساجد في إحدى الحارات، عليه كتابات تشرح كيف افتُتح. وقد كتب "عليه بسم الله الرحمن الرحيم {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} (النور:36)" بعد هذا المسجد بقليل، نجد كنيسة وبعدها معبد يهودي وقد اجتمعت دور العبادة الثلاث في نفس المكان، وقد عاش الناس كل في حيَه يعبد ربه بحسب تقاليده وعاداته سواء في العبادة أو المأكل والمشرب والجميع يحترم بعضه البعض وكل ذلك تحت مظلة الإسلام. ومن العجيب أن نلحظ أن الكنيسة قد بنيت على الطراز الإسلامي بنفس القوس والعروض التي اشتهر بها الطراز الإسلامي. فهناك المباني كلها كما تركها المسلمون والشوارع ما تزال ضيقة تجمع الناس وتقربهم.

    ختام

    ترى هل من الممكن أن نقيم في بلادنا مدينة تصبح مدينة التعايش؟ نحتاج إلى أن نتعلم التعايش حتى بين أبناء الدين الواحد، لعلنا يوما نستطيع أن نقلد نموذج طليطلة الرائع.

     

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

     

  • قصة الاندلس (23) - وصفة الحضارة

     

    قصة الاندلس (23) - وصفة الحضارة


    وصفة الحضارة:

    كيف تُبنى الحضارة؟ هل شعرت في يوم أنك تعاني من بعض آلام المفاصل؟ أين أفضل مكان يعالج آلام المفاصل؟ أنه في ألمانيا أليس كذلك؟! كانت الأندلس في ذلك الوقت بمثابة ألمانيا أو إنجلترا في وقتنا الحاضر، فقد كانت تتمتع بحضارة رائعة ومن أول مكونات وصفة هذه الحضارة.

    التعليم

    هم أول من اهتم ببناء المدارس والجامعات، لن تجد مكان بالأندلس إلا وبه مدرسة أو جامعة، إن مدينة غرناطة التي أصور منها الآن هذه الحلقة، كان بها مائة وتسعين إمرأة تكتبن المصاحف بالخط الكوفي!!..
    أتعلمون أن من أسس أول جامعة في تاريخ البشرية؟؟ هي إمرأة!!!.. واسمها فاطمة الفهرية، وهي مغربية الأصل، وهي حفيدة عقبة بن نافع فاتح الأندلس!!، قدمت كل ما ورثته عن والدها لخدمة هذه الفكرة التي واتتها، وهي فكرة كانت الأولى في زمانها، أوربا نفسها كانت لا تزال تعاني من عصور الظلام!!! ليس لديهم فكرة عن معنى كلمة جامعة!!، كانت المؤسسة لأول جامعة في تاريخ البشرية إمرأة!!، ونحن الأن في عصرنا هذا نعاني من ارتفاع نسبة الامية بين النساء، لأن أهاليهن لا يهتمون بتعليمهن!!

    انجاز علمي آخر في عصر الأندلس:

    هل تعلمون أن أول من قام بالتدريس للمكفوفين هم المسلمين!!! لن تصدق أليس كذلك فالعالم كله يعرف طريقة برايل للمكفوفين، أول من اهتم بتعليم المكفوفين هو احمد ابن عبد الوارث، وهو ابن المعلم الذي تعلم على يده ابن حزم!!، كان احمد ابن عبد الوارث يصنع حروف بارزة، حتى يستطيع المكفوفين لمسها ومعرفة شكل الحرف، ثم يشكل كلمة كاملة ليستطع المكفوفين لمسها وقرائتها، وهي
    نفس الخطوات التي قامت عليها طريقة برايل!! هذا ما ذكرته المخطوطات الأندلُسية، وهذا ما ذكره ابن حزم نفسه.

    ترتب على اهتمامهم بالتعليم، انه ندُر أن تجد رجل في الأندلس لا يجيد القراءة والكتابة، هذه كانت اول خطوات وصفة الحضارة في الاندلس

    أدوات التعليم

    إن التعليم يحتاج إلى أدوات، نعم أدوات فقد كان العالم كله في ذلك الوقت يكتب على الجلود ولا يعرفون الورق، إلى أن تم اكتشاف الورق في الصين، ولكن الصين لم تعطيه حق قدره، فانتقلت صناعة الورق من الصين إلى بغداد، ومن بغداد إلى مصر، ومن مصر إلى تُوُنُس، ومن تُوُنُس إلى الأندلس، فاهتموه به وأقامو مدن كاملة لصناعة الورق، مثل مدينة شاطبة، فانتشر الورق بشكل رائع، فأصبح التعليم سهل جدًا جدًا، وقتها كانت لاتزال أوروبا تكتب على الجلد من كان يجيد القراءة فيها هو من كان يكتب على الجلد!!

    الكُتب:

    توفر الورق بهذه الغزارة أدى إلى سهولة الكتابة، ومن ثم كتابة الكُتب، في شتى المجالات، فظهرت المكتبات العامة، وهي كانت شيء جديد لم يكن موجود من قبل في أي مكان في العالم، وصل الأمر إلى أن أحد مكتبات قرطبة كان بها أربعون ألف كتاب!!، فأصبح الكتاب يتسابقون على كتابة الكُتب، فظهر شيء جديد في ذلك الوقت وهو محل لبيع الكُتب!!! ومنها إلى ظهور كُتب متخصصة في الحرف والمهن، والتي توصف كيفية عمل هذه الحِرَف، خاصة في الزراعة!!! نعم في ذلك الوقت كان كل الفلاحين يجيدون القراءة والكتابة، فكان هناك كتب مثل كتاب الفلاحة، وكيف تزرع قصب السكر، وآخر في كيف تزرع الأرز، وآخر في كيمياء التُربة، وآخر في كيف تتعامل مع عوامل التعرية!!، وأخر في كيفية عمل تطعيم النباتات، يشرح في عمل تطعيم بين نبات وآخر لأنتاج نبات ثالث بجودة أعلى، مثل فاكهة البرتقال والذي كان في ذلك الوقت مُر المذاق، وكان يقارب في طعمة إلى فاكهة اللارينج، إلى أن قام المسلمين بعمل تطعيمات بينه وبين نبتات أخرى
    إلى وصل إلى هذا المذاق الحلو، فانتشر في العالم انتشار رهيب بشكله الحالي، وهناك كتب أخرى في الري، وفي كيفية رفع المياة من أسفل إلى أعلى، والأكثر من ذلك عمل مواسير من تحت الأرض حتى تصل المياة إلى المناطق صعبة الزراعة!!! هل تصدقون أن هذه أسماء كُتب أندلوسية مسلمة في عهد الاندلس وليس في القرن الواحد والعشرين!!!، من ألف هذه الكتب؟ إليكم بعض أسماء العلماء الذين قامو بتأليف هذه الكُتب حتى تعلموا مقدار انتشار ثقافة المسلمين في ذلك الوقت، منهم العالم ابن البيطار من فالنسيا، وابن العوام من برشلونة، وهو من أهم من كتبوا في كتب الزراعة، وساهم في إدخال زراعات جديدة إلى الاندلس، مثل قصب السكر والزيتون، إلى الأن تعد أسبنيا من أكبر الدول المنتجة للزيتون في العالم، فكان من أهم مظاهر الزراعة في ذلك الوقت ثراء في انواع المحاصيل الزراعية المخلتفة، مما ترتب عليه وجود حاجة إلى طاقة لطحن انواع البذور المختلفة

    طواحين الهواء والمياة

    استبدلو طواحين الحيوانات بأخرى هي طواحين الهواء والمياة، فكان احد الانهار الجارية في الاندلس به مائة وخمسين طاحونة لطحن البذور،هكذا تكونت حضارة رائعة بالأندلس،

    المنسوجات:

    ازدهرت زراعة القطن والكتان في ذلك الوقت، ومن ثم صناعة المنسوجات ذات الألوان الزاهية، لدرجة أنه كان هنا ما يطلق عليه المنسوجات الغرناطية، والتي كانت من أبهى المنسوجات، التي يتزين بها ملوك أوروبا.

    الكيمياء:

    كان هناك احد الملوك اسمه خالد بن يازيد، تنازل عن الملك لأنه يريد أن يدرس الكيمياء!!!! حبًا في العلم، كانو من أبرع العلماء في الكمياء، والتي تدخلت في صنع أنواع ذات جودة عالية ورائعة من
    الصبغات، والتي استخدموها فيما بعد في صناعة أفخم أنواع السجاد، ثم اخترع عباس ابن فرناس زجاج مصنوع من الصخور وليس من الرمال فكان شكله رائع الجمال،

    التصدير

    ترتب على ازدهار الزراعة والصناعة، غزارة في المنتجات الأندلوسية، ومع وجود انتعاش اقتصادي، كان لا بد من تصدير هذه المحاصيل الزراعية والمنتجات الفخمة عالية الجودة، فتتطلب ذلك لأسطول من السفن التجارية، بخلاف أسطول السفن الحربي، فجابت المنتجات الأدلوسية العالم، والذي كان في بداية الامر لم يرى هذه المنتجات المبهرة ولا يعلم كيف يستخدمها، فقام الأندلسيين بكتابة كتب عن منتجاتهم تشرح كيف يستخدموها، مثل التوابل التي كانت جديدة على كثير من بلدان العالم، فألف الأندلسيين كُتب في الطبخ الاندلسي، وانطلقت التجارة العالمية من لأندلس، تحديدًا من مدينتي مايوركا، ومالاجا.

    ازدهار اقتصادي

    ازدهر الاقتصاد، فبدأ الاندلسيون يبحثون فيما يحتاجه العالم، فكان من الحاجات التي يستطعيون التعامل معها هي الحرير، فقاموا بزراعة بلد كاملة مثل فالنسيا بأشجار التوت التي تتغذى عليه دودة القز لتنتج الحرير الطبيعي.

    براءات اختراع

    قامو بعمليات كتراكت العين أو المياة البيضاء، وبرائات اختراعات اخرى في الفلك والهندسة وكل ما يمكن أن تتخيله، والأهم من كل هذا اتباعهم لما يطلق عليهم المنهج التجريبي، قبل الأندلس كان العلم كله يعتمد على اليونان ونظرياتهم العلمية الغير مُجربة!! نحن المسلمون من قام بعمل المنهج التجريبي لتجريب الاختراعات وتنفيذها على أرض الواقع.

    خاتمة

    والله إني أتألم لكل هذا المجد الذي ضاع منا كمسلمين، علينا أن نفيق لأنفسنا، ماذا عسانا قائلون لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟؟!
     

     

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

  • قصة الاندلس (22) - دولة الموحدين

    قصة الاندلس (22) - دولة الموحدين

     

     

    مقدمة

    توجد في إشبيلية مأذنة من أجمل المآذن في العالم كله، وحدة معمارية ضخمة، والذي بناها وبنى المسجد الجامع في إشبيلية هو قائد دولة الموحدين أبو يعقوب المنصور الموحدي. فعل أبو يعقوب شئ رائع عندما كانت دولة الموحدين تحت قيادته، فهو بفطرته يميل للسنة وبعيد عن البدع وبعيد عن طريق محمد بن تومرت الذي كان يميل للتكفير والأفكار الشاذة وكانت الدعوة عنده في شدة العنف، وقد أضعف دولة الموحدين ودولة المرابطين ولكن أبو يعقوب يُعد نموذجًا مختلفًا، فهو رجل معتدل دينًيا وإسلاميًا. فهو بدأ يتبرأ من أفكار محمد بن تومرت وبدأ يقول: "أنا أشهد إلى الله أني برئ من فكرة العصمة" لأن محمد بن تومرت كان يقول أنه إمام معصوم ولكن أبو يعقوب كان يقول: "أشهد إلى الله أنه لا معصموم إلا للنبي صلى الله عليه وسلم ولا عصمة إلا للأنبياء" وبدأ يقر هذا المبدأ فهذه اول خطوة في انتصار هذا الرجل. هذه الدولة فيها انتصار غير عادي وهزيمة غير عادية.

    الانتصــار

    1) الخطوة الأولى: الاعتدال طريق الانتصار

    فهذا الرجل لكي يصل إلى الانتصار أول شئ فعله هو مفهوم السنة ومفهوم الإسلام المعتدل وبدأ ينشره في المغرب العربي ومراكش، لا للأفكار الشاذة، ولا الأفكارة المتطرفة ولا للعنف. فأقر الاعتدال والسنة والبعد عن التطرف وانتشر بين الناس أنه يرفض الفكر المتطرف: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً...} (البقرة143) فالاعتدال طريق الانتصار.

    2) الخطوة الثانية: تجهيز وتقوية الجيش:

    بدأ يجهز جيش قوي ووجد أن الأندلس مستهدفة من كل ملوك أوروبا والبرتغال والأماكن المختلفة، فقا بعمل فكرة في منتهى الذكاء؛ فميناء سبتة هو طريق العبور من المغرب إلى الأندلس ومضيق جبل طارق وعمل طريق آخر كان نواة مدينة الرباط {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّااسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ... } (الأنفال60) في هذا الوقت كان هناك ثلاثة ممالك تستعد للهجوم على إشيبلية: مملكة ليون وقشتالة من شمال الوسط ومملكة البرتغال من شمال الغرب ومملكة برشلونة من شمال الشرق. جهز أبو يوسف اليعقوب جيش كبير وجاء إلى الأندلس واستعاد أربعة مدن قديمة قد أخذت من المسلمين قديمًا. فقد طلب فألفونسو هدنة فكانت الهدنة خمس سنوات ورجع أبو يعقوب إلى المغرب. فبعد الخمس سنوات، جهز ألفونسو جيش كبير وهجم على مدن إسلامية وبدأ يقتل المسلمون فأرسل أبو يعقوب خطاب وقال: "لنأتينك بجنود لا قبل لكم بها" فجهز جيش كبير وصل إلى 100 ألف عبروا إلى الأندلس وحدثت معركة بين جيش أبو يوسف اليعقوب وألفونسو عند قلعة الأرك وكان جيش ألفونسو حوالي 300 ألف فكانت المعركة يوم 9 شعبان 591 ه. فكانت هذه المعركة انتصار كبير للمسلمين وكانت راية أبو يوسف: "لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا غالب إلا الله" فنشر الإيمان في جيشه وشعبه.
    كانت خطة ألفونسو أن يبعث أفواجًا لكي ينهك المسلمين، وبالفعل أُنهم المسلمون فنزل يعقوب من أعلى الحصان يقول: "لا غالب إلا الله" فخرج أبو صناديد، فارس من فرسان المسلمين، وبدأ يأخذ كتيبة ويدخل في جيش الفونسو من الوسط ويفعل فجوة بين نصف الجيش الأول والثاني وانتصر المسلمون انتصارًا حاسمًا وانتصر أبو يعقوب ولقب "المنصور" وجاء إشبيلية وبنى المسجد شكرًا لله تعالى، فهي من أكبر ثلاث مآذن في الأندلس والمغرب العربي شكرًا لله على النصر.

    الهزيمة:

    السبب الأول:
    انتصر أبو يوسف اليعقوب انتصارًا كبيرًا ولكن بعد انتصاره وبعد لما لقب بالمنصور بعد 18 سنة وقع في خطأ كبير؛ وهو أنه قام بأسر 30 ألف أسير من جيش ألفونسو، ولكنه عفا عنهم جميعًا وأطلق
    سراهحهم سرًا، ولذلك فضلوا أن يثأروا بأنفسهم وكانوا سبب هزيمة المسلمين بعد 18 سنة.

    السبب الثاني:
    توفى أبو يوسف اليعقوب وجاء ابنه محمد وسمى نفسه محمد الناصر بالرغم من عدم النصر فكان عنده أكبر جيش في تاريخ الأندلس. ولكن كان عنده عيب خطير؛ هو التردد في أخذ القرارات، فمثلًا يقوم بتحفيز الجيش للاستعداد للهجوم ثم يتراجع. ففعل ذلك ثلاث مرا ت مما أدي إلى إحباط الروح المعنوية في الجيش وبدأ جيش ألفونسو أن يكبر ثم قرر أن يبدأ المعركة. معركة العقاب سنة 609 فوقف المسلمون على هضبة وجيش ألفونسو وقف على هضبة أخرى وبينهم سهل، انقسم جيش المسلمون إلى ميمنة وميسرة وقلب ومؤخرة وعريش محمد الناصر في المؤخرة، انقسم جيش ألفونسو أيضًا كذلك فالميمنة تحارب مع الميسرة والقلب يحارب القلب والمؤخرة تراقب. ولكن قلب المسلمين كان يتكون من عرب وبربر فحدث نزاع وصراع بينهما.
    فالبعض ذهب للميمنة والبعض ذهب للميسرة، فبدأ قلب ألفونسو يضرب حتى وصلوا للمؤخرة فهرب محمد الناصر قبل أن تبدأ المعركة وانهزم االمسلمين هزيمة كبيرة وكانت هزيمة ساحقة للجيش وهذه آخر معركة بين المسلمين والإسبان. انتصر الإلسبان وقُتل نصف الجيش بسبب صراع وعدم تعايش وعدم وحدة بين العرب والبربر، ولما انتصروا على المسلمين أخذوا راية المسلمين وانتهت المعركة.
     

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

  • قصة الاندلس (21) - محمد بن تومرت

     

    قصة الاندلس (21) - محمد بن تومرت


    بسم الله الرحمن الرحيم، أهلاً بكم وحلقة جديدة من قصة الأندلس، توقفنا في الحلقة السابقة عند الانتصار العظيم ليوسف بن تاشفين الذي اقترب عمره من بداية الثمانينيات ورغم ذلك يبث فيك الإحساس بعز الإسلام بإنقاذه الأندلس ودولة الإسلام هناك.

    دولة المرابطين وداعي الرفق والرحمة:

    كان مؤسس دولة المرابطين داعيًا يدعو بالرفق واللين والحلم والموعظة الحسنة، وكان دائم التذكير للمرابطين بأنهم اتباع النبي عليه الصلاة والسلام، كأن يذكرهم بقوله: "إنما أنا رحمة مهداة"، وبقوله تعالى للنبي عليه الصلاة والسلام: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ..." (آل عمران: 159) وبحديث: "ما كانَ الرفقُ في شيءٍ إلا زانَهُ، ولا نزعَ منْ شيءٍ إلا شانَهُ"، فالرفق هو المزين للعلاقات بين الناس، وكان هذا ما يفعله عبدالله بن ياسين ليربط كلمة الرباط بالرحمة المستمدة من هدي النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون في قلوبهم من معنى الكلمة من الشدة مكانًا.
    بعد وفاة يوسف بن تاشفين تولى ابنه علي الولاية، وسار على نهج أبيه واستقرت دولة المرابطين التي أعادت عز المسلمين في الأندلس مما أرهب مملكة ليون وغيرها منهم.

    محمد بن طومرت 473 هـ:

    ظهر الشاب محمد بن طومرت وكان قد بلغ السابعة والعشرين من عمره عام 510 هـ وهو ذات العام الذي توفي فيه يوسف بن تاشفين. كان من الأمازيغ (المغرب) وكان شغوفًا بالعلم الديني، وقرر أن ينهل العلم من علماء المشرق فسافر إلى مكة وبغداد العراق والإسكندرية، في رحلةٍ استمرت عشر سنواتٍ، ولحماسته وحبه الشديد للعلم وصفه ابن خلدون بالبحر المتفجربالعلم، رغم صغر سنه، وهنا إشارة أود إيضاحها انطلاقًا من كلمة هامة لابن عباس "انظروا عمن تأخذون هذا العلم" فمصدر تعلمك يؤثر في شخصيتك وهذا ما افتقده محمد بن طومرت فلم ينفع ما أخذه بل أخذ من كل من يقابله علمًا سواء كانوا سنة أو شيعة، خوارج أو معتزلة، فبعد مرور السنوات العشر التي اختتمها في الأسكندرية ارتبك فكره وتداخل كل ما تعلمه فلم يكن نتاج ذلك إلا تطرفًا شديدًا من هذا الشاب الرقيق، حَوَّلَه لقمة العنف في التعامل مع الكل ممن حوله، رغم أنه كان مبهرًا إلا أن فهمه الخاطئ أضره كثيرًا، فضاق أهل الإسكندرية به ذرعًا أن يتحملوه فقرر العودة للمغرب، وهذا عكس ما كان يفعله عبد الله بن ياسين في تأسيسه لدولة المرابطين.

    عودة ابن طومرت للمغرب:

    في طريق العودة التي سلكها عبر البحر لم يترك ابن طومرت أحدًا على السفينة إلا وتشاجر معه ومن شدة التضييق والتشدد الذي أحاطهم به دفع ذلك خمسة من المغاربة لإلقائه في البحر، فسبح كثيرًا في المياه بجوار السفينة ولسانه يلهج بالدعاء عليهم، ورغم ذلك لم تتحمل قلوب المغاربة الأمر فرفعوه مرةً أخرى للسفينة شريطةً ألا يتفوه بكلمة حتى الوصول للمغرب.

    تونس واستقرار ابن طومرت:

    عندما وصلوا تونس نزل محمد بن طومرت إليها وشاهد قرية (المهدية) التي استقر فيها بجوار مسجد، ولم يكن يمر أحدٌ إلا ويعظه بطريقة منفرة تجعله ينفر من الدين ذاته مقتنعًا بتفشي الذنوب والمعاصي.
    التف حوله سبعةٌ من الشباب وساروا على نهجه، وأقنعهم بأن السبيل الوحيد لإيقاف تلك الذنوب هو القضاء على رأسها علي بن يوسف بن تاشفين ومن معه من ولاة في الأندلس التي كانت دولةً منفتحة يتعايش بها المسلمين والمسيحيين مع بعضهم البعض، لكن من وجهة نظر ابن طومرت أنهم سبب انتشار المعاصي والذنوب ودعا الناس علانيةً بالخروج عليه؛ لأنه خارج عن الإسلام. وصلت الأخبار للعاقل علي بن يوسف بن تاشفين الذي قال: ادعوه لمناظرة في قصر الخلافة في مراكش أمام علماء دولة المرابطين، فوافق ابن طومرت.

    مناظرة علماء دولة المرابطين:

    بدأ ابن طومرت معلنًا حجته بأن دولة المرابطين تنشر الحرام، وأنه لابد من انكار المنكر وأن مصيرهم جهنم لأنها دولة فسادٍ بتركها نشر المعاصي.
    فرد عليه أحد علماء المرابطين: أهذا ما تنص عليه سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟! فلم يرد واستمر في حجته متحدثًا عن المنكر والحرام، فأعاد العالم عليه السؤال ذاته، فانفتح ابن طومرت في خطبةٍ عصماء عن غضب الله تعالى من ارتكاب المعاصي، وكان ذرب اللسان فأَثَّرَ في الناس لدرجة بكاء
    أحد العلماء بصوتٍ عالٍ فاهتز الحضور، وكان بكاؤه من خشية الله وأن الله بالفعل يغضب على مرتكب المعاصي، لكن القضية هي كيفية معالجة تلك المعاصي، وظل الحال إلى أن ناظره قاضي القضاة.

    مناظرة قاضي القضاة لابن طومرت:

    قال يا محمد: أسألك سؤالاً، أيهما أعظم عند الله انكار المنكر أم وحدة المسلمين؟ في إشارةٍ منه إلى أن محمد بن طومرت يفكك وحدة المسلمين في الأندلس بما يفعل، فرد ابن طومرت: انكار المنكر، قال: كذبت، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَلَا أَدُلُّكُم على أَفْضَلَ من درجةِ الصلاةِ والصيامِ والصدقةِ؟ قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ . قال: إصلاحُ ذاتِ البَيْنِ، فإنَّ فسادَ ذاتِ البَيْنِ هي الحالِقَةُ. لا أقولُ: إنها تَحْلِقُ الشَّعْرَ ولكن تَحْلِقُ الدِّينَ".
    بهت ابن طومرت وغَضِبَ مستشعرًا هزيمته وهَمَّ بالخروج، ولكن لذكاء قاضي القضاة همس في أذن علي بن يوسف بن تاشفين قائلاً: يا أيها الأمير، هذا الرجل إن خرج من هذا المكان أنت انتهيت، أمامك أحد أمرين: إما أن تقتله ولا أنصحك بهذا، وإما أن تعتقله هو ومن معه وتعطيهم كل يومٍ دينارًا يأكلوا به، وإلا فعلت فسيأتي يومٌ تنفق فيه كل خزائنك ولن تقدر عليه. كان علي بن يوسف بن تاشفين رائعًا في رده المنبعث من إيمانياته فقال: هذا الرجل جاءنا للمناظرة، لا ينبغي أن نخدعه. فابتسم قاضي القضاة وقال: ولكن السياسة ليست هكذا!
    خرج ابن طومرت غاضبًا واختار قلعةً حصينةً ليتحصن بها ويعد جيشًا لمحاربة دولة المرابطين.

    إعداد ابن طومرت الجيش في يلمن:

    اتخذ محمد بن طومرت من منطقة جبلية وعرة يصعب الوصول إليها تبعد عن مراكش أربعين كيلومترًا مكانًا له، وبدأ يختار أشخاصًا بعينهم يربيهم على التشدد والكراهية. وليقوي مركزه بدأ بنشر بعض الأفكار:

    * أولاً: أن المرابطين على ضلالٍ وأنهم كفار، وأخذ يكفر كل مرتكبي المعاصي، وتذكر عندما جاء رجل للنبي صلى الله عليه وسلم ليخبره أنه رأى فلانًا يزني فرد النبي: "لو سترته بثوبك..."، ورجلٌ آخر جاء للنبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: يارسول الله إني فعلت من الكبائر الكثير فهل يغفر الله لي؟ فقال النبي: يغفر الله لك، فقال الرجل: وغدراتي وفجراتي؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وغدراتك وفجراتك، فمضى الرجل مهللاً: الله أكبر الذي يغفر الغدرات والفجرات والكبائر.

    * ثانيًا: بدأ يدعو كلٌ ممن حوله أن يدعو باللعنة كل يومٍ على المرابطين، وياله من بعدٍ عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاءه الطفيل بن عمرو قائلاً: يارسول الله، ادع على دوسٍ فإنهم تأخروا على الإسلام وكفروا على الله ورسوله، فقال النبي: "يا طفيل، أنا لم أبعث لعانًا وإنما بعثت رحمة، اللهم اهدِ دوسًا وأتِ بهم". هذا هو الإسلام وهذا هو النبي صلى الله عليه وسلم، ويا ترى كم من محمدٍ بن طومرت في أيامنا تلك بتشدده هذا وعنفه المتنافي مع الإسلام؟ وتذكروا "وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ..." (الحج:78) "...يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ..." (البقرة: 185).

    * ثالثًا: أعلن أنه هو ومن معه فقط "الموحدون"، ومن هنا جاء اسم دولته التي يؤسس لها.

    * رابعًا: لم يكتف ابن طومرت بهذا وإنما بدأ يَدَّعي لنفسه العصمة وأنه من سلالة الحسين بن علي وأنه يجوز قتل المرابطين. لاحظوا أنه بدأ بإنكار المنكر فقط ولكن ذاك طريق التشدد الذي حتمًا تكون هذه نهايته.

    بدأ يتجمع حوله الناس وقد يعجب البعض من التفاف الناس حول الأفكار المتطرفة، ولكن ساعد على ذلك ظهور مشكلتان في دولة المرابطين:
    * سوء الحالة الاقتصادية، وازدياد معدل الفقر.
    * انتشار الظلم.
    ورغم أن طبيعة الناس معتدلة إلا أن الفقر والظلم بيئتان خصبتان لنمو الأفكار المتطرفة، فازداد الناس حول ابن طومرت، وظهرت دولة الموحدين كدولة ثانية في المغرب، ودخلت صراعها مع دولة المرابطين، وظل المسلمون في الأندلس بل وأيضًا الأسبان يراقبون الأوضاع التي بلا شكٍ نتجت عنها إضعاف كلا الدولتان للأخرى في مصلحةٍ أعداء الإسلام.

    معركة البحيرة:

    بلغ الصراع أشده بين الدولتان لصالح الفونسو، حتى كانت معركة البحيرة بقيادة علي بن يوسف بن تاشفين وعلى الجانب الآخر الموحدين بقيادة عبد المؤمن بن علي؛ حيث أن المعصوم ابن طومرت - كما زعم - كان يوجههم بكلماته فقط، وانتصر ابن تاشفين انتصارًا ساحقاً لكنه لم يقضِ عليهم، وأثر هذا الصراع على كلا الدولتين فاضعفت كلٌ منهما الأخرى. بعد المعركة، أخذ الموحدين يلومون ابن طومرت وكيف لمعصومٍ أن يُهزَم، فمن فرط ألمه مات فجأة، ولا ندري أمات حسرةً أم أنه من فرط تطرفه قد جُنَّ عقله ومات؟ تذكروا "إنَّ هذا العِلمَ دينٌ، فانظُروا عمَّن تأخُذونَ دينَكم". نعم، علينا بمنهج أهل السنة والجماعة، وبعلماء المسلمين الوسطيين.

    سقوط المغرب حامية الأندلس:

    أصبح عبد المؤمن بن علي رئيسًا لدولة الموحدين، واستمر في صراعه مع دولة المرابطين التي خارت قواها، وسقطت المغرب حامية الأندلس بسبب تطرف وتشدد ابن طومرت واتباعه، وانتشرت أفكار الموحدين حتى أرسل الله برحمته قائدًا معتدلاً لهم ألا وهو "أبو يوسف يعقوب بن منصور" الذي قال: "أُعلِنُ أني برئٌ من محمد بن طومرت، ومن فكرة العصمة أمام الله ورسوله، فلا عصمة إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم"، وأمر الناس ألا تنتشر كتب ابن طومرت؛ فبذلك أعاد الناس للاعتدال، ولكن للأسف كانت الأندلس تتعرض لمحنةٍ كبيرةٍ بسبب ما أصابها من ضعفٍ.

    اختم بنصيحة للشباب بالبعد عن التطرف وأن يعوا ويزنوا الكلام والعلم الذي يتلقونه مهما كان معسولاً. لابد من الرجوع للوسطية التي هي بلا منازع حامي بلادنا، وتذكروا أن وحدة المسلمين أكثر أهميةً من انكار المنكر، ونكمل الحلقة القادمة بإذن الله.
     

     

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

  • قصة الأندلس (20) - المرابطون

     

    قصة الاندلس (20) - المرابطون
     

    أثر سقوط طليطلة في النفوس

    كان سقوط طليطلة صدمة لكل المسلمين في الأندلس، وبث ذلك الخوف في القلوب من سقوط باقي المدن الضعيفة واقتراب نهايتها. وكان خوفهم في محله، فبعد أن حصل ألفونسو على طليطلة بدأ في تجهيز جيوشه والتحرك نحو أشبيلية وقام بمحاصراتها. وفي أثناء ذلك، تحركت دعوة شبابية أندلسية تدعو إلى الوحدة وهزت هذه الحركة ملوك الطوائف والأندلس، فبدأ بعض ملوك الطوائف في استيعاب خطورة الموقف ومنهم حاكم أشبيلية المعتمد بن عباد. وبدأ المسلمون في الأندلس في التفكير في إيجاد حل ومُنقذ للموقف ففكروا في اللجوء إلى قائد دولة المرابطين في المغرب العربي.

    تاريخ دولة المرابطين

    كانت هناك في صحراء موريتانيا قبيلة تسمى صنهاجة وكانت قبيلة وثنية من البسطاء. دخل الأسلام هذه المنطقة في القرن الثالث الهجري، ولكن أفراد قبيلة صنهاجة أسلموا أسماً فقط. كان هناك رجل يُدعى عبد الله بن ياسين من القيروان وكان يعمل داعية إلى الله، لكنه سمع عن أمر قبيلة صنهاجة، فذهب إلي أهلها يدعوهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأجتهد الرجل وظل يحاول دعوتهم إلى الله وسط رفضهم لدعواته مرات عديدة. أنتهى بهم الأمر برفضه وضربه وإهانته وطرده من بلادهم. ذهب عبد الله بن ياسين ونصب خيمته عند نهر النيجر وقال أنه مرابط في سبيل الله، وقرر أنه سيظل هناك حتى يأذن له الله بأن ينصلح الناس على يديه.

    في هذه الأثناء، ندم بعض شباب قبيلة صنهاجة على طردهم لعبد الله بن ياسين، فتحرك سبعة منهم وذهبوا إليه وأقاموا خيمهم بجانب خيمته وأصبحوا هم أيضاً مرابطين إلى جانبه. تعلم الشباب الإسلام على يديه وحسُن إسلامهم. وأزداد الشباب عدداً حتى أصبحوا بعد مرور أربعة سنوات ألف من الشباب المرابطين. ثم توفي عبد الله بن ياسين وجاء من بعده أبو بكر بن عمر وأقاموا دولة
    المرابطين واختار أبو بكر بن عمر شابًا أسمه يوسف بن تاشفين ليكون قائداً لدولتهم وكان وقتها في أواخر الثلاثينات من عمره. كان يوسف بن تاشفين رجل سياسي عظيم، فأقام وكبر دولة المرابطين، وقام ببناء مدينة مراكش، وأُطلق عليه مُوحد المغرب، وحكم البلاد ما يزيد عن أربعمائة عام.

    الأستعانة بيوسف بن تاشفين وتفضيل المصلحة العامة على المصلحة الشخصية

    كانت أشبيلية في ذاك الوقت تحت الحصار، فجاء رجل يسمى أبو الوليد الباجي وكان هو الداعي إلى الوحدة، ذهب إلى ملوك الطوائف يدعوهم إلى الوحدة والأعتصام بحبل الله، وذهب إلى المعتمد في إشبيلية يدعوه إلى الوحدة، فإذا بالمعتمد يوافقه ليكفر عن أخطاءه في طليطلة، وقرر معه الأستعانه بيوسف بن تاشفين. وأشارت على المعتمد بطانته من رجال السوء بعدم الأستعانة بيوسف بن تاشفين، وقالوا له أنه لن يخرج إذا دخلها، وقد تتحول على يديه لراعي للجمال، فقال المعتمد كلمته المشهورة: "راعي للجمال خير من راعي للخنازير" وقال لهم أنه بين حالتي شك ويقين، شك في يوسف بن تاشفين أنه قد لا يوافيه، ويقين في ألفونسو بخيانته له، وقال لبطانته: "أنا مع الشك سأرضي الله، دعوني أُرضي الله وأكفر عن ذنوبي". ذهب وفد من عند المعتمد إلى يوسف بن تاشفين وكان يبلغ من العمر وقتها تسعة وسبعون عاماً، بالرغم من سنه الكبير إلا أنه سيغير تاريخ الأندلس.
    تحرك يوسف بن تاشفين وركب البحر من نفس المكان الذي تحرك منه طارق بن زياد، وعند مضيق جبل طارق قال: "يا رب كما نصرت طارق بن زياد أنصرنا"، وإذا به يدعو الله حيث كان البحر هائجاً: "اللهم إن كان خروجنا هذا في سبيلك، فسكن الريح، وإن كنا قد خرجنا في غير سبيلك، فردنا من حيث جئنا" فسكنت الريح، وعبر بجيشه، وسجد لله شكراً وقال: "اللهم إنك تعلم أني ما أتيت لهذا البلد في سني هذا إلا نصرة لله ونصرة للمسلمين، فأعني وانصرني". وخرجت اشبيلية فرحة لاستقباله.

    موقعة الزلاقة12 رجب479 هـ

    بعث ألفونسو ليوسف بن تاشفين خطاباً قبل بداية المعركة، يقول له بأنه يريد أن يحدد ميعاد المعركة، فالجمعة يوم عيدكم كمسلمين والسبت يوم عيد عند اليهود وفي جيشنا منهم كثير، والأحد عيد المسيحين وهو عيدنا، وقال له في الخطاب أنه يريد أن يكون القتال يوم الأثنين. قرأ يوسف الخطاب وابتسم وقال أن ألفونسو يريد أن تكون المعركة يوم الجمعة ويفاجئنا، فأمر جيشه بالاستعداد ليوم الجمعة. وهجم الفونسو بالفعل يوم الجمعة، ولكن سبب هذا الاستعداد الإرباك لجيش ألفونسو.
    قسم يوسف بن تاشفين الجيش لثلاث فرق، وجعل على رأس المجموعة الأولى المكونة من خمسة عشرة ألف المعتمد، وجعل ورائه أربعة الآلآف من أمهر الرماة، وظل معه من الجيش إحدى عشرة ألف هم المجموعة الثالثة وجعل نفسه في المؤخرة، وقال لباقي الجيش أن يصبر فالنصر مع الصبر، فكانت خطته أن ينهك ألفونسو وجيشه بالمجموعتين، حتى إذا أُنهك جيش ألفونسو دخل بالمجموعة الثالثة فيتحقق الأنتصار. وجاء يوسف بن تاشفين معه إلى الأندلس بحيوان لا تعرفه هذه البيئة وهي الجمال وجعلهم في مقدمة الجيش، حتى تخاف أحصنة ألفونسو من الجمال التي تتفوق عليها طولاً وحجماً.
    قاتل المعتمد قتال من يريد الشهادة في سبيل الله، فقد تغير المعتمد وأراد أن يصلح ما أخطأ، ومن هنا نتعلم أن نعطي للمخطئ الفرصة ولا نطرده. وانتصر المسلمون انتصارًا حاسمًا وهرب ألفونسو. وسُميت معركة الزلاقة لأنها وقعت على تبة عالية ومع كثرة الدماء التي سالت بدأت الأحصنة تنزلق بسبب الدماء التي سالت من جيش ألفونسو.

    عودة يوسف بن تاشفين المغرب

    عاد يوسف بن تاشفين المغرب تاركاً الغنائم قائلاً: "لا نريد منك جزاءاً ولا شكورا". فبدأت الكلمة تنتشر بين الجنود وعلت الأصوات بين الجنود حتى بكى الناس. وحد يوسف بن تاشفين بين الناس وجزاء الوحدة مرافقة النبي صل الله عليه وسلم في الجنة، حيث رأى أبو الوليد الباجي الذي وحد ملوك الطوائف ليلة المعركة رؤيا فيها رسول الله صل الله عليه وسلم يقول له: "يا أبا الوليد إنكم
    منتصرون، وأنت جمعت الناس، أنت رفيقي في الجنة"، فمن وحد الناس هو رفيق النبي في الجنة، أما من يفرقهم فكم سيغضب عليه رسول الله!

    عودة الخلافات بين ملوك الطوائف

    عاد ملوك الطوائف بعد عشر سنوات لما كانوا عليه من خلافات وفرض للجزية، وبدأ ألفونسو في التحرك مرة أخرى، وسمع بذلك يوسف بن تاشفين، فيقول: "دافعنا عنهم من أجل الأسلام ويفعلون ذلك؟" وإذا به يحرك جيشه ويذهب إلى الأندلس ويجعل ألفونسو يتراجع. ولكن هذه المرة جمع يوسف بن تاشفين ملوك الطوائف وقال لهم لقد أعطيناكم الفرصة ولكنكم لا تستحقون أن تحكموا بلاد المسلمين. ونفى المعتمد إلى المغرب، وجعل الأندلس تحت حكم دولة المرابطين، وأصبحت للمرة الأولى ولاية من ولايات المغرب، وكان هذا خطأ وقع فيه يوسف بن تاشفين فلن يستعين أحد مرة أخرى بالمرابطين، وكان نفي المعتمد إذلال له ولم يكن له رزق، فأصبح فقير، وأصبحت بناته يغزلن ليأكل هو.
    توفي يوسف بن تاشفين وهو يناهز من العمر المئة عام بعد أن أنقذ الأندلس مرتين.   

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

  • قصة الأندلس (19) - تاريخ الدولة الإسبانية
    برنامج قصة الاندلس (19) تاريخ الدولة الإسبانية


    تطرقنا في السابق لملوك الطوائف والصراع المُحتدم بينهم والأقزام التي تتقاتل من أجل اثنين وعشرين دويلة من الدويلات الصغيرة حيث تم تقسيم الأندلس العريقة التي فتحها طارق بن زياد وموسى بن نصير، ومن وحدة الأندلس والمسلمين جمعاء إلى الصراع العنصري والطائفي ولكن يبقى السؤال هل نتعلم من هذه الدروس أم لا؟

    يقول تعالى [يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً...] (البقرة:269) هذه الآية تعكس رؤية المستقبل. فالقدرة على التصرف والحكمة أحيانًا تقتضي أن يتعاون الناس مع بعضهم البعض لتكوين رأيًا موحدًا، ولكن عندما يعمل الفرد منفرداً ويكون بلا قضية أو رؤية أو هدف أو شعور بالانتماء، بالإضافة إلى عدم اتصافه بالحكمة وعدم وجود من يستشيره فلن يتحقق له النجاح.

    الصراعات وأوضاع ملوك أوروبا (الإسبان)

    كان هناك نزاع دائر بين ممالك شمال الأندلس مثلما كان الوضع مع ملوك الطوائف، فهناك مملكة النَبَرة وحاكمها يُدعى سانشو، وهناك أيضاً ممالك أخرى مثل: ريون، قِشتالة والأراجون وعاصمتها برشلونة. جميع هذه الممالك كانت في صراع مستمر إلى أن ظهر سانشو واقترح توحيد هذه الممالك ومهاجمة المسلمين، وقد فكر مليًا فيما ينقصهم وهو الانتماء الذي سيساهم بدوره في توحيد هذه الممالك. فبدأت تتبلور فكرة الوحدة الوطنية والهوية التي تضم الإسبان جميعًا، وظهرت كلمة إسبانيا، كان التوحيد لدى المسلمين في إيمانهم وأنهم من الأندلس وهذا يؤكد أن معنى الهوية هو الدافع الأول للتوحيد وهو من يحقق الانتصار أو الهزيمة.

    بدأ سانشو في توحيد صفوفه ونشر مفهوم الوحدة الوطنية للممالك الأربعة ثم خرج من مملكة النَبَرة التابع لها وأعد العدة لمهاجمة ريون ثم قِشتالة وبعدهما برشلونة إلى أن نجح في تكوين مملكة واحدة تابعة له تتكون من الممالك الأربعة للاستعداد لمهاجمة المسلمين. بعد كل هذه المراحل، تُوفي سانشو وكان لديه أربعة أبناء بدأ بينهم الصراع حول أحقية كلٍ منهم في تولي الحُكم، إلى أن جاء ابنه فرناندو وأحكم سيطرته على الحُكم مما دعا الأخ الثاني ألفونسو السادس إلى الهرب واحتمى بصديقه المأمون ذي النون.

    استضافة المأمون لألفونسو

    ذي النون هي الطائفة المسلمة التي تحكم طليطلة، وكان المأمون بالغ الحد في كرمه مع صديقه وأدخله طليطلة كأحد اللاجئين السياسيين وهي التي لم يدخلها أي من الممالك المعادية للمسلمين من قبل. فرغم هروبه وطرده من بلاده هو مازال أخاً للملك ويمكنه العودة في أي وقت شاء. بدأ الضيف في التجول ومشاهدة معالم طليطلة، وأخذ يشاهد أبواب المدينة والحرس القائمين عليها.

    كان المأمون في ذلك الوقت يقوم بدفع الجزية كل عام إلى الملك فرناندو، واستمر المأمون في استضافته لألفونسو السادس الذي كان يجالسه داخل قصره وأصبح الموظفون داخل القصر يرون أن المأمون أضحى صديقًا لألفونسو وهما في صحبة دائمة، وقد اطمأن الجميع لهذا الوضع فبدأوا يتحدثون بحرية عن مصادر القوة، تغيير أوقات العمل، أماكن الكنوز والأموال والكميات الكائنة بداخل كل قصر، بينما ألفونسو يحاول الحصول على أكبر كم من المعلومات بعد سماعه لكل ما يقال. وتحدث مفاجأة، إذ يموت فرناندو حاكم ممالك الشمال وألفونسو هو الوريث للمُلك وسيُصبح الملك. يسعد المأمون من أجل صديقه وهو في حقيقة الأمر كان يفتقر للحِكمة. يُسرع المأمون إلى فرناندو ليطلب منه تخفيض الجزية المطلوبة منه أو الغائها تمامًا، ويوافقه فرناندو الرأي مؤكدًا أنه ساعده كثيرًا وآواه حين كان بلا مكان يلجأ إليه وكان لاجئاً سياسياً لديه. ثم رحل فرناندو عن البلاد وهو يحمل في جعبته الكثير من المعلومات عن طليطلة؛ المدينة ذات الأسوار التي يصعُب اقتحامها حتى وإن كانت تحت الحصار، وأيضاً النهر الذي يحيطها من كل جانب مع التحصينات المنيعة التي قام بها المسلمون.

    سقوط طليطلة

    كان سقوط طليطلة بمنازلها ونهرها الذي يحيطها من جميع الاتجاهات، بسورها العالي وجبالها الشاهقة، والدخول إليها يُعَد ضرباً من المستحيل ولم تنجح أي من الجيوش في اقتحامها سوى أخر الداخلين إليها وهو طارق بن زياد الذي فتحها بعنصر المفاجأة بسبب قتال جيوش ضد
    بعضها البعض لصعوبة اختراق طليطلة الحصينة والتي تُسمى الآن توليدو باللغة الإسبانية وهي تبعُد 63 ثلاثة وستين كيلو متراً عن مدريد. ولكن ينجح فرناندو في دخولها وتسقط طليطلةوتكون بداية لسقوط المسلمين؛ فهي أول وأهم حصون المسلمين في الأندلس والتي سقطت عام 478 هجرياً، أي قبل سقوط الأندلس بأربعمائة عام والتي سقطت عام 897 هجرياً. الموقف الآن أن ألفونسو السادس أصبح قائداً للممالك وبدأ في وضع خطة لغزو طليطلة والاستيلاء عليها والمأمون مازال يشعر بالسعادة من أجل صديقه وذلك مصداقاً لقوله تعالى [يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ...] ولكن ألفونسو على دراية تامة بالتحصينات المتعددة لطليطلة وهو في طريقه إلى شعب بلا هوية، أو انتماء، بلا قوة أو حماس.
    أرسل ألفونسو للمأمون يطلب منه الجزية وقد تعجب المأمون من طلبه وبدأ يعيد على أسماعه اتفاقهما السابق بعدم طلب الجزية منه، وجاء رد ألفونسو أن هذا الاتفاق تم بناء على استضافة المأمون له وخجله من أن يطلبها منه حيث كان يعيش في كنفه وتحت إمرته، أما الآن فهو يطالبه بها وتكون ضعف الجزية التي كانت لأخيه. ما إن بدأت محاولات المأمون في التفاوض حتى بادره ألفونسو بأنه يعلم الكثير عن الكنوز التي يملكها، ويُذعن المأمون للأمر ويبدأ في إرسال الجزية ثم يموت المأمون ويأتي من بعده حفيده يحيى ذي النون الذي سيستمر في إرسال الجزية، فمن الواضح افتقاره هو أيضاً للحكمة. ثم أرسل لألفونسو يخبره أنه لم تعُد لديه أموالًا للجزية، وهو بالأساس يعمل على استنزاف أموالهم حتى تنتهي قبل دخولهم الحرب التي كان يُخطط فيها أن يأخذ أموالهم ثم يحاربهم بها، وعندما يؤكد له يحيى عدم امتلاكه لأموال أخرى يخبره أن مازال لديه قصر به بعض الكنوز المخبأة داخله.

    بعد نجاحه في الاستيلاء على كل الأموال حاول الدخول بجيشه لمحاصرة طليطلة لمدة تسعة أشهر وذلك لصعوبة الطبيعة الجبلية داخلها والنهر أيضاً. وفي تلك الأثناء، كان يمنع دخول الطعام ويقوم بإحراق الزرع بالأماكن المحيطة بها وبدأ يحيى يصيبه الضعف بينما أمراء الطوائف الأخرى على فرقتهم بينما طليطلة القلعة الحصينة للإسلام تسقط. كيف كانوا يفكرون بهذه الطريقة التي ستؤدي بهم إلى الضياع، وماذا عنا نحن الآن؟ نحن نعجب من أمرهم بينما نفكر بذات الأسلوب! أي أننا لا نأخذ العبرة من الدروس السابقة.

    خيانة حاكم إشبيلية وقلة حكمة المأمون

    في خِضم ذلك، حدث أمر جلل وهو الخيانة التي اقترفها المُعتمد بن عباد حاكم إشبيلية الذي أرسل لألفونسو موافقته على تلبية جميع مطالبه شريطة عدم هجومه على إشبيلية بعد استيلائه على طليطلة وموافقته على ذلك مع ضمان عدم مهاجمته لألفونسو من الجانب الجنوبي من طليطلة مع دفع الجزية أيضاً. فدائماً ما تسقط النفوس قبل أن تسقط الملوك وتسقط الأخلاق قبل أن تسقط المدن.
    يعمل يحيى على التفاوض مع ألفونسو ويقترف خطئًا أكبر مما اقترفه المعتمد بأن يطلب تسليم طليطلة في مقابل أن يعطيه ألفونسو أرضًا بدلًا منها، ويوافق الأخير على ذلك ويخبره بتعيينه والياً على فالنسيا وهي منطقة بجانب البحر. ويبدأ يحيى في تسليم طليطلة وفتح أبوابها مبتهجًا بولايته على فالنسيا التي ما يلبث أن يحكمها لسنوات قليلة حتى تقوم الثورة ضده ويموت بعد ذلك بما أوتي من قلة الحكمة والسذاجة والخيانة التي ظهرت في مقايضته طليطلة بقطعة أرض، فالمقايضة لا تتم بحدود البلاد ولكنه فعل ذلك.

    انتقال الحكم

    يدخل ألفونسو السادس طليطلة وتكون أول أعماله بناء كنيسة كبيرة ثم بعدها ما يقرب من خمسين من الكنائس والأديرة، وبقي المسلمون بطليطلة ولكن يتملكهم الشعور بالأسى بعد أربعمائة عام من حكمهم لها وبدأوا في التعبير عن هذا من خلال كتاباتهم على جدران المساجد والمنازل، وقد عمت هذه الآية كل مكان قال تعالى: [قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (آل عمران: 26) فكانوا يشعرون بالذل. ومع هذا، ظلت الصبغة الإسلامية تسيطر على طليطلة وظهر ذلك جليًا في الكنائس التي اتسمت بالطراز الإسلامي وحتى يومنا هذا محطة القطار بطليطلة أيضًا تم بناؤها على الطراز الإسلامي، وظلت المكاتبات بها لمدة ثلاثة قرون باللغة العربية كما كانت ولازالت لسنوات وقرون عدة وإلى الآن؛ مدينة التعايش.
    لم يتعرض ألفونسو للمسلمين بسوء لأنه يأبى الدخول في صراع مبكر مع المسلمين حيث مازالت هناك ممالك إسلامية محيطة. ولكن تبقى نقطة مضيئة في خضم كل هذا وهي أن المعتمد بن عباد أعلن توبته عما اقترفه وأنه سيعمل على إنقاذ الأندلس، فالله دائمًا ما يمنح المسلمون فرصًا جديدة.

     

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

  • قصة الاندلس (18) - ملوك الطوائف

     

    قصة الاندلس (18) - ملوك الطوائف
     


    ضياع الهوية

    الهوية شيء قيم، ترون اليوم مثلاً كثيراً من العرب الذين يسكنون بلاد الغربي يخافون على أبنائهم ويعلمونهم اللغة العربية وذلك لعدم ضياع الهوية العربية، تخيلوا إن كان شعب بلا إنتماء أو هوية، ماذا يمكن أن يحدث؟ بالطبع سيتفتت إلى قطع صغيرة. أدى سقوط الخلافة الأمويه في الأندلس إلى وجود فراغ كبير وتشتت فنشأت مملكة الطوائف وأصبح لكل عائلة ملك يحكمها. فنشأت بني جهور وبني عباد وبني ذي النون وأصبح كل ملك يهتم بجمع الأموال وبناء القصور والبذخ وملابس الملوك والخدم وفرض الضرائب.

    كان هناك شاعر يسمى القيروان كتب فيهم:
    مما يزهدني في أرض أندلس.... أسماء معتمد فيها ومعتضد
    القاب مملكة في غير موضعها .... كالهر يحكي انتفاخًا صورة الأسد
    أي أنهم مثل القطط ولكن يروا أنفسهم مثل الأسود. وبذالك ضاعت الهوية وتفتت البلاد وتحولت الى طوائف متعددة. صدق رسول الله عندما وجد طائفية بدأت تظهر بين المسلمين فقال: (دعوها فإنها مَنتنة أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم).
    حدث ما هو أصعب فبسبب مملكة ليون وليساعدهم الفرنجة طلبوا منهم أن يدفعوا نقودًا مقابل ذلك، فأصبحوا يدفعون نقوداً للإسبان واستخدمها الإسبان لتجهيز الجيوش لهزيمة المسلمين، وهكذا ضاعت الهوية، وإذا فقدت هويتك فقدت قدرتك على التمييز وحدث خلل في تفكيرك بين الخيانة والوطنية، وتقسمت إلى 22 دويلة وكانت أقوى مملكة هي إشبيليه مملكة بني عباد، وكان قائدها المعتبض وتولى بعد ذلك ابنه المعتمد وتعتبر هذة الفترة أكبر مرحلة تفتت للأندلس من 400 إلى 482 لأن كل منهم أخذ يهتم بمصلحته.
    كل مصلحة فرد يبني عليها مجد كبير فتزول ... و كل فرد يبني لإصلاح الأمة يبقى المجد طويلًا

    الأمل

    وسط هذا الانقسام الذي أنتج 22 دويلة، كان هناك وزيرًا اسمه محمد بن جهور كان وزيراً خلال الخلافة الأموية، وعندما سقطت الخلافة الأموية في الأندلس، أراد أهل قرطبة أن تتوحد ويكون بها شيء من التماسك، ووجدوا أن الوزير محمد بن جهور هو أفضل شخص لقيادتهم فقد كان عاقلًا وحكيمًا، ولكنه رفض أن يختاره الأعيان فقد وطلب أن ينتخب من الشعب في قرطبة، وكانت واحدة من أولى أفكار الانتخاب والديموقراطية في قارة أوروبا، وبهذا كانت نواة الديموقراطية خرجت من قرطبة وفكرة بن جهور، فجمال الإسلام قد وضع قاعدة عامة وهي الشورى ولكن آليات التطبيق تختلف، فالقيمة ثابتة ولكن الوسيلة مختلفة، فانتخبوه وجعلوه حاكماً على مدينة قرطبة.

    كانت أول خطبه له قيمة جداً فقد قال لهم: "لكم علي من الآن ألا أقضي أمرًا حتى أرجع إليكم". وطلب من أعيان الطوائف أن كل عائلة تقوم بترشيح شخصًا لكي يراجعه في الأمور أويكون اسشاري له، وهذه بداية نواة لمجلس الشعب أو البرلمان، فقد أدرك بذكائه أن هذا الوقت هو وقت تصرع وتطاحن في عهد ملوك الطوائف وإذا لم يقوم بالتشاور مع الناس سيزيد هذا التصارع والإنقسام والتفتت، وأنه لابد من تلاحم الشعب.

    قام أيضاً بتشكيل وزارة لكن بشرط ألا يكونوا منتمين للعائلات الكبيرة بقرطبة أو لأي قبيلة. حتى لا يخدموا أو يكون لديهم مصالح مشتركة مع عائلاتهم، وكذلك قام بجمع علماء الدين في قرطبة وقال لهم لن يستقيم الأمر إلا بمعرفة من نحن، فقالو نحن مسلمون قرطبيون فقال: "فأنشروها بين الناس" وقال بعض علماء الدين نحن مسلمون فقال: "أعوذ بالله ممن يفرق بين الإيمان وحب الوطن"، فاستقام الأمر لابن جوهر واستقرت قرطبة، ولكن قبل أن يموت إرتكب خطأً فقد ولى ابنه، برغم أنه طلب لنفسه أن يولى بالإنتخاب واستشارة الناس.

    الوحدة عز والتفرقه ضعف

    ثم قام بتعيين ابنه قائدًا على قرطبة. وفي هذا الوقت كان المعتمد قائدًا على إشبيليه وذي النون قائدًا على طليطلة، فأصبح التنازع بينهم على قرطبة. فهجم المعتمد على قرطبة وضمها إلى إشبيلية واستقر بالإثنتين ثم هجم ذي النون على المعتمد بقرطبة وقتل ابنه وأخذ منه قرطبة ثم عاد المعتمد ليأخذ ثأر ابنه وقام بحرب على ذي النون وانتصر عليه واسترد المعتمد منه قرطبة مرة أخرى، فضاع كل ما عمله ابن جهور من نموذج الديموقراطية فأصبح الكل ضعيفاً، ولكن ذو النون بطليطلة كان أكثرهم ضعفاً بعد هذه الأحداث، وكانت نتيجة هذا أن أهم مدينة للمسلمين طليطلة قد ضاعت بعد ذلك. فالوحدة عز والفرقة ضياع والإنتماء والهوية رحمة وتماسك وضياه الإنتماء ضياع للشعب وللأمة.

     

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

  • قصة الاندلس (17) - عوامل السقوط

     

    برنامج قصة الاندلس (17) - عوامل السقوط
     
     

    عوامل سقوط الأندلس وأحداث الفتنة

    قال رسول الله صل الله عليه وسلم: "الفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها" ليس فقط في الأندلس ولكن في كل وقت وفي أي مكان. فأحداث الفتنة وعوامل السقوط هي تجسيد لواقع بلادنا اليوم، ومن يطلع على هذه الأحداث -وإن لم يكن يعرف نهاية القصة مقدماً- فلا محالة سيتنبأ بحتمية السقوط.

    بداية السقوط

    ستشتغل الفتنة وتبدأ بخطأ أرتكبه أبو الحكم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر وذلك بإصراره على تولية ابنه الصغير ذو الأثنى عشرة عاماً الخلافة، فكما جاء في الحديث الشريف حينما جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله متى الساعة، فقال رسول الله صل الله عليه وسلم:" إذا وسد الأمر لغير أهله، فانتظر الساعة". وتولى أمور الدولة الحاجب المنصور بن أبي عامر وقاد الدولة في الطريق الصحيح ولكنه توفي، فجاء ابنه عبد الملك الملقب بالمُظفر وذهب إلى الخليفة الصغير هشام بن أبي حكم وجعله يصدر قرار بأن يعينه الحاجب بعد وفاة أبيه وأطلق على نفسه المُظفر. وحكم المُظفر على نهج أبيه لمدة سبع سنوات وانتصر في المعارك التي قادها، وبعد وفاته تولى أخوه عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر، ولم يكن في مثل صلاح أباه وأخاه، فقد كان ماجنًا، كثير الشرب، فكان حاكمًا مستهترًا، وولى من لا يستحق فآتى بالعامرين وولاهم المناصب وطرد غيرهم. ثم ذهب إلى هشام بن أبي حكم وطلب منه أن يوقع له بالموافقة على أن يكون هو ولي العهد بعده، فوافقه هشام بن أبي الحكم.

    انقلاب الشعب

    كانت هذه القشة التي قسمت ظهر البعير. فكره الناس ذلك وخرجوا من قرطبة وعزلوا هشام بن أبي الحكم أثناء سفر عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر، وولوا الخلافة واحدًا من أحفاد عبد الرحمن الناصر وأسمه المهدي. وأثناء عودة عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر من سفره، قاموا بقتله.
    وهنا صارت المأساة بإنعدم الآمان وتدمير قرطبة وسرقة وتدمير الزهراء. فالمهدي لا يستطيع أن يحكم، ولا يوجد خليفة، ولا أحد يتولى زمام الأمور. ووصل الأمر من إنعدام الآمان أن يتحسر الناس على أيام العامريين التي كانت من أسوأ الأيام. ولم يعد أحد يعرف من يحرك الأمور، فبدأوا باستبعاد وعزل أي شخص يتبع العامريين حتى البربر، وكانت الطامة الكبرى بتطبيق هذا المبدأ في الجيش والمناصب الهامة في الدولة فقاموا باستبعاد العناصر التي تنتمي للعامريين، وتعيين غير الأكفاء في مناصبهم، فسقطت الدولة لتولي من لا يصلح وعدم تطبيق مبدأ التلسيم والتسلم للمنصب والمهام. كل هذا حدث نتيجة لفقدان التعايش وعدم توحد الصف، قام المسلمون بتدمير أنفسهم بأنفسهم وكانوا هم الأعداء الحقيقين لدولتهم.

    سليمان المستعين بالله

    جاء المهدي خليفة ولكنه كان يكره البربر وكان كل ذنبهم أنهم عملوا مع بني عامر، فقام المهدي بإضطهادهم وظلمهم، كما ظلم وعزل جميع العامريين. ونتيجة لذلك قام البربر والعامريين بالتفكير في بديل للمهدي بشخصية أخرى من الأمويين أنفسهم، حيث كان المهدي يستقوي لكونه من الأمويين، ففكروا بأن يأتوا بآخر من الأمويين ومن نسل عبد الرحمن الناصر وكان اسمه سليمان ولقب نفسه بالمستعين بالله. فذهبوا إليه وأخبروه بأنهم سيساندوه ضد المهدي. فبدأ المهدي بقتل أشخاص من أقارب سليمان برغم من أنهم أنفسهم أقاربه.

    استعانة كلاً من المهدي وسليمان بقوى خارجية

    شعر سليمان بتفوق قوة المهدي على قوته، فاستعان سليمان والبربر بملك قشتالة. فقام المهدي بالاتصال بملك برشلونة وبدأ في الأتفاق معه ليسانده. ولكن الفرنجة رفضوا أن يحاربوا بعضهم البعض، واعتذر ملك قشتالة عن المساعدة. فأصبح المهدي وملك برشلونة ضد سليمان والبربر. ولكن اشترط ملك برشلونة عدة شروط على المهدي في مقابلة مساندته:

    * بأن يعطيه مائة دينار ذهب عن كل يوم قتال.
    * أن تسلم مدينة سالم والتي كانت تخرج منها كل الجيوش لمحاربة مملكة ليون والفرنجة.
    * وأن تتسلم إمارة برشلونة جميع الغنائم من المعارك.
    ووافق المهدي على تلك الشروط. وفي هذا الوقت بدأت تتوحد صفوف الإسبان ومملكة برشلونة وبدأوا يشعروا بالوحدة وأهميتها.
    انتصر المهدي على سليمان وتحققت شروط مملكة برشلونة وتسلموا مدينة سالم. ولكن البربر قاموا بمزيد من الهجمات على قرطبة لتدميرها، وأدى ذلك لحرق مكتبة مخطوطات قرطبة. سيناريو يتكرر ويتكرر في عالمنا العربي ودولنا العربية الآن، نقع في نفس الأخطاء دون وعي أو تعلم من أخطاء السابقين.
    لكن الأندلس بقت بعد هذه الأحداث أربعمائة عام فبرغم من بشاعة الحكام وسوء إداراتهم، كان المجتمع لايزال يرغم في النهوض ويؤمن بالتعايش فكان يعمل ويجد، وكان العلماء يحاولون الخروج بالناس من الظلمات وكان يأتي من آن لآخر قائد يقوم بالدولة ويدفعها إلى الأمام، ولكن أحداث السقوط برغم من ذلك كانت للأسف قد بدأت بالفعل.

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

  • قصة الاندلس (16) - علماء الدين
    قصة الاندلس (16) - علماء الدين

    علماء الدين الأندلُسيين

    يكاد يكون علماء الدين الأندلُسيين من أكثر علماء الدين المجددين في العالم الإسلامي كله! فهم من أكثر العلماء الذين أضافوا للفكر الإسلامي. قد يرجع ذلك لتنوع الأندلس نفسها، أو إلى أن رؤيتهم كانت أوسع، أو لأنهم كانوا محاطين بالمسلمين والمسيحيين واليهود، أو لأن فكرة التعايش كانت متواجدة بالفعل في وقتهم، أو قد يرجع ذلك لوجود بعض الصِراعات بين المسلمين وبعضهم، أو بين العرب وبعضهم، مما أدى إلى وجود علماء يبحثون في أولويات الأمة، أو أولويات الوطن.
    هذه نقطة هامة جدًا، ف من أكبر أدوار رجل الدين ليس التحريم والتحليل؛ وإنما من أكبر أدواره أو مهماته تتمثل في ما تحتاجة الأمة الآن، أي أولويات الأمة. هل تحتاج الأمة إلى إنتاج وعمل؟ إذًا يجب على رجل الدين في خُطبة الجمعة وفي دروس الدين أن يركز على أهمية الإنتاج والعمل. وإذا كانت الأمة مشرفة على صراع أو تصادم، فمن واجب رجل الدين أن يكون خطابه عن الوحدة، وإن كانت الأمة على مشارف تراخي وانهزامية، فمن واجب رجل الدين أن يكون خطابة عن الأمل وشحذ الهمم، وأعظم من قام بهذه الأدور لرجل الدين هم رجال الدين بالأندلس. سأحدثكم عن بعضهم ليس لمجرد سرد قصصهم، بل لنقتدي بهم وبفكرهم.

    ابن الفرضي

    عاش ابن الفرضي في الأندلس في وقت انتشر فيه المتشددين جدًا، لدرجة أنهم كانو لا يريدون أن يسمحوا بوجود المسيحيين بالأندلس، أي يريدون إلغاء الآخر! للأسف هناك من يفهمون الدين بهذه الطريقة، ويستخرجون نصوص دينية على أنها تدل على ما يفهمون، فكانوا يستخرجون أي نص يدل على تبرء الله من المشركين، وعليه حَرَّموا كل ما له أي علاقة بالمسيحيين، إلى أن وصل بهم الحال إلى إلغاء التعايش بين المسلمين والمسيحيين نهائيًا! ظهر ابن الفرضي في ذلك الوقت، وكان لديه توازن عجيب بين التعايش وبين الجهاد في سبيل الله، فهاجم هؤلاء المتشددين،

    ليوضح لهم أن البراء الذين يتكلمون عنه ما هو إلا في العقيدة فقط! وأنهم قد خلطوا بين العقيدة والحياة والمعيشة، والأخيرتان تحتاجان منا إلى التعايش مع بعضنا البعض.

    أما فيما يخص العقيدة فكان برئ منهم فهو ينتمي إلى الإسلام، [لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ] {الكافرون:6} ، ولا يمكن أن يتنازل عن عقيدته، أما بالنسة للتعاملات الحياتية اليومية، [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] {الأنبياء:107} هذه هي رسالة الإسلام الحقيقية، وكان يحث المتشددين في زمانه على أن عليهم فصل دائرة العقيدة عن دائرة التعايش! واستطاع بهذا الفكر الذي هداه إليه ربه أن يحل المشكلة التي كانت قائمة في ذلك الوقت.

    وبدأ يُفتي فتاوي يوضح فيها أن التعايش أصل من أصول الإسلام، فأفتى بجواز تولي المسيحيين مناصب كُبرى في الدولة، فاختلف معه المتشددين واستنكروا فتواه، فذكرهم بموقف للرسول صلى الله عليه وسلم عند الهجرة إلى المدينة، فقد كان الدليل الذي كان يقود ركب النبي صلى الله عليه وسلم مشركًا لا يؤمن بالله، وهو عبد الله بن مريقط، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم ائتمن على حياته أحد المشركين! فكيف لا تريدون للمسيحيين أن يتولوا مناصب في الدولة؟، بل وأصدر فتوى أخرى أنه يجوز تهنئة المسيحيين في أعيادهم ومناسباتهم! لقد كان هو بنفسه يصنع الكعك وبعض الحلوى ليهادي بها المسيحيين في أعيادهم! مما كان يثير غضب المتشددين فيتذمرون ويستنكرون أفعاله تلك، فيجيبهم إذا كان القرآن الكريم به آيات تسمح لنا بالزواج من مسيحية؛ فهل لو كانت زوجتي مسيحية ألا يعني ذلك أن أخوال أولادي وأجدادهم سيكونون مسيحيون؟ ألن يحب أولادي هؤلاء أخوالهم وأجدادهم ويتزاوروا معهم ويتبادلوا معهم الهدايا؟ وبالتالي سيهنئون بعضهم في أعياد كل منهم! ولكنه لم يكتفي بذلك لتقوية أوصار التعايش بين المسلمين والمسيحيين؛ فكان يقيم ولائم مشتركة بين المسلمين والمسيحيين على مائدة واحدة، فيسؤلوه: "لما تفعل ذلك؟" فيجيبهم بقوله تعالى في سورة المائدة [اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ....] {المائدة:5}.

    فكان ابن الفرضي سببًا في نجاة الأندلس من الإنغلاق إلى التعايش، وحين قامت الحروب بين الاندلس ومملكة ليون، كان من المجاهدين في سبيل الله، فاستشهد في هذه المعركة؛ وقد كان دعا الله عند الكعبة أن يرزقه الله الشهادة، إلا أنه كحال كل البشر كان لديه خوف من الموت، وهو كان من أكثر من يحفظون أحديث النبي صلى الله عليه وسلم، فعند استشهادة أخذ يردد حديث النبي
    صلى الله عليه وسلم: "ما من مكلوم يُكلم في سبيل الله، إلا جاء يوم القيامة، وكلمه يدمي؛ اللون لون الدم والريح ريحُ المسك" وكأنه يثبت نفسه بها، وكان استشهادة رسالة للمتشددين بأن التعايش ليس معناه التفريط، وأنه في وقت الجهاد في سبيل الله لن يكون التعايش رادع أبدًا.

    ابن رشد

    كان قاضيًا، يحكم بالشريعة، وكان أيضًا من علماء الدين الكِبار، بل وكان فيلسوفًا أيضًا، وهو من أكبر الفلاسفة في القرون الوسطى على مستوى العالم ليس فقط على مستوى الفلاسة المسلمين. استطاع ابن رشد حل مشكلة لم نستطع نحن أن نحلها حتى الأن في زمننا هذا؛ وهي مشكلة ما بين الوحي والعقل، بين النص القرآني وبين تحكيم العقل في تفسير النص القرآني، حتى يومنا هذا لازالت هذه المشكلة قائمة؛ فبعضهم يرى الاكتفاء بالنص القرآني فقط وإلغاء العقل، وآخرين يرون أن العقل من صنع الله فكيف نُعطل ما صنعه الله؟ فكان رد ابن رشد رائع، فقال لهم: "العقل نور، والوحي نور، والنور لا يصطدم بالنور، والنور لا يأتي بظُلمة أبدًا، وإذا كان العقل نور والوحي نور فكلاهما يتكامل مع الآخر" فسألوه: "وإن كان هناك خلاف بين النص القرآني وبين العقل؟" فأجاب: "إذًا أنت من فهم النص بشكل خاطئ، أو عقلك شرد في اتجاه خاطئ، الظُلمة من تفسيرك أنت وفهمك أنت".
    ومن أهم إنجازات الفيلسوف الكبير ابن رشد؛ أنه هو من جمع فلسفات وكتابات الفيلسوف أرسطو ودونها وترجمها وفسرها، ولولاه ما استطاعت أوروبا أن تعلم من هو أرسطو.

    ابن حزم والإمام الشاطبي

    هذان العالمان كانا بمثابة عبقرية، لأنهما كانا أصحاب مذهبين مختلفين تماماً إلا أنهما لم يختلفا فيما بينهما كأشخاص أبدًا. كان ابن حزم من قرطبة وكان هو صاحب المذهب الظاهري؛ أي ننفذ النص كما هو دون نقاش أو جدال. أما الإمام الشاطبي فكان من الشاطبة، وكان يرى أنه يجب أن ننظر في مقاصد الشريعة، ونعرف الهدف من وراء كل نص وسبب وجوده ومعرفة الغاية منه، فكان من أنصار السؤال بلماذا؟ لأن القرآن كله يجيب على الغاية من كل نص مثال الأية الكريمة: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ....] {البقرة:183} لماذا؟ وما الغاية من الصيام؟ فتجيب
    باقي الآية عن الغاية من الصيام [..... لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] {البقرة:183}، وكان يرى الإمام الشاطبي أن أهداف الشريعة هي حفظ كل من:
    1- النفس
    2- العقل
    3- المال
    4- العِرض
    5- الدين
    وأن كل آيات القرآن تبحث وتحث على هذه المقاصد. كانت تعد هذه أفكار جديدة في الإسلام حين ذاك؛ لم يسبق ابن حزم أحد لاتخاذ المذهب الظاهر، ولم يسبق آخر الإمام الشاطبي إلى الأخذ بالمقاصد، بل إن كلمة المقاصد لم تكن متداولة من قبل الإمام الشاطبي. نتعلم من هذان العالمان الجليلان معنى التعايش وقيمة احترام الاختلاف في الرأي دون أن تُأثر على العلاقة الطيبة بينهما. فقد كانا رغم الاختلاف الواضح بين تفكيرهما ومذهبيهما يحبون بعضهم البعض، وتجد من يتبعون مناهجم الأن يختلفون ويتصراعون! ومن الجميل أن نعلم سبب اختيار ابن حزم لمذهب الظاهر؛ لأنه وجد الناس قد أصابتهم الميوعة وبدأو يفسرو الدين على أهوائهم الخاصة، أما الإمام الشاطبي فاتخذ مذهبه عندما وجد العقول متحجرة، ولا تفهم المقصود من النص، فآثر الفهم والأخذ بالمقاصد.

    أبو الوليد الباجي

    هو أول من رأى أن للقرآن قواعد كُلية، وأخرى تفصيلية، أي أن هناك قاعدة كلية ثم يَردِ لها تفاصيل تشرح هذه القاعدة، فاستعجب المحيطين به من كلامه، لأنهم لم يكونوا يقرأون القرآن بهذا المنظور الجديد وقتها! فشرح لهم منظوره الجديد لفهم القرآن بضرب مثل وهو قراءة الآية [الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ..] {هود:1} هذه قاعدة كلية ثم تأتي تكملة الآية [.... ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ] {هود:1} وأخذ في تجميع كل الآيات الكلية التي لها تفصيل بآيات أخرى ليخدم الأمة في عصره التي كان بها صراع، مثال أخر على فكرة القاعدة الكلية التي تفسر بقواعد تفصيلية تتبعها،
    قوله تعالى [وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ...] {الإسراء:23} قاعدة كلية وتفصيلها في باقي الآية [... إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا ...] {الإسراء:23} واستخرج منها تفاصيل كيفية التعامل مع الوالدين في الكِبر:
    1- [ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ..] {الإسراء:23}
    2- [... وَلَا تَنْهَرْهُمَا ...] {الإسراء:23}
    3-[... قُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا] {الإسراء:23}
    وكان غرضه الحقيقي من وراء كل هذه الآيات الكُلية أن يصل إلى آية معينة بذاتها وهي الآية الكريمة [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ..] {آل عمران:103} وأن تفاصيل هذه القاعدة الكلية يأتي في قوله تعالى [... وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] {الأنفال:46}.
    طاف بلاد الأندلس كلها يشرح القواعد الكلية والايات التي تفصلها وذهب لكل الطوائف المتنازعين ليوضح لهم أنهم بنزاعهم هذا يخالفون قاعدة كُلية أساسية في كتاب الله الكريم. كم نحن في أمس الحاجة الآن لمن هو مثلك في وقتنا الحالي! وفي الحقيقة لم يستمعوا له، حتى وافته المنية وهو يسعى ويجاهد من أجل نشر فكرته.

    الإمام الطرطوشي

    رجل عابد، من أفقه علماء الأندلس، كان حافظًا للقرآن، شديد الزهد وفي نفس الوقت يتمتع بالأناقة وحسن المظهر! فما علاقة الزهد بالأناقة؟ فكان يقول: "لا زهد لمن لا يملك" هو أول العلماء المسلمين الذين عالجوا هذه النقطة، كن من الناجحين لتملُك؛ وقتها يتسنى لك الزهد عن حق، لأن الزاهد الذي لا ينجح ولا يعمل هو في الأصل فاشلًا وليس زاهدًا.

    ابن العربي

    كان هناك صراع شديد في زمانه في الأندلس، فألف كتاب أسماه العواصم من القواصم تطرق فيه للصراع الشديد بين سيدنا علي بن الخطاب وسيدنا معاوية، وفسر فيه بعض القواصم بين الناس وهداهم إلى العواصم منها، وهو كتاب رائع يجمع بين قلوب الناس.

    ابن عبد البرث

    عالم له سلسلة مجلدات رائعة، وهو أول من أصدر كُتيّب عن ليلة القدر، لأنه لاحظ أن المسلمين في الأندلس في عصره فَتُرَ اهتمامهم بالعشرة الأواخر من رمضان. ولحكمته، استبين أن هذا ما تحتاجه الأمة في هذا الوقت فأصدر كتاب أسماه لماذا سُميت بليلة القدر لأن لها قدر عالي عند الله، فمن أراد أن يُرفع قدره عند الله؛ فليشهد ليلة القدر، فشجع الناس على الأهتمام بقيام ليلة القدر من جديد بعد أن كانو قدأصابهم الفتور.

    ابن وافد

    أول من شجع الأمة الإسلامية في عصره على احترام المرأة وتقديرها. وكان أول من تكلم عن احترام المرأة في الأندلس، وأوضح أن المصحف الذي هو بمثابة دستور الأمة الإسلامية، كان محفوظًا في بيت امرأة، وهي السيدة حفصة. وأخذ يجمع كُل ما كُتب عن المرأة واحترامها ودورها في حفظ ونشر دعوة الإسلام، وأن أول طبيبة كانت السيدة رُفيدة، وأن أول وزيرة كانت الشفاء بنت عبد الله في عهد عُمر ابن الخطاب، واستند إلى كلام القرآن الكريم عن الملكة بلقيس التي ذكرها بكلام رائع، لأنها كانت ملكة عظيمة أدارة البلاد بعدالة وحرية. فقد كان هو السبب في أن المرأة في الأندلس تتولى وظائف كبيرة بعد أن تأثر الحُكام بكتابته عن قدر المرأة في الإسلام، لدرجة أن حُكام قُرطبة كان كتبة الديوان الخاص بهم من النساء، مثل لبنى، وقلم، وعائشة. ليس ذلك فحسب، بل وصل ارتفاع شأن المرأة في الأندلس إلى أنهن كن يدرسن الكتابة والخط كما ذكر ابن حزم، الذي يقول أن أول من درس له الخط كانت إمرأة. المرأة التي إلى الأن علماء الدين لا يعطوها حقها، ولا حتى المتدنيين، ولا الكتاب، ولا المثقفين، المرأة في العالم العربي والإسلامي مظلومة، وللأسف أحيانًا تُظلم باسم الدين.

    ومن أعماله أيضًا أنه ألف كُتب في الطب النبوي والصيدلة، وهو في الأصل حافظ للقرآن وعالم من علماء الدين، إلا أنه كان لديه من العلوم ما جعله أيضًا يكتب في التغذية الصحية. فكانت له
    كتب عظيمة اشتهرت شهرة بالغة، فقد كانت ملكة الدنمارك تستعين بكتبه في التغذية الصحية. فكانت كتباته هذه رسالة لكل علماء الدين ولكل المسلمين، فحواها الغير مكتوب هو؛ أن عالم الدين لا يجب أن يكون منغلق على نفسه، بل عليه أن يكون واسع الاطلاع ومثقف، فقد يكون مهندسًا، أو طبيبًا، أو فزيائيًا، أو خبير في الذوقيات والأناقة، فالدين يمس كل جوانب الحياة وليس منغلق على نفسه فقط، كما نرى الكثير من علماء ودعاة هذا الزمان.

    رسالة إلى علمائنا والدعاة المعاصرين

    علينا أن نُقر بشيء عظيم وهام للغاية؛ وهو أن العلم يجب أن يخدم أولويات واحتياجات الأمة، يجب أن يخدم العلم الوحدة الوطنية، يجب أن يكون للوحدة لا الصراع، يجب أن يكون العلم للتعايش، ودفع الأمة إلى الأمام والرقي، وجمع شملها.

     

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

     

  • قصة الاندلس (15) - منصور بن عامر

     

    قصة الاندلس (15) - منصور بن عامر


     

    ترتيب الأحداث منذ بداية الفتح الإسلامي:

    * 92 هـ إلى 95 هـ: فتح الأندلس، * 95 هـ إلى 138 هـ: عصر الولاة، أي أن يحكم الأندلس والٍ تابع للخليفة الأموي بدمشق، * 138 هـ إلى 316 هـ: الأندلس إمارة أندلسية وعبد الرحمن الداخل أميرًا لها مستقلاً عن الخلافة، * 316 هـ إلى 422 هـ: الخلافة الإسلامية بالأندلس.

    محمد بن أبي عامر

    نتحدث عن شخصٍ طموحٍ إلى حدٍ كبيرٍ، سوف يقوم بحماية الأندلس وتغيير التاريخ بها. كان يعمل خطاطًا ومدرسًا للأطفال-مع احترامي الشديد للمهنتين- ولكن كيف من يعمل بهما أن يصير حاكمًا للأندلس وحاكمًا لقرطبة؟ كان سور قرطبة هو الذي كان يحمي قرطبة في عهد ذلك الرجل، وهو محمد بن أبي عامر. كان جده من العائلات العريقة وممن فتح الأندلس تحت قيادة طارق بن زياد، وأمه من بني تميم أي من العائلات العربية الأصيلة. توفي والده وكان محمد بن أبي عامر صغير السن حينها، كانوا من البسطاء؛ لا من الفقراء ولا من الأغنياء. كان محمدًا حسن خط اليد، كان يقبل أي عمل مادام يطور من نفسه أثناء عمله هذا. عمل محمد بن أبي عامر كاتبًا لدى محمد بن اسحاق أحد قضاة قرطبة. لكنه لم يكتف بهذه المهنة، بل أثناء أدائه لها يجد أن مكتبة محمد ابن اسحاق مليئة بكتب الأشعار وكتب أنساب القبائل العربية الموجودة بالأندلس، فحفظ كل الأشعار، كما حفظ كل الأنساب الموجودة بالكتب. لم يكن يعلم الفائدة من ذلك، ولكنه كان يجمع الخبرات.

    وجد محمد بن أبي عامر أن من يعمل بالقصور أكثرهم من البربر، فتعلم اللغة البربرية ليضيف لنفسه خبرة جديدة. وقد كان قوي البنية ومهتمًا بالرياضة وتعلم الفروسية وضرب السياف والمصارعة حتى أصبح رياضيًا من الدرجة الأولى. فهو الآن يملك الخبرات والمهارات: الأدب ومعرفة الأنساب والرياضة والخط واللغة البربرية المناسبة للبلد التي يسكن بها.

    البداية والإعداد

    كان الحكم بن عبد الرحمن الناصر يحكم الأندلس وقتها وكان لديه حاجبًا -أي من يدير شئون القصر- يسمى جعفر المصحفي. كان جعفر المصحفي شخصية قوية ومؤثرة في الدولة. وكان الخليفة الحكم بن عبد الرحمن الناصر لديه ابن من زوجته صُبح يبلغ من العمر 12 عامًا وهو أكبر

    أبناؤه ويسمى هشام بن الحكم، ثم أنجبت له صُبح عبد الرحمن بن الحكم الذي أصبح يبلغ من العمر سنتان أو ثلاث في تلك الفترة. أراد الحكم بن عبد الرحمن معلمًا ومربيًا لأصغر ابناؤه عبد الرحمن، فطلب من حاجبه جعفر المصحفي أن يجد من يقوم بهذه المهمة، فسأل جعفر المصحفي قاضي قرطبة محمد بن اسحاق، فأشار عليه القاضي بشاب يبلغ من العمر 20 عامًا، ذكي ومتفوق وحسن خط اليد. وهكذا دخل محمد بن أبي عامر ذو العشرين عامًا القصر سنة 356 هـ كمربي للطفل الصغير، وبعد عشر سنوات، أي سنة 366 هـ سيصبح أهم شخصية في القصر.

    قَبِلَ محمد بن أبي عامر المهمة وأداها بنجاح حتى أحبه الطفل الصغير. كان أغلب العاملين في القصر من البربر، وكان من بالقصر يبحث عن ناظرٍ يدير شئون الخدم بالقصر، فوجدوا أن محمد بن أبي عامر يجيد اللغة البربرية، فأصبح ناظرًا لشئون الخدم وأحبه خدم القصر، وأصبح يعرف كل أسرار القصر.

    ذات يومٍ، أراد الخليفة من يكتب له تقريرًا عن مستوى ابنه الصغير، ولم يكن يعرف محمد بن أبي عامر بعد، فكتب له محمد بن أبي عامر تقريرًا بخطٍ حسنٍ للغاية فأعجب به الخليفة، فطلب الخليفة أن يعين محمد بن أبي عامر ضمن ديوان الخطاطين والكتبة بالقصر، فبدأ محمد بن أبي عامر يطلع على خرائط ومراسلات القصر. إضافة إلى ذلك، طلب الخليفة أن تُكتب رسالة وأن تُختم بأبيات شعرٍ تناسب موضوع الرسالة، فختهما محمد بن أبي عامر بأبيات شعرٍ لدرايته بالشعر، فعينه الخليفة الكاتب الشخصي له. هل رأيتم كيف تدرج محمد بن أبي عامر في المناصب من خطاطٍ ومربٍ حتى أصبح الكاتب الشخصي للخليفة؟ كتب الخليفة يومًا ما خطابًا لأحد القبائل العربية بالأندلس، فأخطأ الخليفة في نسب الرجل، فعَدَّلَ له محمد بن أبي عامر النسب، فسأله الخليفة: "هل أنت خبير بأنساب العرب؟" قال له: "نعم"، فطلب منه الخليفة أن يترك اهتمامه بابن الخليفة وعينه من يومها مستشاره للشئون الداخلية للقبائل العربية. بل وبسبب قوته الجسمانية أصبح محمد بن أبي عامر قائدًا للشرطة، ثم عُين أمينًا للخزانة لأمانته. أصبح محمد بن أبي عامر على دراية بشئون الدولة دراية تامة، فقد تدرج في الدولة واجتهد كثيرًا وطوَّر من نفسه، ولم يتسلم الدولة وهو غير مستعدٍ لها.

    الصراع على الحكم

    بعد عشر سنوات قضاها محمد بن أبي عامر في القصر حتى عام 366 هـ، بدأ الوهن يصيب الحكم بن عبد الرحمن، فأرتكب خطأ كبيرًا وهو أنه أراد أن يولي ابنه ذو الـ12 عامًا خليفة بعده بالرغم من حكمة الحكم بن عبد الرحمن الذي حمى البلاد وهي مهددة من جهة الشمال من دول الفرنجة، ومن جهة الجنوب من الدولة الفاطمية. أصاب الحكم بن عبد الرحمن الشلل المفاجىء بعد قراره بتوليه ابنه ثم مات، ووجد الناس أن فتىً يبلغ من العمر 12 عامًا يدير الدولة المهددة من أن تستأسد عليها بلاد الفرنجة من جهة الشمال، فأخذ يتصارع على الحكم أربعة أشخاص: جعفر المصحفي الحاجب ذو الشخصية القوية، وصُبح زوجة الخليفة السابق وأم الخليفة الحالي وذات الشخصية القوية داخل القصر، وغالب الناصري قائد الفرسان وهو فارس شهم، يملك صفات الفرسان ولكنه متردد، فهو ليس قائدًا عسكريًا شجاعًا مقدامًا بل هو ينفذ قرار الحرب فقط ولا يصنعه، بالإضافة إلى محمد بن أبي عامر.

    بدأ محمد بن أبي عامر في أن يجذب صُبح إلى صفه فبدأ يتودد إليها ويمنحها الهدايا. يقول بعض المؤرخون أن محمد بن أبي عامر أساء استخدام المشاعر والعاطفة، ولكن هذا غير صحيح فقد استخدم المصلحة المشتركة، فمصلحة صُبح أن يكون ابنها هو الخليفة ومصلحتها هي مع محمد بن أبي عامر. هذه لفتة جيدة لمحمد بن أبي عامر، فهو بالرغم من طموحه الشديد، إلا أنه لا يدخل في ألعاب ملتوية لتحقيق طموحه.

    يوجد بالقصر الآن المُغيرة، أخو الحَكم الخليفة السابق. كان يصلُح أن يكون المُغيرة هو الخليفة ولكن الحكم اختار طفله الأصغر. كان المُغيرة يطمع في حقه بالحكم. شعر الحاجب جعفر المصحفي بالقلق من المُغيرة لطمعه في الحكم على حساب الخليفة الحالي صغير السن، فأراد جعفر المصحفي قتل المُغيرة وبقاء الخليفة الحالي لسهولة السيطرة عليه بعد ذلك، ولأنه مادام المُغيرة حيًا فسيظل يطالب بحقه في الحكم، فطلب جعفر المصحفي من قائد الشرطة محمد بن أبي عامر قتل المُغيرة. ذهب محمد بن أبي عامر حتى المُغيرة يريد قتله ثم تردد وعاد لجعفر المصحفي قائلاً له أنه لن يقتل المُغيرة. كان محمد بن أبي عامر طموحًا ولكنه لا يستخدم أيه وسائل ليصل لهدفه. فأرسل جعفر المصحفي آخرون لقتل المُغيرة.

    المبادرة...

    مازال الأربعة أشخاص يتصارعون على الحكم حتى وقع حدثًا أجبر أحدهم على التميز، فقد بدأت جيوش بلاد الفرنجة من جهة الشمال أن تتحرك وتُغير على قرطبة، وبدأ الشعب يشعر بالقلق من أن لا ينقذ أحدهم البلاد من الفرنجة وذلك لأن الخليفة بيلغ من العمر 12 عامًا فقط. لا يجيد المصحفي التصرف لأنه حاجبًا لا دراية له بالحروب السياسة، وصُبح سيدة، وغالب الناصري قائد الفرسان متردد، فظهر محمد بن أبي عامر المبادر وقال: "أنا أقود الجيش وأحاربهم!" بما أنه ليس قائدًا عسكريًا، طلب أن يصطحب معه غالب الناصري ليتعلم منه فطموح بن أبي عامر بلا حدود، يريد أن يكتسب خبرة غالب ويتعلم كيف تُقاد المعارك. أدرك حينها جعفر المصحفي أن محمد بن أبي عامر سوف يتحول إلى شخصية شعبية في حالة فوزه بالمعركة وسيكون أقوى رجل بالدولة، ولكن في ذات الوقت لا يستطيع أن يمنعه لهجوم الفرنجة على البلاد.

    قاد محمد بن أبي عامر الجيش مصطحبًا معه غالب الناصري ومرافقًا له يتعلم منه في كل دقيقة من الـ52 يومًا وهي مدة المعركة. يعود محمد بن أبي عامر منتصرًا - الذي انتصر حقيقةً هو غالب لدرايته بالفنون العسكرية ولكن محمد بن أبي عامر كان مبادرًا - ويتحول إلى بطل شعبي. أصبح محمد بن أبي عامر شخصية قوية داخل القصر وشخصية محبوبة خارجه. كان جعفر المصحفي يكره محمد بن أبي عامر، فجآءت محمد بن أبي عامر الفرصة فذهب لكلٍ من صُبح أم الخليفة وإلى غالب وأشار عليهما عزل جعفر، فعزله بمنتهى السهولة لقوة مكانة محمد بن أبي عامر في هذا الوقت. فأصبح الآن ثلاثة يتصارعون على الحكم بدلاً من أربعة.

    بدأ محمد بن أبي عامر يتعلم كيفية قيادة المعارك فشارك في 52 معركة لم ينهزم في أي منهم وهو لم يبلغ من العمر سوى 32 أو 33 عامًا فقط. فحقًا تصلح قصته أن تتحول إلى فيلمًا سينيمائيًا!

    المكيدة

    بدأ غالب يشعر بالغيرة من محمد بن أبي عامر، فكيف أن غالب هو قائد الفرسان والآن أصبح محمد بن أبي عامر يقود المعارك بدونه؟ محمد بن أبي عامر سبق غالب لأن الأول كان مبادرًا. فجهز غالب وليمة بقصره لمحمد بن أبي عامر ودعاه لها يريد بذلك قتله، فلبى محمد بن أبي عامر الدعوة. غّلَّقَ غالب الأبواب وأستعد بأن ينزل بالسيف على رأس محمد بن أبي عامر فأطاح أحد حراس محمد بن أبي عامر بالسيف، وهرب غالب قفزًا من أعلى السور ونجا بنفسه، ثم جهز جيشًا لمحاربه محمد بن أبي عامر وارتكب خطأً لا يليق بكونه فارسًا محترمًا وهو أنه استعان بملك ليون لمساعدته إلا أن ملك ليون رفض. فمن الممكن أن تضيع الغيرة تاريخ رجلٌ عظيم! التقى الجيشان المسلمان بقائديهما اللذان عملا سويًا قبلاً لمحاربة الأعداء، ولكنهما الآن في مواجهة بعضهما البعض! لماذا نصنع هكذا بتاريخنا؟ لماذا لا نستطيع أن نعمل سويًا؟ هل تأكل الغيرة منا إلى هذا الحد؟ ما أن التقى الجيشان حتى أخذ غالب يدعو قائلاً: "اللهم إن كنت أنا الأصلح للمسلمين فانصرني على ابن أبي عامر، وإن كان ابن أبي عامر هو الأصلح للمسلمين فانصره علي". يتضح هنا أن النفس البشرية ليست على شاكلة واحدة، خير أو شر، تشعر من دعوته أنه ليس بهذا السوء ولكنها طبيعة النفس البشرية. فقصة الأندلس ليست قصة مثالية، بل فيها الخير والشر.

    قبل أن يلتقي الجيشان أخبر غالب أعوانه أنه يشعر بالتعب ويريد أن يستريح وطلب منهم أن يقوموا بتأجيل موعد البداية قليلاً، ثم دخل خيمته فمات! سبحان الله! هي إرادة الله! وكأنها إجابة دعوته! فأنكر الجيشان مواجهة بعضهما البعض، وتجمعا في جيشٍ واحدٍ. ولكن طموح ابن أبي عامر لا ينتهي، فوصل إلى آخر مكان وصل له المسلمون من جهة الشمال، ووصل إلى منطقة الصخرة التي لم يستطيع طارق بن زياد الوصول إليها. فكان طموح محمد بن أبي عامر مع مصلحة الوطن.

    محمد بن أبي عامر حاكمًا للبلاد استقر لمحمد بن أبي عامر الأمر، وأبعد صُبح بمنتهى السهولة وأخذ الأموال التي كانت تحت يديها وأصبح وحده حاكمًا للبلاد. في آخر عمره وبعد أن أصبح كل شيء تحت سيطرته، أراد ولأول مرة أن يصطدم مع مصلحة الوطن، فأراد أن يستبعد الخليفة وأراد أن يجعل النقود تحمل اسمه عوضًا عن اسم الخليفة، وبدأ يجعل الأئمة تدعو له في الصلاة بدلاً من أن تدعو للخليفة، ثم أراد أن يصنع مجدًا شخصيًا فأقام مدينة - اختفت لاحقًا - تسمى مدينة "الزاهرة" على غرار مدينة "الزهراء" التي أنشأها عبد الرحمن الناصر. أنفق محمد بن أبي عامر الملايين من أموال الدولة على تلك المدينة وانتهت مع موته.

    انتهاء عصر محمد بن أبي عامر

    تُوفي محمد بن أبي عامر سنة 392 هـ وهو يبلغ من العمر 62 عامًا وحكم مدة 30 عامًا، ولكن هناك فرق بين مدة 30 عامًا تتسم بالجمود ومدة 30 عامًا تتسم بالحركة للأمام. كانت مدة حكم محمد بن أبي عامر من النوع الثاني ولذلك استمر طوال هذه المدة، وتوفي والناس تدعو له.

     

     

     

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

  • قصة الاندلس (14) - عبدالرحمن الناصر- ج2

     

    برنامج قصة الاندلس (14) - عبدالرحمن الناصر - ج2
     

    حقائق تاريخية
    حكم عبد الرحمن الناصر الأندلس مدة خمسين عامًا مليئة بالحركة المستمرة والإصلاح، وكان هدفه الكبير هو توحيد الأندلس ، فهو كان المؤسس الثاني للأندلس بعد جده عبد الرحمن الداخل، وكان المجدد لدولة الأندلس من بعد جده عبد الرحمن الداخل. كانت الأندلس وقت توليه حكمها تعاني من حالة من الترهل الشديد وواجهته بعض صعاب وهي وجود ثلاث دول شمال الأندلس تهاجم الأندلس، مملكة ليون ومملكة قشتالة وبرشلونة ووجود الدولة الفاطمية الشيعية في المغرب العربي والتي لأول مرة منذ بداية تولي المسلمين حكم الأندلس يهاجم المغرب العربي الأندلس بسبب الدولة الفاطمية الحاكمة له آنذاك، حيث كانت تقوم بتمويل الثورات داخل الأندلس التي قامت ضد الحكم وخاصة ثورة شخص يدعى عمر بن حفصون الذي كان زعيمًا اعصابة وحوله الفاطميون إلى رجل متمرد على الحكم في الأندلس وذلك بإمداده بالسلاح ومن بعد ذلك إرتد عن الإسلام وأسمى نفسه صموئيل بن حفصون ليكسب رضا مملكة ليون، وهكذا اصبح لديه قوة من جهة الجنوب (الفاطميين) ومن الشمال (ليون) ضد الحكم الإسلامي في الأندلس.

    مواجهة الصعاب وإيجاد الحلول

    عندما تولى عبد الرحمن الثالث (الناصر) حكم الأندلس كانت الأندلس محاطة بكل تلك المصاعب والمشاكل وكان يبلغ من العمر 22 سنة، وبدأ بالقيام بثلاثة أشياء لتقوية الدولة وهي: تولي أهل الخبرة وليس أهل الثقة للمناصب ووضع رقابة على كل السلطات لضمان سلامة سير الأعمال جميعا، جعل تعايش بين المسلمين والمسيحيين، وأعطى حرية النقد داخل الدولة لعموم الشعب.
    قام بإنجاز هذه الأشياء خلال ثلاثة أعوام ومن بعد ذلك بدأ يلتفت لعمر بن حفصون أو صموئيل بن حفصون ولم يكن هو الفتنة الوحيدة في الأندلس بل كان هناك عددًا من المتمردين الذين أرادوا الإستقلال عن حكمه في سرقسطة وفالنسيا وغرناطة وإشبيلية. كان عبد الرحمن الثالث يتميز بأنه يحل أي مشكلة من جذرها وليس من ظاهرها فقط، ففكر أن القضاء على صموئيل سيأتي من القضاء على الإمدادات التي تصله من الفاطميين فقام بالإستيلاء على مضيق جبل طارق الذي كانت تمر عبره إمدادات الفاطميين لصموئيل وقام بحرق كل السفن التي تنقل أي سلاح أو إمدادات من المغرب إلى ابن حفصون وحاصر هذه المنطقة لعدة شهور إلى أن تأكد بأن كل هذه الإمدادات توقفت تمامًا، عند ذلك الوقت طلب إبن حفصون الصلح والمعاهدة من عبد الرحمن الناصر ووافق عبد الرحمن على الصلح بشرط أن يسلم كل حصونه، فسلم 32 حصنًا واستسلم تمامًا ابن حفصون وتوقف نشاطه. توفى ابن حفصون بعد ذلك بعامين.

    مازالت الثورات الأخرى قائمة في أماكن عدة في الأندلس وعندما أخبر مساعد عبد الرحمن الثالث بذلك قال له عبد الرحمن كلمة جميلة وهي: "أنا لن أفني عمري في محاربة هذه الثورات ولكني سأحارب ليون لأحمي الأندلس كاملة" فقد وضع لنفسه هدف كبير وهو حماية الدولة بأكملها وخرج بجيشه وحارب ليون وانتصر. فلما رأوه المتمردين يقوم بحماية وطنهم أخمدوا ثوراتهم وإنضموا إليه في محاربة مملكة ليون، وهكذا قضى على كل الثورات وولى أهل الخبرة في كل مكان وخلق جو التعايش بين الناس جميعًا فتوحدت الأندلس على يده وهو يبلغ من العمر 29 سنة.

    أعلن عبد الرحمن الثالث سنة 316 الخلافة الأندلسية وكان هو أمير المؤمنين في الأندلس ولم ينتظر الفاطميين حتى يأتون إليه ويحاربوه، لكنه نقل المعركة إلى أرضهم واستولى على ميناء سبتة ودخل مدينة طنجة وجعل جيش الفاطميين يحاربوهم على أرضهم.
    في إحدى السنوات حدث قحط وأراد المنذر بن سعيد أن يصلي بالناس صلاة الاستسقاء لينزل المطر وقبل أن يصلي سأل مساعد عبد الرحمن الناصر عنه فقال" "أين الأمير؟" فقال: "تركته في بيته جالس على الأرض واضع خده على التراب يقول يارب لاتهلك الرعية بسبب ذنوبي" فابتسم المنذر وقال: "الله أكبر إذا خشع جبار الأرض رحم جبار السماء" وقال للناس: "أبشروا وصلوا فستسقوا إن شاء الله" وبالفعل، نزل مطر غزير.

    إنجازات عبد الرحمن الثالث

    قام عبدالرحمن الثالث بتأسيس فكرة أن يكون للأندلس منتج يتحرك عالميًا وهو الزيتون، فقاموا بزراعة الزيتون في أنحاء الأندلس الذي مازالت شهرته عالمية إلى يومنا هذا قائمة.

    قام أيضا بتأسيس مدينة مازالت أثارها موجودة إلى اليوم وهي مدينة الزهراء وهي تحفة معمارية رائعة، شارك في بنائها عدد كبير من المعماريين وكان ينقل إليها كل يوم 6000 حجر يوميًا، وعدد الأعمدة التي أقيمت فيها 4300 عمود، جميع أرضها كانت مكسوه بالبلاط، طلب ممن بنوا هذه المدينة أن يبدعوا كل جديد وأن لايقلدوا أحداً، وكان يجعل كل من قام ببناء عمودًا في مدينة الزهراء بأن يكتب اسمه أعلى العمود كإمضاء، وأحاط مدينة الزهراء بالأشجار العالية. في الواقع، الإبداع مُعدِ، فعندما فتح المجال للإبداع ظهر الكثير من المبدعين ومن العلماء في مدينة الزهراء التي أتاحت لهم الفرصة لتحريك مخيلاتهم ولتلقي العلم أيضًا.
    عاش عبد الرحمن الناصر في الزهراء، وكان يستقبل فيها الملوك القادمين من أنحاء العالم وانبهروا بالمدينة وجمالها. من شدة جمال مدينة الزهراء احتفلت إسبانيا بألفيتها عام 2002 وقاموا بدعوة الفنانين لعمل متاحف في هذه المدينة.

    حين يقوم السياح بزيارة مدينة الزهراء الآن تقول لهم المرشدة السياحية أن هذا المكان يوجد به مسجد لأن المسلمون يصلون خمس مرات في اليوم، ثم تصف لهم أنه يوجد أماكن للماء لأن المسلمون يجب أن يقوموا بالوضوء للصلاة. فقد قام أجدادنا بعمل دعاية للمسلمين وللإسلام.

    وفاة عبد الرحمن الثالث

    توفي عبدالرحمن الثالث ووجدوا في حجرة نومه ورقة صغيرة كتب فيها؛ (عددت أيام السرور في حياتي فلم أجدها إلا أربعة عشر يومًا). لاأعتقد أنه كان مبالغًا في عبارته هذه فهو رجل أخمد الثورات وأوقف الأعداء وأقام الدولة وأبدع وبنى المعمار وكان سببًا في نجاح الأندلس.
    مازال خط عبدالرحمن الثالث متواجدًا إلى الآن بعد مماته بمئات السنين ومازال شجر الزيتون الذي تشتهر به إسبانيا يملأ أراضيها إلى يومنا هذا.

     

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

     

  • قصة الاندلس (13) - عبدالرحمن الناصر - ج1

     

    قصة الاندلس (13) - عبدالرحمن الناصر - ج1


    مقدمة

    فتح عند عبد الرحمن الأوسط الأندلس من سنة 92ه إلى 95ه، وبدأ عصر الولاة من 95ه إلى 138ه، ثم أسس عبد الرحمن إمارة الأندلس من 138ه إلى 316ه. توفى عبد الرحمن الداخل ثم جاء أولاده ثم عبد الرحمن الأوسط، ثم بدأ الإسراف في الترف والمبالغة في المال، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تفتح لكم فتتنافسوها كما تنافسها الذين من قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم" فبدأت الأندلس تمر بـ62 عامًا من السقوط المستمر، وكان الأمير عبد الله رجلًا تقيًا وورعًا ولكنه ضعيف، فلم يستطع أن يمسك بزمام الأمور.

    الكوارث في الأندلس

    ظهر رجل اسمه عبد الرحمن حفصون، كان زعيمًا لعصابة عددها أربعون شخصًا، وكان يعيش في الجنوب وفجأة تحول إلى ثائر متمرد على إمارة الأندلس وكان يريد أن يستقل في الجنوب وينفصل عن الأندلس، فيبدو أن هناك أحد كان يمده بهذه الأفكار لكي تسقط الدولة وللأسف بدأ الفاطميين يقيموا دولتهم في المغرب العربي، فهذه هي المرة الأولى التي يريد فيها الفاطميين إسقاط المسلمين فكانوا يمدوه بالأموال والأفكار. بدأ عبد الرحمن حفصون أن يتصل بملك ليون في الشمال وارتد عن الإسلام لكي يرضيه وسمى نفسه صموئيل بن حفصون لكي يستميله ويستميل المسيحيين.
    هناك كارثة أخرى، وهي أن ممالك الشمال الفرنجة والإسبان المعاديين للأندلس أصبحوا ثلاثة؛ مملكة ليون وقسطالة والأرجون، فالوضع أصبح خطيرًا. ففي الشمال هناك مشكلة وفي الجنوب يوجد صموئيل بن حفصون وتحت المغرب العربي دولة تريد عدم مساعدة المسلمين بالإضافة إلى أنها في وضع ضعف وترهل وولي العهد قُتل من أخيه.
    المعجزة بظهور عبد الرحمن الناصر
    في ظل هذه الظروف، ستحدث معجزة بظهور عبد الرحمن الناصر الذي سيحكم الأندلس لمدة 50 عامًا ويحول الأندلس إلى مدينة عالمية وذلك بسبب الحركة المستمرة، فهو يقول عن نفسه: "والله ما تذوقت السرور إلا 14 يومًا" فحكم 50 عامًا بجهد مستمر، فكان عبد الرحمن الناصر يقود الأندلس في ظل كل هذه الأزمات.

    قُتل والد عبد الرحمن الناصر وهو عمره 20 يومًا، فوالده هو ابن ولي العهد وحفيد الأمير عبد الله، الأمير السابع على الأندلس، فجده الكبير عبد الرحمن الداخل وجده الأقرب عبد الرحمن الأوسط والذي قتل أبوه هو عمه فالأمير عبد الله قتل ابنه لكي يقتص من القاتل، فاثنين من أولاده ماتوا والذي يخفف دموعه هو حفيده، فمن قلب المحنة تأتى المنحة، فالله يؤتي الملك لمن يشاء. كان الأمير عبد الله يشفق عليه ولم يعد يهتم بالمملكة فزادت المصائب وكان دائمًا يحكي له قصص تاريخية قبل النوم وبدأ يكبر ويتعلم اللغات وأصبح الكاتب الشخصي لجده وعند سن 22 سنة أصبح نابغًا. فعند موته قال أن الذي سيتولى هو عبد الرحمن الناصر وهو عمره 22 سنة وبدأ يقوي الدولة عند طريق ثلاث أشياء:
    1) المناصب لأهل الخبرة: وجد أن جده كان يعين العرب لأنه كان يثق فيهم فبدأ يعيد هيكلة الحكومة ويوزع المناصب عن طريق تعيين الكفاءات، فكان يعين أهل الخبرة وليس أهل الثقة وعمل نظام رقابة لكشف الأخطاء.

    2) نظام للحرية والنقد وحرية الثقافة ونظام للرقابة على الأجهزة الحكومية: عمل نقد ذاتي داخل المجتمع فالذي عنده شكوى من أحد يجب أن يرفعها، فبدأت الناس تتكلم بحرية وتظهر الأخطاء لدرجة أن الإمام المنذر ابن سعيد إمام مسجد فرطبة كان ينتقده في إحدى خطب الجمعة وبالرغم من ذلك لم يعزله، فطبق النقد الذاتي حتى على نفسه.

    3) التعايش والوحدة الوطنية: بدأ يمر على المساجد والكنائس ومعابد اليهود ويقوم بترميمها وعندما كانوا يسألونه لماذا يقوم بترميم الكنائس كان يقول: (... وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً ...) (الحج40).
     

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

  • قصة الاندلس (12) - الفن في الأندلس

    قريبا

     

     

     

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

  • قصة الاندلس (11) - الجمال في الأندلس

     

    قصة الاندلس (11) - الجمال في الأندلس
     

    تولي الحَكَم بن هشام الحكم

    لقد ساهم جمال الأندلس في تغيير معنى الجمال ونظرة العالم أجمع له بعد قدوم المسلمين للأندلس، فالجمال لدى الإغريق كانت حدوده تنتهي عند جمال المرأة فقط، والمعمار قبل الإسلام لم يكن سوى قواعد خرسانية صلبة ولكن تغير مفهوم الجمال تمامًا. فبعد وفاة عبد الرحمن الداخل التي كانت الأندلس تشهد في عهده الأبطال والانتصارات ولكن من الناحية الجمالية كانت في المستوى المتعارف عليه، تولى الحكم من بعده ابنه هشام عبد الرحمن الداخل ومن بعده ابنه الحَكَم بن هشام الذي كان مختلفاً عن أبيه وجده اللذين كانا يتسمان بالرحمة كأشخاص وكساسة وكانوا يجيدون فن التعامل مع الناس، ويغلُب عليهم العفو والسماحة، أما هشام فكان مغايراً لهما في طباعه التي اتسمت بالقسوة الشديدة والتي تصل به إلى حد الظلم والقتل لأهون الأسباب، وقد أدت غلظة طباعه وعنفه إلى مواجهته للعديد من الثورات حيث تعامل معها بأسلوب لم تشهده الأندلس من قبل أثناء ولاية أبيه وجده من قتل الثوار وإحراق منازلهم ونفيهم خارج البلاد.

    توبته وتركه للحكم

    ولكن وقع أمر مفاجئ للحَكَم بن هشام لم نعتد حدوثه للملوك والأمراء؛ وهو التوبة عما بدر منه وإعلان ذلك أمام الشعب وهو يبكي، صادقاً في توبته. ما دفعه للقيام بهذا هي امرأة ممن قمن بتغيير تاريخ الأندلس ونجحن في النهوض بالرجال العظام، وهي تعمل في مجال كتابة الخطوط وقد منحته هدية قيمة هي مصحف مكتوب بخط يدوي كوفي وهي التي قامت بكتابته. فقد أُعجب به إعجابًا شديدًا وشكرها ولكنها بادرته قائلة: "لا تلتفت إلى جمال الخط ولكن التفت إلى جمال القرآن" ففتح المصحف وبدأ يلتفت بالفعل لجمال القرآن وقرأ قوله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الملك:1) فشعر بضآلة حجمه بعد القراءة وأبدى الندم والتوبة وقال: "من توبتي لن أحكمكم بعد اليوم"، وأتى بولي العهد وهو ابنه الأكبر والذي قال عنه أنه يتصف بالقسوة فاختار ابنه الأوسط عبد الرحمن وسُمي عبد الرحمن الأوسط وأعلن: "هذا هو
    الخليفة وأنا أتنازل عن الحكم" وقد تنازل وهو في أوج قوته ثم توُفي بعد ذلك بعامين وهو تائب إلى الله. ما أجمل التوبة وما قام به أبلغ من أن يوُصَف، فالخُلُق الحسن أفضل أحياناً من روعة المنظر.

    سمة الجمال

    تولى عبد الرحمن الأوسط الحكم وكان هاديء الطباع، متدين، فقد كان من حفظة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وخُتَام القرآن وكان يؤم الناس للصلاة بالمسجد قبل توليه الحُكم وكان متذوقاً للجمال. نتمنى أن نرى المسلمين على شاكلة عبد الرحمن الأوسط الذي تولى الحُكم عام 852 م ومنذ ذلك اليوم سيعمل على نقل تاريخ الجمال في العالم، فقد تغير معنى الجمال قبل وبعد عبد الرحمن الأوسط الذي عرفت أوروبا بسببه معنى جديد للجمال الذي عمل على نقله إليها.

    فبدأ بحلم للأندلس هو الأندلس حضارة الجمال، ثم ما لبث أن اجتمع بالناس وألقى خطبة قال فيها: "روينا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله جميل يحب الجمال" تَعَبدوا إلى الله بحب الجمال" فعقيدة المسلم تشتمل على أن الجمال جزء من دينه، فجمع المهندسون، الصُناع، أئمة المساجد، الخطاطون وكل من يقومون بأعمال الزخارف وقال لهم: "سنكون عاصمة الجمال" وقد أصبحت ذلك بالفعل ونقَلَها لأوروبا والعالم.

    قصر الحمراء

    قصر الحمراء هو قصر من قصور الجمال ليس في الأندلس فقط ولكن في العالم أجمع. فهو أحد إنجازات المسلمين في حضارة العالم، والذين بدأوا في انتهاج قيم جديدة يبدعونها في الأندلس ثم يهدونها للعالم أجمع. هذا القصر هو أحد أجمل إبداعات المسلمين في تاريخ البشرية ويتوافد عليه الكثير من السياح إلى يومنا هذا وهو إحدى المزارات العالمية بالنسبة للقصور في العالم وذلك تبعاً للأرقام السياحية التي تؤكد أن القصور الحاصلة على أكبر عدد من السياح في أعوام: 2010، 2012 و2013 هي كالتالي: قصر الحمراء في الأندلس، تاج محل في الهند وقصر توب كابي وهو قصر الخلافة الإسلامية في اسطنبول. هذا يعني أن المسلمين أصحاب
    أكبر ثلاثة مزارات سياحية في العالم وقصر الحمراء بغرناطة هو على قمة هذه المزارات. لقد أهدى المسلمون الكثير لهذا العالم ونجح عبد الرحمن الأوسط في نقل الأندلس نقلة حضارية لتاريخ الجمال.

    ويبقى السؤال كيف تعلم المسلمون في الأندلس هذا الجمال؟ الإجابة هي بسبب فهمهم الصحيح لدينهم من أن الله جميل يحب الجمال، فالمسلم لا يحب المناظر الطبيعية فحسب ولكننا مأمورون في العقيدة بحب الجمال، وهذا هو ما أدركه المسلمون في الأندلس: أن عقيدة المسلم في حب الجمال. فلماذا يتجه البعض من المسلمين والمتدينين إلى فهم الجمال في أضيق نطاق وتكون لديه مشكلة في قبول اللوحات الفنية والزخارف والفن بوجه عام؟ هذا بسبب ضيق في مستوى الفهم.

    هذا القصر هو من أجمل ما أبدع المسلمون في الفن والعمارة، فالقصر به العديد من الرسومات متناهية الدقة وقد واجه علماء الغرب مشكلة في تفسير من قاموا بكل هذا الإبداع هل كانوا من أهل الهندسة أم الفن؟ قصر الحمراء أكثر من رائع وجميع النقوش الدقيقة التي تعلو جدرانه من الداخل والخارج يزينها خاتم "لا غالب إلا الله". تبلغ مساحة القصر ثلاثين فداناً جميعهم يعلوه هذا الخاتم، السمة الغالبة هي الفن الراقي الذي يتميز به، الزخارف والحدائق الغناء وكل هذه العناصر مجتمعة تجعله من القصور الفائقة الندرة. من العناصر الفريدة أيضاً أنهم قاموا بكتابة قصائد شعرية على جدران القصر وهي قصائد طويلة تجدها أينما سرت بالقصر:
    وفتحت بالسيف الجزيرة عنوةً وفتحت باباً كان للنصر مبهماً

    بجانب كل هذه الدقة والجمال يبدو اهتمامهم بالساحة جلياً حيث ينساب الماء بين الحدائق وكانت الساحة تُستخدم لاستقبال السفراء الذين لابد أن يصل إعجابهم حد الانبهار عند حضورهم للقصر، حيث يرون مشاهد متفردة لم يسبق لهم رؤيتها في انجلترا، ألمانيا أو أي مكان في الشرق أو الغرب.

    حدائق ذات بهجة

    بدأ عبد الرحمن الأوسط قصته مع الجمال بأن اجتمع بالمهندسين الزراعيين ومنسقي الحدائق وتلا عليهم قوله تعالى: (...حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ...) (النمل:60) وأيضاً قوله تعالى: (...وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ) (الحجر:16) ثم قال لهم: "نود أن يكون لنا السبق في إنشاء حدائق عامة للجماهير" الحدائق عامة في هذه الأيام كانت تعني وجود نباتات وأشجار وتكون متاحة للجمهور وبذلك يكون لعبد الرحمن الأوسط السبق في فكرة الحدائق العامة قبل أوروبا بخمسمائة عام. الحديقة التي أتحدث عنها الآن لم يقم عبد الرحمن الأوسط بإنشائها ولكنها نتاج لما قام به من أعمال وهي تقع داخل قصر الحمراء وتسمى جنة العريف وذاك مازال اسمها باللغة الإسبانية.

    إبداعات معمارية

    هناك قاعة في قصر الحمراء يُطلقون عليها لقب أفضل النماذج المعمارية التي أخذت عنها أوروبا والعالم بسبب ما تتمتع به من جمال أخاذ، كان يرتادها فنانون من أوروبا ليتعلموا فيها، والأقواس بداخلها تُعد من أهم معالم الجمال بها، أما سقفها فهو من أعظم أنواع الأسقف الذي أطلقوا عليه اسم المُقرنصات وهي تتشابه مع خلايا النحل بأشكالها السداسية المتشابكة البديعة. أما السقف ففيه دقة هندسية ليس لها مثيل وهي مادة لتدريس فنون المعمار على مستوى العالم، وسننتقل الآن للحديث عن قاعة أخرى تسمى قاعة الأسود يوجد بها اختراع ابتكره المسلمون، وهو نافورة تتكون من اثني عشر أسداً وهي أيضاً ساعة لحساب الوقت.

    كانت قاعة الأسود تأتيها المياه للنافورة من الجبال التي تغطيها الثلوج في قمة غرناطة، وكانت المياه تنزل في طريقها حتى تصل لهذه النقطة عند النافورة وعدد الأسود اثني عشر واليوم أربعة وعشرين ساعة، والمياه تخرج من فم كل أسد مرة واحدة كل ساعة ثم الأسد الذي يليه، كل ساعة يبدأ أسد في إخراج الماء من فمه ثم التالي وهكذا ولكن المياه تخرج من أفواه الأسود الآن في ذات الوقت، وقد حاول الأمريكان البحث عن كيفية عمل هذه النافورة وكيف تخرج منها المياه كل ساعة، وحاولوا النزول أسفل النافورة في محاولة للتعرف على التقنية التي تعمل بها ولكن انتهى الأمر بأنها لم تعُد تعمل كالسابق.

    عبد الرحمن الأوسط من الرجال العظام فقد نقل مفهوم الجمال في العالم وكان متفهماً لدينه بطريقة صحيحة وقد تذوق الجمال لأنه يحب الله وقد بدأت في عهده كتابة العديد من الكتب عن الجمال ومنها علم التجميل وصناعة العطور وكيمياء العطور وفن التجميل وطب التجميل. حتى أن المسلمون كتبوا عن مستحضرات التجميل. أتمنى أن يمنحنا الله القدرة على أن نتذوق الجمال ونعمل على صنعه كما صنعه أهل الأندلس، كل الشكر لعبد الرحمن الأوسط مني ومن أوروبا والعالم أجمع، فهو الذي تم علي يديه نقلة في تاريخ الجمال بسبب حبه العظيم لله سبحانه وتعالى.

    فلابد من زيارة الأندلس لنقول لابد أن نسير على الدرب الذي سار عليه أجدادنا، فأنا في الأندلس أشعر بأنني أطير من فرط سعادتي وكأنني في الجنة، ولقد قرأت وسمعت الكثير عن الجنة وأخبرت الناس عنها، ولكن وأرجو أن تصدقوني في أنني بعد قدومي لقصر الحمراء وجنة العريف أصبح إحساسي بالجنة أعلى من ذي قبل، فأنا أشعر بها الآن بشكل مغاير إلى حد كبير عن إحساسي قبل زيارتي لهذه الأماكن. ليست الحدائق فقط هي التي تحظى بالجمال ولكن يفوقها روعة جمال المعمار.

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

  • قصة الاندلس (10) - عبدالرحمن الداخل - ج2

    قصة الاندلس (10) - عبدالرحمن الداخل - ج2

     


    من هو عبد الرحمن الداخل؟!
    هو أمير أموي شاب، تربى في بيت الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، حكم الأندلس لمدة أربعة وثلاثون عامًا، منذ عام مائة وثمانية وثلاثين هجريًا إلى مائة اثنين وسبعون هجريًا.
    وعندما بلغ التاسعة عشر من عمره؛ انقلب العباسيين على الأموين؛ وأقامو الخلافة العباسية، وذبحو الأمويين ذبحًا، و جابو البلاد بحثًا عن كل أمير أموي ليقتلوه، ففر الأمير عبد الرحمن الداخل ذو التسعة عشر عامًا منهم؛ وظل ينتقل من مكان إلى أخر هربًا منهم لمدة ست سنوات! هرب من الشام إلى العراق، وسبح هو وأخاه في نهر الفرات إلا أن العباسيين تمكنوا من القبض على أخاه، وذبحوه أمام عينيه، ثم هرب إلى مصر وبعد أن عرفو مكانه في مصر هرب إلى المغرب، وهي الموطن الأصلي لوالدته التي كان أصلها من البربر، ولكن لم يجد مكان يستطيع العيش فيه فانتقل إلى الأندلس، حيث استقبله خادمه بدر؛ واستقر أخيرًا بعد ست سنوات متواصلة من الهرب، والعناء، والخوف، والقلق، من أن يجده العباسيين.
    بعد بلوغ الخامسة والعشرين من عمره، ماذاقد يفعل بعد أن استقرت به الحياة أخيرًا بعد كل هذا العناء من والسفر هربًا من القتل المحتم على يد العباسيين لمدة ست سنوات متواصلة؟ أتظنون أنه ركن إلى الراحة والاستجمام؟ كلا، لم يفعل! بل استيقظ بداخله هدف أكبر، هو توحيد الأندلس. تلك البلد الإسلامية التي مات من أجلها أجداده، فقرر أن يتفق مع اليمنيين ووضع يده في يد أبو الصباح اليحصُبي، وانتصرا سويًا على والي الأندلس يوسف الفهري، وأصبح أميرًا للأندس. ولكنه لم يكتفي بذلك، بل نفذ هدفه الأكبر وهو وضع أسس موحدة لدولة الأندلس، لأنها كانت بلد مفككة بحاجة إلى معجزة لتتجمع مرة أخرى، وكان هو هذه المعجزة.
    خطة توحيد الأندلس
    يُعد عبد الرحمن الداخل الفاتح الثاني للأندلس بعد موسى بن النصير، وطارق بن زياد، ولم يكن له جذور وعزوة في هذه البلاد، بل كان من الغرباء عنها، وكل من حوله في هذا الوقت كانوا حديثوا العهد به.
    أول خطوات الخطة كانت المصالحة! الصلح بين أهل الحجاز وأهل اليمن، فقد كان بينهم صراع ودم، وهو من أصل حجازي، ولكنه كما ذكرنا كان قد تحالف مع اليمنين على والي الأندلس، فأراد أن يدوم هذا التعاون بينهم ليس فقط من أجل الحصول على الأندلس بل من أجل النمو بها مرة أخرى.
    فسأل ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم عندما هاجر إلى المدينة؟، فأُجيب: بأنه صلى الله عليه وسلم أخى بين المهاجرين والأنصار، فاتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم فبدأ بالمصالحة بين الحجازيين واليمنيين بالأندلس، ووضع قانونًا ينص على أن أي مشروع أو حرفة يتشارك فيها اثنين أحدمها حجازي، والآخر يمني تكون الأرض هدية من الدولة. يالها من حنكة وذكاء، يريد بالفعل توطيد العلاقات الطيبة بين الحجازيين واليمنيين، وأخذ هو بنفسه يجوب شوارع قرطبة، إذا وجد جنازة ليمني شارك فيها بنفسه، وإن علم بمرض أحد القرشيين ذهب ليعوده في بيته، وإذا سمع عن أن أحد الشوام يمر بمشكلة ما، مر عليه لينظر في مشكلته، بل وصلت حكمة هذا الشاب ذو الخمسة والعشرون عامًا إلى أنه حين علم بأن أبو الصباح اليحصُبي كان قد قال لليمنين يوم معركتهم مع والي الأندلس: "ما رأيكم في نصرين في يوم واحد؟" وكان يقصد أن يقتله هو، ذلك الفتى القرشي عبد الرحمن الداخل، إلا أن قومه كانو حكماء، فقد قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحكمة يمنية"، فرفضوا قتل عبد الرحمن الداخل، وحين علم بما كان من أبو الصباح اليحصُبي، لم يفعل له شيئًا! بل صبر عليه إحدى عشر سنة! ولم يخبره بأنه قد علم ما كان منه ثم عزلة في الوقت المناسب لذلك.
    ذات يوم وهو يمر في شوارع قرطبة، جائه رجل ممن يضمرون له شيئًا في أنفسهم، وقال له: "أعطني أرضًا لأسكن بها" فأعطاه أرضًا من ماله الخاص ثم ذهب إليه وقال له: "إرفع شكواك إلى الله أولًا ثم إإتني؛ واكتُب لي في رُقعة، كي نسترك أمام الناس ولا تفضح نفسك" كان هذا أسلوبه في التعامل مع الناس جميعًا فأحبوه الناس. واستطاع بالفعل أن يوحدهم ويجمعهم حوله، إلا أنه ظلت هناك مشكلة تواجهه، فقد ظل الناس متحيريين في أمرهم، هل هم تابعين للخلافة الأموية التي أبيدت على أيدي العباسيين، أم أنهم تابعيين للعباسيين؟ ظل يفكر عبد الرحمن الداخل في هذا الموقف ووجد أنه ليس من الحكمة إعلان تابعيته للخلافة الأموية بعد سقوطها؛ لأن هذا سيثير غضب العباسيين ويستفزهم وستكون حرب جديدة، ولا يمكنه أن يسلم إلى من قتلوا أهله ويُقر بأنه تابع للخلافة العباسية. فقرر إعلان الأندلس إمارة مستقلة، وبسبب قراره هذا ظلت الأندلس قائمة لثمانمائة عام.
    تهديدات للأندلس
    كانت الأندلس مهددة من أربعة جهات:
    1- العباسيين الذين يريدون الانتقام منه
    2- ملك الألمان شارلمان
    3- الفرنجة بفرنسا
    4- مملكة ليون في الشمال
    عانت الأندلس بسبب هذه التهديدات الأربعة من خمسة وعشرون ثورة، أولها كانت ثورة العباسيين، حين أرسل جعفر المنصور، الخليفة العباسي في ذلك الوقت، بأحد أتباعه إلى الأندلس يُدعى العلاء بن مغيث الحضرمي، لينادي في الأندلس بأن عبد الرحمن الداخل خارج على الخلافة العباسية، ليشعل الفتنة، فرد عليه عبد الرحمن الداخل قائلًا: "كذب، بل أنا موحد الأندلس، وحامي الإسلام فيها"، وقال: "أيهما أهم: الإسلام أم الخلافة؟" وانتصر عبد الرحمن الداخل على العلاء بن مغيث الحضرمي، الذي قُتل في تلك المعركة، وحين وصل الخبر إلى جعفر المنصور، قال: "قتلنا هذا الفتى الحمد لله الذي جعل بيننا وبينه البحر وإلا لأكلنا جميعًا" ثم يسأل وهو في حاشيته:
    "من صقر قريش؟"
    فأجابوه متملقين: "أنت يا أمير المؤمنين"
    فقال جعفر المنصور: "لا.. أنا كان معي رجال، وكان معي مال"
    قالوا: "فمعاوية بن أبي سُفيان"
    قال: "معاوية ولاه عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان على الشام، فكان معه المال والرجال"
    قالوا: "فالوليد بن عبد الملك"
    قال: "كان معه المال والرجال، وبايعه الناس على الخلافة"
    قالوا: "فمن؟"
    قال: "ذلك الفتى، الذي هرب منا، وراح وحيدًا طريدًا، غريبًا، فأقام دولة كبيرة، هذا هو صقر قريش، والله لا أقاتله بعد ذلك أبدًا"

    فتنة أخرى: ملك ألمانيا
    اتفق ملك ألمانيا مع حاكم سُرقسطة وكان اسمه سليمان الأعرابي، وكانت هذه أول خيانة حدثت في الأندلس، اتفق ذلك الخائن مع ملك ألمانيا على أن يسمح له بإدخال جيشه إلى سُرقسطة، وتم بالفعل إدخال الجيش اللألماني، وكان سليمان الأعرابي يظن أن كل جيشه موالي له هو، ولم يكن يعلم أن قيادات جيشه ولائها إلى عبد الرحمن الداخل، فانقلب الجيش فجأة على شارلمان ومن معه، الذي فر هاربًا، وظن أن سليمان الأعرابي قد خانه، فأرسل من يقتله، فقتله.

    فتنة أخرى: ابن أخاه
    طالبه ابن أخاه بحقه في الخلافة الأموية، بل وصل به الحد إلى أنه إضطر عبد الرحمن الداخل إلى محاربته؛ وقتله! ياله من أمر صعب! استطاع عبد الرحمن الداخل أن يقضي على خمسة وعشرون ثورة في الأندلس، بعدها فقط استطاعت البلاد أن تستقر وتهدأ، كم هو عالي الهمة! كم هو مثابر ومخطِّط جيد!

    ثم بدأ في تأسيس الدولة، جهز جيش كبير مكون من مائة ألف فارس، جمع فيه لأول مرة الجيل التاني من المولدين في الأندلس، كما أعدأسطولًا بحري ضخم في خمس موانئ، وقام ببناء ترسانة للأسلحة ومصانع للأسلحة في طليطلة، وأقام وزارات داخل الدولة،ثم قسم ميزانية الدولة بين الوزارات وبين الإعمار، ومن إنجازاته أيضًا إكمال بناء مسجد مسجد قرطبة الرائع، وهو أكبر مسجد في لأندلس، به محراب رائع، دقة رائعة في الزخارف، به أول مأذنة في تاريخ المسلمين لها أكثر من سلم حتى يستطيع المؤذنون أن يصعدو في وقت واحد ليؤذن كل منهم في اتجاهه، ليتمكن كل سكان قرطبة من سماع الآذان، ساحة المسجد كما هي، بنخلها وشجر اللارنج المزروع بداخله.

    رغم كل هذه الهمة العالية والتخطيط الرائع، إلا أنه كان شخصية رقيقة جدًا، هل تعلموا أنه هو من أدخل النخل العربي إلى الأندلس حتى يستشعر قربه من الشام، لأنه لم يستطع العودة إليها قط، هل تتخيلوا أنه كان يكلم النخل ويقول له: "أيها النخل إن كنتم قد اشتاقتوا إلى أرضكم فقد اشتقت أنا أيضًا إلى أرضي" بل أنه وصل به الأمر إلى بناء قصر في قرطبة اسماه قصر الرصافة، مماثل تمامًا للقصر الذي كان يعيش فيه بالشام، وكان يقف أمام البحر ينظر إلى البحارة المتجهين إلى الشام، ويقول:
    إن جسمي كما تراه بأرضِ وفؤادي ومالكيهِ بأرضِ

    وفاته
    توفي عن عمر يناهز التسعة وخمسون عامًا، تاركًا ورائه تاريخًا عظيمًا لا يعلم قيمته الكثير من العرب، إلا أن الإسبانقد صنعوا له تمثالًا عام 2005، فقد عرفوا قيمته قبل أن نعلم نحن قيمته.

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

     

  • قصة الاندلس (9) - عبدالرحمن الداخل - ج1
    قصة الاندلس (9) - عبدالرحمن الداخل - ج1
     

    الشخص المعجزة
    قد يكون هناك شخص لديه حلم وهدف أو مشروع أو طموح، ولديه شئ من القوة ليغير الدنيا كلها، سنتحدث عن ذلك الشخص الذى غير تاريخ العالم وتاريخ المسلمين وصاحب ذلك التمثال الذى نحته الإسبان عام 2005 احتفالًا بأمجاده وهو صاحب القصة عبدالرحمن الداخل، اسمه بالكامل عبد الرحمن ابن معاوية الأموى القرشى.

    لقد قام المسلمون بفتح الأندلس سنة 92 هجريًا، وانتهى عصر الولاة عام 138 هجريًا، وخلال تلك الفترة تم فتح الأندلس فى عهد الأمويين، وكان حكم الأندلس خلال فترة حكم الأمويين ولهذا تم تسميتهم بالولاة وقد بدأ عهد الولاة بموسى بن نصير وقت فتح الأندلس وانتهى بيوسف الفهرى، وفي نهاية عهد الولاة سقطت الخلافة الأموية وبدأت الخلافة العباسية وحدث صراع بين الأمويين والعباسيين ومعارك طاحنة تخللها دماء وذبح للأمويين وانتهت بانتصار العباسيين وسقوط الخلافة الأموية وذلك فى عام 132 هجريًا. وكان تأثير تلك الأحداث على الأندلس هو عدم تحديد هوية الأندلس أو لأى خلافة تنتمى، هل الأموية أم العباسية؟ ولم يكن يوسف الفهرى لديه من الجرأة ليعلن استقلال الأندلس، بالإضافة إلى الحرب الداخلية بين اليمينين المقيمين فى إشبيلية والقيسيين وهم أصلهم قريشيين أو حجازيين، إضافة لوجود العديد من الثورات داخل الأندلس لدرجة إن المحللين قالوا أن الإسلام سينتهي من الأندلس قريبًا، لولا المعجزة وهى عبد الرحمن الداخل وهو شخص يفكر في وحدة الناس بلا ثأر أو أنانية أو غل.

    عبد الرحمن الداخل
    ولد عام 113 هجريًا، كان والده من قادة الأمويين وأمه من المغرب العربى (البربر)، ثم مات أبوه ورباه هشام بن عبد الملك فتربى في بيت الخلافة وتعلم الفروسية واللغات والمصارعة وفنون السياسة. وعندما بلغ من عمره 12 عامًا، كان الناس يتحدثون عنه أنه ولد غير عادى، وفي ذلك الوقت رجل اسمه مسلمة بن عبد الملك رأى رؤية أن ملك الأمويين سيسقط من الشرق وأن ولد اسمه عبد الرحمن ابن معاوية سيعليه ويقيمه من الغرب وبدأت الرؤية تنتشر بين الناس، وعند سقوط الأمويين بدأ العباسيون في ذبح كل رجال الأمويين وكانوا يبحثون عن رجال الأمويين فى كل مكان ومن ضمن هولاء الرجال هو عبد الرحمن وكان عمره وقتها 19 سنة وكانوا يبحثون عنه لأنه تربى في بيت الخلافة وأيضًا بسبب الرؤية. اختبأ عبد الرحمن لمدة ست سنوات فى الشام ثم عرفوا مكانه، فذهب للعراق فعرفوا مكانه فذهب عند قرية على نهر الفرات وكان مختبئًا هو وأخيه هشام وزوجته وابنه وعندما وصلت خيول العباسيين لمنزله فبكى ابنه وزوجته فأعطى الولد لزوجته وقال لها: "ربىٌ هذا الولد إلى أن يشاء الله شيئًا" وأخذ أخيه هشام وقال له: "ألقِ بنفسك فى الفرات" فرد أخوه قائلًا" "لا أعرف السباحة جيدًا" فقال له عبد الرحمن: "ألقِ بنفسك في الفرات" فرموا بأنفسهم في الفرات والعباسيين يقفون بخيولهم على نهر الفرات وأخذوا ينادوا عليهم: "ارجعوا ولكم الأمان" وحلفوا لهم لن نمسكم بسوء، وكان هشام قد تعب من السباحة فقال لعبد الرحمن سأرجع، فرد عبد الرحمن: "سيقتلوك، اسبح" فقال هشام: "سأرجع" ورجع هشام وسبح عبدالرحمن إلي الجانب الآخر وبمجرد ووصوله للجانب الأخر ذبحوا أخوه هشام أمامه على الجانب الأخر.

    رحلة الهروب
    هرب عبد الرحمن إلى مصر ثم إلى برقة في ليبيا ثم إلى القيروان في تونس، كل هذا والعباسيين يلاحقونه، ثم ذهب عند أخواله من البربر في المغرب واختبأ عندهم 4 سنين لكن حاكم القيروان عبد الرحمن بن حبيب كان سمع النبوءة وعلم بوجوده فقرر أن يقبض عليه، فانطلق إلي الأندلس، فأراد الله سبحانه وتعالى من شخص أراد أن ينجو بنفسه أن ينجى الإسلام [...وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ...] {البقرة:251} فلولا الأحداث لما تغيرت الدنيا. فبعث عبد الرحمن بعبده بدر إلى الأندلس كي يتفقد الأخبار، فرد عليه بدر أنه لابد أن تبعث للأمويين في الأندلس كي يساعدوك فبعث 1000 جواب فرد عليه 100 فقط من الـ 1000 فبعث له عبده بدر مرسال في المغرب فسأله عبد الرحمن: "ما اسمك؟" قال: "تمّام" قال: "وما كنيتك؟" قال: "أبو غالب" قال عبد الرحمن: "الله أكبر فيتم الأمر لنا ونغلب إن شاء الله" –وهذا من باب التفاؤل- وبعدها تحرك من المغرب إلى الأندلس عابرًا البحر وعمره 25 عامًا كي يبدأ مجدًا كبيرًا للإسلام والمسلمين في الأندلس.

    وصل عبد الرحمن الداخل صقر قريش، وخرج بمركب وحده في بحر ذو أمواج شديدة حيث خرج من الساحل المغربي قرب مدينة وجدة في المغرب ولم يطلع عند مدينة سبتة أو مضيق جبل طارق لأن هذه الأماكن مليئة بالعسكر، وطلع عند مدينة ساحلية في إسبانيا تسمى المنكب -حيث يوجد الآن التمثال لعبد الرحمن الداخل- وصل يوم 15 أغسطس سنة 755 ميلاديًا، 138 هجريًا كي يبدأ نصرًا كبيرًا في الأندلس ويظل الإسلام بسببه 750 سنة أخرى في الأندلس.

    الاتحاد
    دخل عبد الرحمن الداخل المنكب وقد نجا بنفسه من الذبح وعمره الآن 25 سنة، ولم ينشغل بحياته الشخصية ولم يبعث لزوجته وابنه، ولكنه فكر في وضع الأندلس وبدأ يتواصل مع العائلات في الجنوب في الأندلس، وبدأ فكرة نتجمع لإعادة المجد للأندلس، حيث يقول المؤرخين أن الأندلس كانت تحتاج لمعجزة كي تقوم ثانية، فقد كان هو المعجزة. فبدأ بلم الشمل وزار آلاف البيوت. وبدأ الأمويين الهاربين من العباسيين يتجمعون في الأندلس تحت قيادة عبد الرحمن الداخل. وكان نصفه الآخر من البربر حيث تنتمى أمه، فبدأ البربر والأمازيغ وأهل المغرب الذين في الأندلس يجتمعون حوله. وهنا يتضح لنا أن فتح الأندلس تم بالعرب والأمازيغ حيث كان موسى بن نصير من العرب وطارق بن زياد من البربر، وأيضًا سيكون الفتح الثانى للأندلس على يد عيد الرحمن الداخل بنفس الاثنين. الأندلس تعنى المغرب العربي فبدون المغرب العربى لا يمكن دخول الأندلس.

    بعد اجتماع الأمويين الهاربين وأيضًا المحبين للأمويين والبربر والأمازيغ حوله قام وبعث رسالة ليوسف الفهرى وهو أخر الولاة المعينيين من جانب الأمويين كاتبًا له: "فلنتجمع من أجل نصرة الأندلس، فلنتجمع من أجل الإبقاء على الأندلس" فعندما قرأ يوسف الفهرى الرسالة رفض التجمع فقد خشى أن لا يكون هو القائد فرد عليه رافضًا، فبعث له مرة ثانية فلنتجمع وثالثة ولكنه لم يرد عليه بل جهز له جيشًا كي يحاربه، فذهب عبد الرحمن الداخل إلى قائد اليمنيين في إشبيلية اسمه أبو الصباح اليحصبي وكان على نزاع مع يوسف الفهرى وعرض عليه أن يتحد معه بل ذهب لبيوت اليمنيين فردًا فردًا ووضع يده في يد 5000 فرد لمبايعته، وحدثت معركة المصارة أو المسارة.

    المعركة والمسامحة
    قبل بدأ المعركة كان عبد الرحمن الداخل يركب حصانًا ضخمًا وعظيمًا، فعندما شاهده اليمنيين قالوا أنهم لو انهزموا في المعركة سيتركهم عبد الرحمن في إشبيلية ويذهب إلي شمال إفريقيا فسمع عبد الرحمن بذلك فذهب لأبى الصباح وقال له: "إننى أجيد الرمى بالسهام وحصانى سريع فلن يساعدنى فخذ حصانى، اركبه وأعطنى بغلتك أركبها" فركب هو البغلة وأبو الصباح ركب الحصان، فأحبه اليمنييون وقالوا هذا رجل يريد الموت من أجل الحق ولا يريد السلطة، ودخلوا المعركة وانتصروا انتصارًا ساحقًا، لأن جيشه أحبه بسبب فعلته وأيضًا لصدقه ولأنه أراد الوحدة. انهزم يوسف الفهرى محاولًا الهرب وأراد اليمنيين ملاحقته، فقال عبد الرحمن الداخل: "لا تتبعوهم، نريد الوحدة، هؤلاء الناس سيكونوا عونًا لنا، لا تقتلوا ناس سيكونوا أصدقاء المستقبل" [عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ.....] {الممتحنة: 7} وهنا نرى عبد الرحمن أنه إنسان ليس بداخله غل ونفسيته سوية رغم أنه رأى أخيه وهو يٌقتل، ودخل قرطبة دون مقاومة لأن يوسف الفهرى انهار وهرب، وبدأت الناس تحاول اقتحام منزل يوسف الفهرى لتأخذ من ثرواته فوقف عبد الرحمن الداخل وأمن زوجته وأولاده وقال لهم: "لقد حدث لى مثل ما حدث لكم ولن أقبل أن يحدث ذلك لكم" واطمئن عليهم وأخذوا ملابسهم وخرجوا بسلام.

    ومن هنا أحب الشعب الأندلسى عبد الرحمن الداخل، وبعدها أعلن أن الأندلس لن تكون تابعة للخلافة وانتهى عصر الولاة وأسمى نفسه بأمير الأندلس كي يبدأ عصر الإمارة، والرؤية في ذلك أنه لم يرى الأمور بجمود وأنه ليس من الضرورى أن يكونوا تابعين للخلافة بل الأهم هو انتصار وعزة المسلمين.

    الدروس المستفادة:
    1. لا تستصغر نفسك فالعالم يتغير بشخص.
    2. لا تكون جامد الفكر فالمهم النصر بما يوازى الزمن الذى نعيش فيه.لأن من لديه جمود سيدوسه الزمن.  

     
  • قصة الاندلس (8) - نهاية عصر الولاه

    قصة الاندلس (8) - نهاية عصر الولاه

    حلقة اليوم تخبرنا كيف أن المسلمين عادةً يهزمون أنفسهم أكثر من هزيمة عدوهم لهم. هناك سببان لهزيمة الأمة بسبب أنفسهم: أولاً: الصراع الداخلي فيما بينهم، وثانيًا: التشدد.

    الصراع الداخلي:

    يقول الله تبارك وتعالى *...وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ...* (آل عمران: 120) ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم "سألتُ ربي ثلاثًا فأعطاني اثنتَين ومنعني واحدةً، سألتُ ربي أن لا يُهلِك أمتي بالسَّنةِ فأعطانيها، وسألتُه أن لا يهلِك أمتي بالغرقِ فأعطانيها، وسألتُه أن لا يجعلَ بأسَهم بينهم فمنَعَنيها" ليس معنى هذا أن الله كتب علينا أن نتصارع بل كتب الله لنا الخير لكن معنى هذا الحديث أنه يجب أن يكون هناك تحدي للأمة إن كانت قادرة على مواجهة الصراع الداخلي فيما بينها أم لا، فهذه الأمة ليست خالية من ارتكاب الأخطاء.

    التشدد:

    ما خير النبي بين أمرين إلا اختار أيسرهما، هناك أكثر من حديث شريف جاء على لسان النبي يذكر فيه التيسير وعدم التشدد لذلك يقول العلماء إذا احترت بين أمرين فاختر أقربهما إلى قلبك. فيقول النبي: "هلك المتنطعون"، ويقول: "إنما بعثت بالحنفية السمحا"، "...يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر..." (البقرة:185)، "المؤمن هين لين سهل"، "لا أحد أحب إليه العذر من الله"، وكلمة "لا جناح عليكم" ذكرت في القرآن 25 مرة ومعناها لا تشديد عليكم، ويقول الله تعالى: " يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ...".

    حدثت الفترة الإنتقالية في الأندلس بسبب حدوث ثلاث مصائب داخل وخارج الأندلس آنذاك، إحداها بسبب التشدد في الدين والسببين الآخرين بسبب الصراع.

    ظهر في المغرب العربي فكر الخوارج، وكان المغرب العربي بعيدًا تمامًا عن هذا الفكر بل كان معتدلا في فكره، وسمي فكر الخوارج بهذا الإسم لأن الأمازيغ في ذلك الوقت خرجوا عن فكر الأمة وعن إجماع العلماء وجمهور المسلمين وخرجوا عن مفهوم السُنة الصحيح ومفهوم الإسلام الصحيح فسميوا بالخوارج. أصل فكر الخوارج تكفير الناس بإرتكابهم الذنوب، أي إذا ارتكب أحدًا ذنبًا ما يكفروه، ومن ثم استحلوا دماء الناس الخارجين عليهم وأخذوا يحاربونهم. الرسول صلى الله عليه وسلم وصفهم وقال في هؤلاء "يخرج قوم من أمتي يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، يحقر أحدكم عبادته إلى عبادتهم، قراءته إلى قرائتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية".

    تقبل أهل المغرب العربي (الأمازيغ) هذا الفكر لوجود ظلمٌ شديدٌ في ذلك الوقت، فالأفكار المتطرفة عادةً لا تنشأ إلا بسبب الظلم الشديد، فكان الولاة الأمويين في ذلك الوقت يظلمون الناس ظلمًا شديدًا. استولى الخوارج على مدينة طنجة بعد أن قتلوا واليها واستولوا على كثير من المدن وقتلوا الكثير واستولوا على المغرب العربي. كان الوالي الأموي في الشام آنذاك هو هشام بن عبد الملك حيث قال: "والله لأغضبن غضبةً عربيةً ولأرسلن لهم جيشًا" أوله عندهم وآخره عندي. ومن هنا بدأ الصراع بين الغضبة العربية وبين الخوارج المغاربة. أرسل هشام بن عبد الملك الجيش بقيادة كلثوم بن عياض وبلج بن بشر ودارت معركة طاحنة وقتل كلثوم وحوصر بلج في مدينة سبتة وهُزِمَ العرب، وقرر الخوارج أن يمتدوا إلى الأندلس ويحاصروها وقاموا بإرسال ثلاثة جيوشٍ إلى الأندلس؛ جيشٌ إلى طليطلة، وجيشٌ إلى قرطبة، وجيشٌ إلى الجزيرة الخضراء.

    كان والي الأندلس في ذلك الوقت هو عبد الله بن قطن الذي لم يقبل مساعدة بلج بن بشر الذي كان محاصر في سبتة واستنجد به ليفك حصاره، ولكنه أرسل لمساعدته أخيرًا بعد فترة طويلة وبعد أن تأكد له معاناة بلج، وانضما لبعضهما البعض واستطاعا معًا القضاء على فكر الخوارج واستعادا المغرب العربي والأندلس.
    بعد هذا الصراع، أصيب الناس بالحيرة في أفكار الدين وقام علماء الأندلس بحملة في الأندلس لتعليم الناس مفهوم الدين الصحيح بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم حيث أدى العلماء دورًا رائعًا بتوعية الناس بدينهم الصحيح وذلك بالاحتكام للرسول في كل الأمور التي كانوا محتارين فيها.

    هناك مشكلة أخرى حدثت خلال هذه الفترة الإنتقالية ونشأت من داخل الأندلس وهي أنه كان من ضمن سكانها عرب يمنيون وعرب وحجازيون فتقاتلوا لأنهم اختلفوا وحدثت بينهم صراعات رهيبة ووصل بهم الحال أن إلى أن اختلفوا من يتولى الحكم، فاقترح عليهم العقلاء أن يحكم الحجازيون عامًا ويحكم اليمنيون عامًا آخر، وبدأوا الحجازيون بالحكم العام الأول بعد أن اختلفوا من سيبدأ في الحكم. وفي الوقت الذي يختلف ويتصارع فيه مسلمو الأندلس، كانت هناك بلدة صغيرة وهي "ليون" تقوي من نفسها وهي منطقة الصخرة التي سيخرج منها فيما بعد من سيكونون السبب في القضاء على زمن المسلمين في الأندلس، وذلك بسببنا نحن المسلمين وبسبب اختلافاتنا وتصارعنا الداخلي.

    الفتنة الثالثة التي حدثت خلال هذه الفترة الإنتقالية هي سقوط الحكم الأموي، فقد مات هشام بن عبد الملك وتدهورت من بعده الأمور وتولى الولاية مروان بن محمد الذي انتهت على يده الخلافة الأموية ومن بعد ذلك بدأت فترة الخلافة العباسية. أنشغل العباسيون بمشاكلهم العديدة في العالم الإسلامي ولم يهتموا بالأندلس مما أدى إلى حيرة الأندلسيين في أمور كثيرة وبدأت تضعف الدولة.

    ويمكننا الإستفادة من هذه التجربة بأنه عندما نمر بأوقات ضعف هناك ثلاث أشياء يمكننا القيام بها؛ أولاً، يجب أن يقوم العلماء بتوعية الناس وبنشر الكلمة الطيبة والتوعية السليمة، ثانيًا، بث الأمل في الناس لأن الخير قادم لا محالة، ثالثًا، ظهور قائد قوي، وهذا ما سنتحدث عنه في الحلقة القادمة بمشيئة الله.

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

  • قصة الأندلس (7) - بلاط الشهداء

     

    قصة الأندلس (7) - بلاط الشهداء

    قصة الأندلس هي قصة الماضي الحاضر، أي قصة الماضي بعيون اليوم، فهي مرآة الماضي ورؤية الحاضر، وتشابك الأحداث يجعلني أحياناً أفكر في عدم سرد بعض الأحداث حتى لا نفقد المصداقية لأنها تتشابه كثيراً مع الأحداث الآن.

    عدم التعايش يؤدي إلى الفشل

    تم تغيير عدد كبير من الولاة في فترة قصيرة، فبعد أن توافد العديد من الولاة على الأندلس، ففي عام مائة وثلاث عشرة هجريًا كان الوالي هو الهيثم بن عبيد الذي استمر حكمه عامين لم يُحقق خلالهما أي نجاح، والسبب أنه لم يتفهم التركيبة الخاصة للأندلس، فهي أشبه بمُركب كيميائي دقيق حيث يشتمل هذا المُركب على سبعة أعراق أو أطراف:

    1. عرب مسلمين، أمازيغ مسلمين (وهؤلاء ممن عبروا من المغرب العربي مع طارق بن زياد)
    2. جيل الموُلِدين وهم من العرب أو الأمازيغ المسلمين ممن تزوجوا من الإسبان وكانوا بمثابة الجيل الناتج عن تزاوج هذه الفئات
    3. الإسبان المسيحيين
    4. الإسبان الذين أسلموا
    5. اليهود
    6. القبائل الإفريقية والقبائل العربية وبعضها من اليمن ومن المعروف انتشار اليمنيين في ربوع الأرض واثبات ذاتهم
    7. بعض القبائل العربية والمغربية التي هاجرت للأندلس واستقرت كل واحدةٍ منهم في مكان وأصبحت تملكه

     

    تلك هي الأعراق السبع التي يجب أن تُكفَل لها الاحترام والحقوق الكاملة وهذا هو مبدأ التعايش الذي سنعاود الحديث عنه وهو يتكون من ثلاثة مبادئ:

    1- القبول التام لهم جميعاً
    2- توافر الاحترام
    3- التعاون التام

    والتعاون هو مبدأ مشاركة الجميع دون إقصاء، وقد انتهج الهيثم بن عبيد مبدأ الإقصاء أثناء فترة ولايته، فقد كان عنصرياً للعرب بشدة، بمعنى أن كل شئ للعرب فقط: فقد كان بالجيوش عناصر من البربر والأمازيغ والإسبان وأيضاً من الجيل الثاني ولكنه قام بتغيير ذلك وأصبحت الجيوش وقادتها من العرب فقط، ثم قام بسحب الكنائس من المسيحيين، وأخذ الأراضي من الإسبان بالقوة ومنحها للعرب، وقد تبدلت الأحوال بالأندلس في عهده والتي كانت كمزيج تم إعداده ليصنع أعظم الحضارات ولكنه لم يحقق أي نجاح لا سيما في بداية دخول المسلمين للأندلس، فتم عزله.

    التعايش...

    كان لابد ممن يخلفه أن يكون مؤمناً بمبدأ التعايش وهو عبد الرحمن الغافقي أصوله يمنية ولكنه عاش لفترة بالشام ثم المغرب وأخيراً بالأندلس، وقد كان يعلم الكثير عن أمور الدنيا، فهو من الأتقياء الذين كانت تربيتهم على أيدي الصحابة وتحديداً عبد الله بن عُمر بن الخطاب.
    قام برواية ثلاثة من الأحاديث عنه ومنهم هذا الحديث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وقام بتطبيق هذا الحديث بالأندلس، وقد تفهم جيداً معنى كلمة أخيه، فهي لا تعني أخيه المسلم فقط ولكن أخيه الإنسان. توالت أعماله وجاءت على العكس تماماً ممن سبقه، فرد الكنائس للنصارى وأعاد الأراضي للإسبان وعمل على تولية قيادة الجيوش للأمازيغ مرة أخرى، وأقام دار الحكمة وكانت تضم: مسلمون، وإسبان، وأمازيغ ويهود وكان يود اجتماع كل الأطياف للتفكير سوياً بمستقبل الأندلس، وهذا نتيجةً لحديث تعلمه من عبد لله بن عُمر.
    الحديث الثاني، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الناس سواسية كأسنان المشط ليس لعربي فضل على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى" وللأـسف يتسم العرب بقدر من العنصرية ويجب تقويمها ويجب أن نتعلم معنى العطاء، لا أود إلقاء الاتهامات ولكنني على يقين أن ما أن بدأ عبد الرحمن الغافقي في إرساء مثل هذه الأسس إلا وتبدلت الأوضاع بالأندلس، وأعاد لها المركب الكيميائي التي تكونت منه: سبعة أجناس!!! أعاد الأمور إلى نصابها كما ستعود بلادنا أيضاً يوم أن نسوي بين الناس ونؤمن أن التعايش هو الحل الأمثل لبلادنا ونبتعد عن مفهوم الإقصاء.
    إن عبد الرحمن الغافقي لرجلٍ عظيم بحق، وهو من اليمن وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "الحكمة يمانية والإيمان يماني" فكانت طبيعته تتصف بالحكمة. فقد عمل على توحيد المسلمين وإدارة شئون الأندلس باقتدار، ثم بدأ يستشعر القوة التي يتمتع بها إلى أن ارتكب خطأً كبيراً.

    الخطأ الكبير

    بدأ شارل مارتيل ملك فرنسا في التجهيز للجيوش على حدود الأندلس فسارع عبد الرحمن الغافقي بالاستعداد لمواجهة هذه الجيوش وعمل بالفعل على إعداد الجيوش وبها الأمازيغ والمعادلة الخاصة به التي تضم كافة الأطياف، وقد اتجه من قرطبة لردعهم حمايةً للحدود وبدأ ببوردو بفرنسا واحتلها ثم وصل إلى بواتيه وكانت المسافة إلى باريس مائتي وخمسة وتسعين كيلو متر، ولكن عبد الرحمن لم يكتفي بما وصل إليه وكان يود المضي قدماً في طريقه بعد أن أصابته نشوة النصر دون التفكير ببعض الأمور الحربية والسياسية أيضاً. فلم يفكر هل أعد العُدة لهذه المعركة أم لا، فقد قطع مسافة 1000 كم من قرطبة وحتى بواتيه، ولنذكر أولاً أن جيشه كان يضم 50،000 من المحاربين أي إذا تحقق له النصر فسيكتب بذلك النهاية لأوروبا وتكون تحت إمرة المسلمين، ولكن هل من المنطقي أن يحدث ذلك؟ فبالتأكيد كانت أوروبا ستعمل على توحيد جيوشها ضد المسلمين الذين يبلغ عددهم خمسين ألفاً فقط.
    بالإضافة إلى أنه غفل عن أحد قوانين المولى عز وجل في الكون وهو أهمية وجود عدة قوى، فلو شاء سبحانه لجعلها قوة واحدة فقط، قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) (هود:118) وهذا هو ما جعل الوليد بن عبد الملك يأمر بتوقف موسى بن نصير وطارق بن زياد عن المضي في فتوحاتهم لأنه كان يدرك المعنى وراء هذ القانون، فقانون الله في الأرض هو التنوع في القوى والقوة التي تريد فرض السيطرة وإقصاء القوى الأخرى لا تتفق مع النواميس التي وضعها الله في الكون، وكان هذا هو الدرب الذي يسير عليه عبد الرحمن الغافقي ونتيجةً لذلك لم يتحقق له النصر في هذه المعركة وهي معركة بلاط الشهداء.

    معركة بلاط الشهداء

    مازال الغافقي على رأس جيشه يود التوغل أكثر لفتح فرنسا ومن بعدها أوروبا ولكن عدد الجيش لن يكفي للقيام بذلك بالإضافة إلى اتحاد أوروبا جميعها ضد عبد الرحمن وعدم تمام استعداده لمثل هذه المعركة. وصل عبد الرحمن إلى أرض واسعة منبسطة وكانت هذه هي أحد أخطائه التي حاول أن يجتنبها طارق بن زياد عند اختياره لمساحة ضيقة من الأرض، بينما عبد الرحمن اختار مساحة شاسعة ووصل عدد جيش شارل مارتيل إلى 400 أربعمائة ألف من الجنود وهي المعلومة التي كان يجهلها عبد الرحمن وهذا العدد نتاج لاتحاد أوروبا رغم الصراع القائم بين دولها. جاءت هذه الأعداد من ألمانيا، الشمال، السويد، الدانمارك وفرنسا وهي جميعها تحت قيادة شارل مارتيل. فعبد الرحمن جعلهم الآن في موقف لا يُحسدون عليه فهذه المعركة حاسمة في تاريخ أوروبا.
    ولكن المسلمين انتصروا في بوردو، وتورو، ولا بواتيه وحصلوا منها جميعها على الغنائم، وكل جندي منهم يحمل بعضاً من هذه الغنائم ولكن هذه المعركة لم تعد خالصة لوجه الله تعالى ومن الجائز وضوح الهدف لعبد الرحمن ولكن ليس على هذا النحو بالنسبة للجنود، فمن الصعب أن تقوم بتحريك دولة بأكملها دون شرح الأسباب للناس بغض النظر عن سمو الهدف وكأنك تتحدث مع ذاتك.
    بدأ الجميع البحث عن الغنائم وكانت هناك بعض العصبيات على الرغم من جهود عبد الرحمن المبذولة في توحيدهم ورد العديد من المظالم، وبدأ كل منهم يزهو بجنسيته، فمنهم العربي والأمازيغي واليمني، وهذه هي المشكلة الرئيسية التي نواجهها دائماً وتؤدي إلى السقوط. بدأت المعركة التي امتدت لتسعة أيام في عام مائة وثلاث عشرة هجرياً، خمسون ألف في مجابهة أربعمائة ألف في أرض واسعة ينقصها التخطيط الجيد ويستطيع الطرف الأخر المهاجمة بسهولة. وجاء اليوم التاسع للمعركة وهو يُذكرني بغزوة أُحد حيث داهمت مجموعة من فرسان الفرنجة معسكر الغنائم وبدأوا بالإستيلاء عليها، فصاح أحد المسلمين: "الغنائم، الغنائم" فتنبه الجنود إلى أن الغنائم الخاصة بهم تتعرض للنهب وبعد التردد الذي أصابهم في اختيار الانسحاب من المعركة وملاحقة الغنائم، قرروا العودة للحصول على الغنائم ومن ثَم لم تعُد هناك قوة تحمي جيش المسلمين الذي تم إبادة 40،000 من قواته نقلاً عن بعض الروايات، ومن هنا جاءت تسميتها ببلاط الشهداء والتي لم يبق منهم سوى 10،000 وهم من قرروا العودة.
    نحن لم نتعلم الدروس المستفادة من غزوة أُحد حيث حدث فيها عصيان الرماة لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم وسعيهم للفوز بالغنائم وكانت النتيجة هزيمة للمسلمين وهي ذات النتيجة لبلاط الشهداء، والمعنى واحد إذا أصبحت الدنيا أكبر همنا ونسينا النوايا العظيمة لإصلاح الأرض وإرضاء الله عز وجل، فلابد من مواجهة بعض الانتكاسات في الطريق.
    عاد جيش المسلمين بعد كارثة الهزيمة والتي كانت المرة الأولى التي تتعلم منها أوروبا معنى الوحدة، كانت بداية تكوين فريق يُدعى فرسان المعبد ممن سيشتركون لاحقاً في الحروب الصليبية، والخطأ التاريخي هو أننا حاولنا فرض هيمنتنا على العالم بينما الخالق سبحانه وتعالى لم يخلقه بهذه الصورة وكما جاء في كتابه الكريم قوله تعالى: (...وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا...) (الحجرات:13).
    تبين لما القصة بعض المعاني مثل: التعايش والإقصاء، السيطرة وقبول الأخر، وكيفية الهجوم واسترداد الأرض مع رد الإعتداء مع أهمية ترك مساحات للطرف الأخر، وهو أسلوب للتفكير في الحياة نستقيه من قصة الأندلس.
    قُتل عبد الرحمن الغافقي وهو من الرجال العظام، ولكننا لدينا نقص ببعض المصادر التاريخية مما يجعل سرد تفاصيل هذه المعركة والمكان المُحدد لها من الأمور الصعبة وذلك لرفض المسلمين التحدث بشأنها لأنها انتهت بهزيمتم، وقد استقينا المعلومات عنها من المصادر الغربية فقط، بينما قام المسلمون بسرد تفاصيل معركة أُحد مما يُعد من الأمانة عند عرض التاريخ، كما ذكر القرآن أيضاً أخطاء هذه المعركة، وكان لزاماً أن نذكر أيضاً أخطاء معركة بلاط الشهداء والتي تحدث عنها الغرب وأسهب في وصف الانتصار التاريخي الذي تحقق ولهذا لا يتوافر لدينا المصادر الدقيقة لها.
    كادت الأندلس أن تقترب من نهايتها بعد عودة المسلمين فقد انتهى أمر الجيش الإسلامي وقُتل قائده وكان بإمكان شارل مارتيل الاستعانة بجيوشه التي تبلغ 400،000 من الجنود ودخول الأندلس وإخراج المسلمين منها، ولكن هذا لم يحدث وسيظل المسلمون بالأندلس 700 سبعمائة عام أخرى.

    بقاء الحكم الإسلامي في الأندلس

    بقي المسلمون في الأندلس لسببين: أولهما، ظهور أحد القادة العظماء يُدعى عبد الرحمن الداخل، صقر قريش وهو رجل واحد لا يُستهان به وبدأ على الفور في الإصلاح، ولذلك يجب أن نثق أن شخصاً واحداً فقط يملك القدرة على تغيير العالم. السبب الثاني: كان الذكاء الذي يتمتع به شارل مارتيل في رفضه الدخول قبل أن يطمئن على أوضاع المجتمع الذي يسعى لمحاربته، فهل المسلمون من الضعف بمكان بحيث يمكن هزيمتهم مثل ما حدث في السابق أم أنهم ثابتون كمجتمع وليس كجيش؟ فأمر الجواسيس التابعة له بالبحث حول أربعة أشياء، أحوال كلٍ من: الشباب والتجار والمرأة والعلم. بعد قيامهم بمهمتهم عادوا إليه بهذه النتائج:

    · الشباب: يشغله وضع وتصويب السهام وكيفية إصابتها للهدف
    · النساء: يكتبن المصاحف بالخط الكوفي ويقمن بتعليم الكتابة للناس
    · التجار: يتسمون بالأمانة والصدق
    · العلم: لم نجد فيهم أمياً واحداً فكلهم يجيدوا القراءة والكتابة: فهي أمة تتعلم وتُعلِم.

    فصمت برهة ثم قال: "لا نقدر أن نغزوهم الآن ولكن إن تغيروا غزوناهم". وقد كان، فنحن تغيرنا بالفعل ومن الجائز أن يكون الخطأ من الساسة أو يكون الجيش ضعيفاً لكن لن يقدر أحد على مواجهة مجتمع قوي متماسك.
    تُوفي شارل مارتيل وبعد عدة قرون أرسلوا جواسيسهم مرة أخرى حيث وجدوا الشباب يبكي لأمور غير ذات قيمة مثل هجر الأحبة لهم وعدم رغبتهم في القيام بشئ، التجار يقومون بالغش وإعطاء الوعود غير الصادقة، أما المرأة فتهتم بالزينة والحلي وفقدت اهتمامها بكل الأمور الأخرى، والعلم أصبح بلا قيمة، فقالوا:" الآن نغزوهم".
     
     
     
    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

  • قصة الأندلس (6) - عصر الولاه
    قصة الأندلس (6) - عصر الولاه

     

    قرطبة...
    قبل أن نبدأ، أخبركم أني أحدثكم من قرطبة، وعندما أتكلم عن قرطبة فأنا أتكلم عن عاصمة الأندلس لخمسمائة سنة، ليس الأندلس، بل عاصمة أوروبا، عاصمة العالم، لأنها كانت أقوى مدينة في أوروبا وعاصمة عالمية في القرون الوسطى لمدة خمسمائة سنة. فهناك في قرطبة قنطرة قرطبة الواصلة ما بين غرناطة وما بين الجنوب إلى إشبيلية تصلهم بقرطبة، وأيضاً بها مسجد قرطبة الكبير وهو أكبر مسجد في الأندلس وربما في العالم كله، فهو يقع على مساحة خمسة أفدنة. وليس هذا فحسب؛ فكل علماء القرون الوسطى أتوا من قرطبة، أي من عند المسلمين. تُعتبر هذه المدينة أكبر دعاية للإسلام، في الماضي وليس في الحاضر بالطبع.
    بداية عصر الولاة..
    نبدأ حديثنا من سنة 95 حيث سيبدأ عصر جديد هو عصر الولاة، أي الوالي الذي يتبع الحاكم الموجود في بلد آخر وهو الخليفة الأموي، فقد كان الخلفاء الأمويون هم الذين يديرون الخلافة الإسلامية من الشام، وستظل الأندلس تابعة لولاية الأمويين 42 سنة تبدأ من سنة 95 هجرية وحتى 138 هجرية وبعدها ستنفصل الأندلس عن أي خلافة وستصبح إمارة مستقلة على يد إنسان عظيم جدًا وهو عبد الرحمن الداخل.
    أول والٍ حكم الأندلس في عصر الولاة هو عبد العزيز بن موسى بن نصير، ابن موسى نصير فاتح الأندلس، لقد كان هذا الأمر وفاء لأبيه ولكنه أيضًا لم يكن مجاملة، فهو يستحق، فقد كان عبد العزيز مرافقًا لأبيه من قبل أن يأتي موسى بن نصير إلى الأندلس. أتعرفون كلمة الأب الصديق؟ لقد كانا هكذا، فلما مات الأب لم يجد سليمان بن عبد الملك الخليفة شخصًا أعظم من ابن موسى بن نصير كي يعينه، نستفيد نحن من هذا الأمر علاقة الأب الصديق، وهناك أمر آخر؛ فعندما يكون هناك شخص مخلص لله لابد أن يكافئه الله سبحانه وتعالى في ابنه، [..وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا..] {الكهف:82}.
    منهج التغيير
    كان منهج عبد العزيز بن موسى بن نصير في قيادة الأندلس هو التغيير، وقد كان عبقريًا، فقد كانت المرحلة السابقة له مرحلة الفتح أي معارك وجيوش وخيول وسيوف ودروع ورماح، ولكن قال عبد العزيز انتهت معركة السيوف ولتبدأ معركة القلوب، إنه لا يهدف من التقليل من شأن أبيه ولكن ليس معنى أنه قدوة له أن يقلده تقليدًا أعمى ولكن المرحلة تغيرت وانتهى الفتح، فإياكم والجمود، فهذه المرحلة ليست مرحلة العساكر والعسكر، بل مرحلة المجتمع والتعامل مع المجتمع المدني وجمع القلوب والتعايش.
    سيقوم عبد العزيز بتحبيب أهل الأندلس في المسلمين، فأول شيء أنه عبر من قرطبة وجاء إلى الناحية الثانية وبدأ ينتقل بين كل المدن الصغيرة ومضى مع أهاليها معاهدة مع أنه هو المنتصر، وقال لهم: "بذمة الله ورسوله وميثاق الله ورسوله أءمنكم على كنائسكـم، أءمنكم على نسائكم وأولادكم، أءمنكم على مزارعكم" ويكرر الأمر بنفسه في القرى التالية. ثم فعل شيئا أقوى، فقد تزوج بأرملة لوذريق، قائد القوط الذي حارب المسلمين فهزمه ثم مات! لقد تزوج بأرملته لذلك لاقى الكثير من اللوم من الناس، فرد وقال ألم يقل الله تعالى أن نتزوج: [...وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ..] {المائدة:5} فقالوا له أن أباه لم يفعل هذا فقال لهم أن أباه فاتح الأراضي أما هو ففاتح القلوب، ثم أرسل له سليمان بن عبد الملك خطابا وقال: "أأعجبتك نساء العجم من أول يوم؟" فرد عليه وقال: "نعم أعجبتني ولكن يا أمير المؤمنين أهل هذ البلد إذا لم يختلطو بالمسلمين ونتزاوج منهم لن بستقر لنا مقام في هذا البلد، دعني أتعامل مع القلوب". لقد كان لهذا الرجل رؤية بعيدة فبدون هذا الأمر لخرج المسلمون من الأندلس.
    ولم يعرف أحد هل أسلمت المرأة أم لا. إن هذا الأمر شجع المسلمين على أن يتزوجوا مثله وكانت النتيجة أن خرج جيل ثان اسمه المولِدين، أبوه مسلم عربي أو مسلم أمازيغي وأمه إسبانية، وهؤلاء الأبناء إما أصبحوا مسلمين أو أحبوا المسلمين، فانتشر الإسلام واستقر.
    سؤال هام، لماذا لم يثور أهل هذا البلد، فالعرب والمسلمين لم يتخطوا الثلاثين ألفًا وهذا البلد متسع؟ لم يثوروا بسبب المعاملة الحسنة والتعايش الذي حققه المسلمين ولأنه [لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ..] {البقرة:256} ولأنهم تزوجوا من بعض. ولسبب آخر، أنه لا بديل غيرهم، فكان الناس عقلاء وصبروا على المسلمين خاصة بسبب المعاملة الحسنة.
    التغلب على المشكلات
    إن عصر الولاة دام لمدة 42 سنة بدأ بعبد العزيز بن موسى بن نصير، ولكن كانت هناك مشكلة كبيرة في عصر الولاة ولم يكن كل شيء مثالي، فهي قصة مليئة بالنجاحات وبالآلام وبالأحزان، لقد حكم الأندلس في هذه الفترة 22 والي وهو عدد كبير وهو أمر في منتهى الاضطراب وذلك نتيجة خلافات داخلية أو بسبب تغير الولاة من قبل الخليفة وكل ذلك كان يشكل نقطة ضعف من البداية أغلبها بسبب صراعات عربية عربية.
    كل هذا جعل شيئًا مهمًا يحدث وهو أن المسلمين عندما أتوا وكانت العاصمة هي طليطلة -توليدو الآن- بجوار مدريد في وسط إسبانيا لم يشعروا بالراحة فيها لأنها بجوار الشمال، بجوار الفرنجة وفرنسا، مما يدل على بعض القلق من قبل المسلمين فأحبوا أن يجعلو العاصمة في الجنوب. ففي البداية جعلها عبد العزيز بن موسى بن نصير في إشبيلية، ثم جعلها الولاة في قرطبة وظلت هناك خمسمائة سنة لأنها بجوار البحر المتوسط أي بجوار المغرب العربي مكان الإمدادات، وكل هذا يرينا كيف كانت تسير الأمور رغم خطوات التعايش.
    قنطرة قرطبة.. الاقتصاد قبل التغيير..
    من أهم الولاة والٍ اسمه السمح بن مالك، كان عمر بن عبد العزيز هو من عينه، لم يكن مع السمح بن مالك الكثير من المال وعندما تولى قرطبة وجدها بحاجة إلى أمرين؛ سور يؤمن المدينة كي يطمئن الجنود من أي هجوم خارجي، وقنطرة -كوبري- تصل بين قرطبة وبين المناطق التي تسمى الربد وتصلها بغرناطة وإشبيلية والمدن الأخرى، فأرسل لعمر بن عبد العزيز يقول له إما أن يبني الأسوار وإما أن يبني القنطرة، فرد عليه عمر بن عبد العزيز بمت هو أفضل لمعيشة الناس، فقال: "إذا بنيت الأسوار أمنت جند العرب والمسلمين، أما إذا بنيت القنطرة أمنت معيشة الناس، فإذا أمنت معيشة الناس أمنوك هم". فبنيت القنطرة. إن هذه القنطرة شاهدة على طريقة تفكير المسلمين في الأندلس، كما أن بناءها أدى إلى نشاط التجارة.
    قام أيضًا السمح بن مالك ببناء طواحين الماء على ضفاف النهر، فعندما تتدفق المياه كي تولد طاقة تقوم بطحن الحبوب بدلًا من أن يلف الحصان أو الناقة في ساقية وترتفع التكلفة، فكانت هذه الطواحين فكرة جديدة لا يعرفها أحد. ومن يومها وقرطبة إلى أعلى والمال في ازدياد وقرطبة هي التي تبعث الأكل والتجارة والبضائع لكل أوروبا. لقد بدأ الولاة أيضًا بإدخال زراعات جديدة فازدهرت التجارة والاقتصاد بشدة فبدأ الناس يزرعون بكميات كبيرة وبدأ السكان يحبوا المسلمين ويحترموهم ويشعروا بفائدة المسلمين، وأن حياتهم أصبحت أفضل، ومع التزاوج ومع لا إكراه في الدين أحب أهل البلد الإسلام، ومع نشأة الجيل الجديد المسمى المولدين وهو إسم مهم جدًا لأنهم هم من سيشئون الجيل الثاني بدأ الإسلام يكون طبيعيًا.
    إبراهيم الطرطوشي..
    لقد كان إبراهيم الطرطوشي مبعوث أمير المؤمنين بعد عصر الولاة بمدة طويلة متجه في سفينة إلى ميناء بوردو، وكانت محملة بالكثير من بضائع الأندلس التي ستباع في فرنسا وأوروبا، لقد كان ذاهبًا برسالة من الخليفة ليهنئ إمبراطور الرومان بزواج ابنه من ابنة قيصر اليونان، وبالفعل بلغ الرسالة كمبعوث من أمير المؤمنين، وبعدها أحب أن يتمشى في السوق فكانت المفاجأة، لقد وجد أن العملات التي كان الناس يتعاملون بها في فرنسا عملات عربية مكتوب عليها بالخط الكوفي، ثم وجد أنه كلما انتقل من مكان إلى آخر وجد المنتجات فيه من بلاد العرب والمسلمين والأندلس، ثم بعدها وجد الكنيسة وبها الشموع والبخور قادمون من العالم العربي، فاندهش جدًا، ولكن بعدها عاد للأندلس ليجد مفاجاة أكبر وهي أن ابن الامبراطور الروماني الذي تزوج يدرس في قرطبة، يتعلم اللغة العربية كي يدرس العلوم كي يعود مسلحًا بالعلم من أعظم جامعات الدنيا في قرطبة.

    فبالعلم والحضارة وقف المسلمين، بالتعايش وعدم الإكراه نجح المسلمين.

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

  • قصة الأندلس (5) - توقف الفتح

     

     

    قصة الأندلس (5) - توقف الفتح
    الطاقة الإيمانية
    ظلت طليطلة عاصمة لشبه جزيرة أيبيريا لما يقارب الخمسمائة عام حتى افتتحها المسلمون، وهي مدينة عريقة وحصينة. شعور جميل أن تتواجد في مكان توجد فيه الحصون والقلاع التي بناها المسلمون منذ مئات السنين والتي تعمل على حماية المدينة حتى وقتنا هذا، وتعد مزارًا سياحيًا لمختلف الجنسيات. فإل الآن توجد الأسوار التي بناها موسى بن نصير وطارق بن زياد لحماية مدخل طليطلة، والقنطرة التي بناها المسلمون فور افتتاحهم للمدينة وأوصلوها بالمزارع والحقول من حولها كوسيلة لتحريك الزراعة والتجارة. حيث لم يقف افتتاح المسلمون على المعركة العسكرية، بل أتوا لبناء حضارة.

    تقام العزة والحضارة على أيدي المؤمنين، أيًا كان إيمانهم، ففي كل أنحاء العالم الأيمان هو المولد للطاقة التي تصنع النجاح على مستوى الأمم والأفراد، الإيمان بشىء معين. فهل يا تري إيماننا نحن بالله يمنحنا هذه الطاقة؟ وأنا أوجه كلامي للمصلين الساجدين لله وقارئى القرآن، هل يتحول إيمانك هذا إلى طاقة؟ هل تتحول عدد الركعات التي تصليها إلى وحدات طاقة إلى فولتات تقوى قدراتك؟ وسؤالي هذا وثيق الصلة بقصة الأندلس. فأنا أستحث كل فرد أن يقرأ هذه الكلمات وأن ينظر لقرآنه ولصلاته تلك النظرة، أنك تستمد قدرات هائلة من الطاقة لتؤدي إلى نجاحك في الحياة. هذه هي الطريقة التي أرجوكم أن تنظروا بها إلى إيمانكم.

    بداية الفتح
    تحدثنا عن إنتصار طارق بن زياد في معركة خرافية هي معركة برباط، وهي معجزة بكل المقاييس. فالمسلمون عددهم إثنا عشر ألفًا، والفريق الآخر قوامه مائة ألف. استطاع طارق أن يصمم خطة رائعة حقًا ليضيق المسافة التي يهاجم منها الأعداء، ويجعل الجبل عن يمينه، والبحيرة عن يساره لتجنب العدد الضخم للأعداء، لكن في النهاية هناك طاقة إيمانية هي التي توجت انتصار المسلمين فى الثامن والعشرين من رمضان في معركة برباط، والتي انتصر فيها المسلمون وسقط بها ثلاثة آلاف شهيد من جانب المسلمين، ليصبح عددهم تسعة آلاف جندي.

    الآن بعد الانتصار، طارق في انتظار الأوامر القادمة من موسى بن نصير، الذي لم يعبر بعد للأندلس وكان لا يزال في شبه جزيرة سبتة لحماية ظهر جيش طارق في المعركة. كانت أوامر موسى بن نصير لطارق بعد انتصاره ألا يتقدم خشية أن يكشف ظهره للأعداء، إلا أن طارق بن زياد لم ترق له وجهة نظر موسى، وانطلق إلى الشمال عاصيًا الأوامر العسكرية لقائده موسى. ورغم غضب موسي إلا أن طارق واصل تقدمه حتى إشبيلية وقرطبة بل وانطلق إلى عاصمة القوط "طليطلة".

    تقع طليطلة فى الشمال على بعد خمسة وستين كيلو من كبريت. إسمها الحالي توليدو، وكانت العاصمة في العديد من العصور كعهد الرومان، والقوط. ولكونها العاصمة فقد كانت غاية فى التحصين، حولها نهر التاجو من ثلاث جهات، ومن بعد النهر تحوطها الجبال، مما جعل اقتحامها غاية في الصعوبة، بالإضافة إلى حصون المدينة في حد ذاتها ولهذا لم يتم اقتحامها من قبل على مدار التاريخ. مما جعل أمر دخول طارق إلى المدينة شبه مستحيل خاصة أن جيشه يقارب التسع آلاف الآن وأنه لم ينتظر موسى لينضم إليه بقواته.

    تجاهل طارق كل رسائل موسى إليه والتي يدعوه فيها للتوقف والانتظار. والأمور التي دفعت طارق لإتخاذ هذا القرار هو أن لودريق قائد القوت كان قد ارتكب خطأ فادح، هو أنه لم يقسم جيشه بل انطلق بجيشه كله لمحاربة طارق بن زياد. وبالتالي، بعد انتصار طارق لم يعد هناك جيش يعتد به من الأساس، بالإضافة إلى إختفاء لودرق، والذي اختلفت الروايات عما إذا كان إختفاؤه بسبب مقتله في المعركة، أو انتحاره، أو هروبه. كما أن قادة جيوشه ماتوا جميعًا. فأدرك طارق أن الطريق ممهد أمامه الآن، وأنه إن لم يهاجم المدينة الآن فربما لن يستطيع دخولها مرة أخرى. وبالفعل، هذه المدينة لم يستطع أحد اقتحامها على مر التاريخ إلا مرتين، والمرتان عن طريق المفاجأة. المرة الأولى هي التي قام بها طارق بن زياد، والمرة الثانية حينما تم استردادها من المسلمين بعد أربعمائة عام. فهذه المدينة الحصينة هي مفتاح الأندلس، من يملكها فقد ملك الأندلس، لذا فقد أدرك المسلمون حين فقدوها بعد أرعمائة عام، أنهم خارجون لا محالة من الأندلس.

    فتح طليطلة
    لهذه الأسباب لم يجد طارق بدًا من الانطلاق نحو طليطلة، واضطر لعصيان قائده موسى. وفي هذا الوقت لم يكن القوت قد نما إلى علمهم نبأ اختفاء قائدهم لودريق، ولم تسنح لهم الفرصة بعد لإعادة تجميع أنفسهم، لذا استطاع طارق دخول المدينة عبر الأسوار، وامتلك المدينة اعتمادًا على عنصر المفاجأة، فكان انتصاره الأول بالخطة البارعة، وانتصاره الثاني بمفاجأة أعدائه. وهذا لا ينبع إلا من إيمان قوي نتجت عنه معجزة فى مجال المعارك العسكرية وهي أن يفتتح كل هذا الأرض الفسيحة بتسعة ألاف مقاتل فقط.

    ما بعد طليطلة
    بعد افتتاح طليطلة، استمر طارق في تقدمه إلى الشمال، ليصل إلى ليون، راغباً في التقدم إلى فرنسا. إلا أن موسى أمره أن يبقى في طليطلة وألا يتقدم. ووصل موسى بجيشه إلى طليطلة، وعنف طارق على مخالفته للأوامر العسكرية إلا أنه بين له الدوافع والأسباب التي من أجلها اضطر لذلك، وبالفعل اقتنع موسى بهذا فهو قد وجد الطريق خاليًا من أي اعتراضات من قبل الأعداء، وأيقن حينها أن طارق أحسن التصرف بانطلاقه إلى طليطلة، واعترف له بخطأ تقديره وهنأه بالنصر. ونسب موسى النصر لطارق، رغم أنه كان من الممكن أن ينسب إلى موسى بن نصير باعتباره القائد الأعلى. وهذه علامة الإخلاص ونسب الفضل لأصحابه، بلا غيرة وبلا حسد. قارنوا هذا بما يحدث الآن في بلادنا، وكيف أنه لو حقق أحدهم نجاحًا، كيف يسعى آخر أن يطفىء هذا النجاح، وكأنه لن يستطيع أن ينجح إلا إذا أطفأ نجاح الآخرين، وبدلاً من أن ينير شمعته وسط شموع الآخرين، إلا أنه يأبى إلا أن يطفىء أنوار الآخرين لكي يضىء هو وحده.

    ولا يزال اسم طارق بن زياد على العديد من الأماكن هناك حتى الآن كجبل طارق. ولم يكتف موسى بذلك بل أمد جيش طارق بثمانية عشر ألفاً من الجنود، وهؤلاء من أهل المغرب العربي تطوعوا لجيش موسى بن نصير فور علمهم بفتح المسلمين، وهذا كان أحد أسباب تأخر وصول موسى إلى طارق، فقد كان موسى حريصاً على تجميع أكبر عدد من الجنود لحماية ظهر جيش طارق.

    بانضمام هذا العدد إلى جيش طارق، انطلق مع موسى فوصلا حتى برشلونة. وتم فتح الأندلس في ثلاث سنوات فقط ( 92هـ -95ه) بجيش كانت بدايتها تسعة آلاف جندي، وهذه معجزة في حد ذاتها.

    الحلم العظيم
    في ظل هذا النصر الرائع والإنجاز والإيمان، عمل موسى وطارق معًا على تحصين مدينة طليطلة تماماً، وقاموا بإنشاء مسجد في مدينة سرقسطة، وأرسل ابنه عبد العزيز بن موسى بن نصير بجزء من الجيش إلى البرتغال ففتحوها. استمرت فتوحات موسى وطارق حتى الشمال الغربي فيما يعرف بمنطقة الصخرة، وكلما تقدموا تراجعت وفرت من أمامهم فلول جيوش القوط. وبالحس العسكري أصر موسى على فتح منطقة الصخرة إدراكاً منه أنها لو تٌركت لأصبحت في المستقبل مكاناً لتجمع القوت ومهاجمة المسلمين. لكنها للأسف لم تفتح لهم، وكل من أتى بعدهم استهان بها لصغر حجمها. والحقيقة أن هذه المنطقة هي التي أدت لفقد المسلمين للأندلس بعد أربعمائة عام.

    لم تكن الصخرة وحدها هي ما كان يأمل موسى بن نصير فتحه، ولا حتى الأندلس، بل كان لديه حلم أكبر وهو أن تمتد فتوحات المسلمين حتى القسطنطينية فكان هذا هو حلمه. يقول سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام مدحًا لفاتح القسطنطينية: "لتفتحن القسطنطينية فلنعم الجيش جيشها، ولنعم الأمير أميرها". ولقد حاول المسلمون على مر التاريخ فتح هذه المدينة إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل. ونحن ننظر بالإعجاب الشديد لحلم هذا الرجل الذي شارف السبعين من عمره ونقارنه بأحلام العديد من الشباب، وكيف أن أحدهم قد لا يكون لديه هدف في حياته يعيش من أجله، أو كيف يتراجع أحدهم عن تحقيق أحلامه إذا صادفته بعض الصعوبات في الحياة، كأحدهم الذي كان يرغب في أشياء كثيرة ولكن تم طرده من الشركة التي كان يعمل بها، فيصاب بالاكتئاب منذ ذلك الحدث. ونحن ندعو هؤلاء الشباب أن يتعلموا من موسى بن نصير ذى السبعين ربيعاً الهمة والإيمان. ولك عزيزي القارىء أن تتخيل مقدار المشقة و المجهود الذي يتطلبه فتح الفسطنطينية من عبور للأندلس، ثم فتح لإيطاليا ويوغوسلافيا ثم رومانيا وبلغاريا، وانتهاءاً بتركيا التي كانت الفسطنطينية عاصمتها في ذلك الوقت ثم عليه العودة مرة أخرى إلى الخليفة في الشام.

    وأشرك موسى طارقاً والجيش في حلمه، وصرح لهم بما يتمنى تحقيقه راغباً في رفع الروح المعنوية للجيش وتصريحًا منه لهم برغبته في إكمال الفتح. فتواترت الأخبار للخليفة الوليد بن عبد الملك الذي قد أصدر الأمر منذ البداية بفتح الأندلس. وإذا بالخليفة يأمر بعودة موسى وطارق على الفور إلى الشام وإيقاف حميع الفتوحات والاكتفاء بطليطلة، حتى الصخرة لم يسمح له الوقت بفتحها. فاضطر لترك الجيش تحت قيادة ابنه عبد العزيز بن موسى بن نصير، والعودة مع طارق إلى الخليفة في الشام.

    قرارات الخليفة بعد الفتح
    خاف الخليفة من إثارة الغرب ضد المسلمين، وكأنه كان يرى ضرورة التعايش وأن الله سبحانه وتعالى لو أراد أن يخلق الناس جميعاً على شاكلة واحدة لفعلها ولكنه سبحانه يقول: [...وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا...] (الحجرات:13)، فمن وجهة نظر الخليفة أن ما يريد موسى فعله هو ضد سنن الله في الكون، وأنه من قوانين الله أن يكون هناك أجناس مختلفة فنتبادل ونتعايش سوياً، فتزدهر الحضارات. وهذا بعينه ما حدث في الأندلس حينما اندمجنا مع أوروبا، وهو ما حدث حين تعامل أهل الأندلس معاً. هكذا الحياة، أنت لا تستطيع إقصاء الآخرين، وأنت بهذا ضد سنن الله في كونه، وأنت حتماً ستهزم حين ذاك.

    لكن لوجهة نظر الخليفة هذه، للأسف لم يتم تكريم موسى بن نصير، وطارق بن زياد من قبل الخليفة الأموي في الشام، بل على العكس تم تحديد إقامتهما في دمشق. واكتئب لهذا طارق ذى الاثنين والأربعين عاماً. ثم توفى الخليفة الوليد بن عبد الملك عام 97 هـ، وتولى سليمان بن عبد الملك خلافة المسلمين وأكد على قرارت الوليد بن عبد الملك ألا تتم أية فتوحات أخرى، وشدد على تحديد إقامة موسى بن نصير وطارق بن زياد، ومنع عودتهم للأندلس. إلا أن موسى كان يرغب في الحج واستأذن سليمان في ذلك إلا أنه أبى، ولم يوافق على سفر موسى للحج إلا في ذات الرحلة التي تضم سليمان ذاته تشديداً على تحديد الإقامة وخوفاً من قدرة موسى وطارق على تجميع الجيوش وخوفاً من انفرادهم باتخاذ قرارات تخص الفتوحات.

    وفاة موسى بن نصير
    ذهب موسى للحج، ودعا الله: " اللهم إن كنت كتبت في عمري بقية فردني إلى الأندلس، وامتني شهيداً في سبيلك، وإن لم تكتب لي أن أعود إلى الأندلس، فأمتني في بلد نبيك" وينتهي الحج، وتذهب قافلة الحج لزيارة المدينة، ويتوفى موسى بن نصير هناك، ويدفن في البقيع. أما طارق بن زياد، فاختفى من دمشق، وقيل أنه مات وحيداً في أحد بيوت دمشق.

     

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

  • قصة الأندلس (4) - طارق بن زياد

     

    قصة الأندلس (4) - طارق بن زياد
     


    بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين

    أهلاً بكم، لعل اليوم هو من أجمل الحلقات التي سنمضيها خلال الثمانمائة عام عمر الحضارة هناك.

    الدخول وفتح الأندلس:
    أود أن نبدأ المعنى بسؤال لنا جميعًا، هل تحب أن تقوم بعمل يكتب عند الله جل وعلا ويسطر في التاريخ ويكون لك فيه السبق والريادة؟ فيالحظ طارق بن زياد ومعه السبعة آلاف جندي والخمسة آلاف ممن انضموا إليهم فيما بعد؛ فقد كتبوا في صحائف الملائكة من الأوائل، فهاهم يهدون العالم حضارةً في كل المجالات تذكر إلى اليوم نتاج اجتهادهم وتعايشهم مع الأسبان والمسيحين والبربر والعرب، لن ننظر إلى فتح الأندلس من وجهة نظرنا بأننا فاتحين للأندلس، ولا من وجهة نظر الأسبان بأننا أخذنا أرضهم، بل على أنها حضارة نقلت العالم نقلة أخرى بما فيها من تعايش.
    أواخر شعبان 92ه:
    بدأ التحرك للفتح نهاية شعبان أي أنه تم في رمضان، وكان المكان ذو طبيعة استراتيجية رائعة؛ فرغم أنهم عبروا من منطقة وعرة إلا أن ذلك كان جزءًا من أسلوب المباغتة والتخفي فلم يتوقع أحد من القوط أو لروزريق قائدهم عبور طارق والجيش من هذا الجانب منطلقًا من ميناء (سبته) وهي شبه الجزيرة المغربية تحت قيادة يوليان الذي وافق على ادخال طارق وموسى بن نصير عبرها شريطة أن يردا إليه ما استولى عليه لروزريق من أراض منه هو وأولاده ومن الملك السابق غطيشة، كما أن طارق اضطر لاتخاذ الطريق الأطول أيضاً لما تعرف به هذه المنطقة من أمواج عالية فخشى على سفن المسلمين.

    الانطلاق نحو الأندلس:
    عبر المسلمون فوق سفن تجارية على دفعات للتمويه واستطلاع الطريق، عبر في البداية سبعة آلاف جندي ومن ثَّم فيما بعد أرسل طارق بن زياد لموسى بن نصير فمده بخمسة ألف كلهم من الأمازيغ لمزيد من التقوية والحماسة، وهنا تختلط المشاعر بداخلي بين رغبتي بتقبيل رؤوس أولئك العظام وبين حزني على حالنا الآن.

    رأس المثلث:
    بمجرد الوصول إلى الأندلس أقام طارق ما يعرف برأس المثلث، وهي قاعدة حصينة من القوات فإذا ما رجع أحد من المقاتلين أو احتاج لشيء يجد هذه القاعدة، وصل لمنطقة (برباط) التي تقع على ساحل البحر وهى منطقة غير مستوية وتبعد مسافة خمسة وأربعون كيلومترًا عن موقع نزوله، وبعد وصوله بدأ بالتحرك فورًا ليعطي ثقة للمسلمين بأنهم دخلوا الأندلس ليفتحوها وليس للخوف بينهم مكان، وقدم كتيبة استطلاع أمامه لتكشف له الطريق وتخبره بجغرافية المكان دون علم باقي الجنود، حتى يمشي وهو واثق الخطى فيطمئن الجنود ويسيروا على خطاه.

    البحر خلفكم والعدو أمامكم:
    رغم وجود الرواية التي نشأنا عليها في الصغر بقيام طارق بحرق سفن المسلمين بعد العبور قائلاً جملته الشهيرة: البحر خلفكم والعدو أمامكم، إلا أنه يستحيل تصديقها لأكثر من سبب:
    · هناك جزء من هذه السفن ملكًا ليوليان .
    · حتى لو كانت السفن كلها ملكا للمسلمين فإنه يستحيل أن يضحي بكل هؤلاء المسلمين خاصة أن القيادة الإسلامية منذ عهد الخلافة تقدر دماء المسلمين تمامًا كما ينظر الغرب لأنفسهم الآن وهذا ما نفتقده حاليًا.
    · أنها ليست وسيلة لإلهاب حماس الجنود بل أنه حمسهم بالنية بأنهم يفتحون أرضًا لله ثم لرفع الظلم والمعاناة عن أهلها.
    برباط (أرض المعركة):
    رصدت عيون القوط المسلمين فأرسلوا لقائدهم قائلين: هبط علينا قومًا لا ندري أهم من أهل الأرض أم من أهل السماء؛ لما رأوه من حسن التخطيط والعمل، كما أنهم كانوا في رمضان فكان ليلهم عبادة ونهارهم جدٌ واجتهاد.
    بدأ روزريق بتجميع جيشه الرهيب حيث تقول بعض الروايات أنه بلغ حوالي مئة ألف مقاتل للتحرك من طليطلة، كما بدأ طارق بن زياد بالتحرك هو الآخر وانضمت إليه كتيبة الاستطلاع بقيادة طريف بن مالك- وسميت مدينة طريفة باسمه إلى الآن؛ فكلما بذل شخص جهدًا خلد في التاريخ، هذا وكان أغلب جيش المسلمين مترجلين بلا خيول.
    حكمة قائد:
    يعد طارق بن زياد هو من اختار مكان المعركة بوصوله إليها أولاً كذلك ليريح جنوده، كما أنه سببًا في انهاك الطرف الآخر الذي يفصله بين الموقع وطليطلة نحو أربعمئة كيلومترًا، أما جغرافية المكان فهي في صالح المسلمين وتشبه غزوة أحد حيث كانت أعداد المسلمين قليلة، فاتخذ الجبل ليحمي ظهرهم من التفاف المشركين وراءهم، كما أن البحيرة كانت عن يساره ومن بعدها البحر، ثم جاء بقوة من طريف وأوقفهم في المؤخرة؛ حتى إذا ما تسلل أحد من الأعداء عبر السفن يخبر المسلمين، وجعل المسلمين يقفون أعلى التبة؛ ليصعد إليهم روزريق وجنده وهم منهكون بعد طول المسافة التي قطعوها، فينقض عليهم المسلمون في المعركة التي كانت يوم الثامن والعشرين من رمضان.

    وصول روزريق وجنده:
    تفاجئ المسلمون بدخول روزريق ومعه هذا الكم الهائل من الجنود مقارنة بأعداهم القليلة، فحتى لو سلمنا بمبالغة الروايات في تحديد عددهم وقلنا أنهم خمسمائة ألف فقط فهو عدد مهول بالنسبة إلى اثنى عشر ألف جندي، هنا لاحظ طارق الأمر فأمر المنادين في جيشه بترديد آية واحدة [مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا] {الأحزاب:23} ومن وراءهم يردد الجيش كله، فكان اختيارًا ذكيًا من القائد حيث أنه يعرف أن الرجولة تعني النخوة عند العربي وتزيد من حماستهم.
    دخل روزريق متأخرا جالسا على سرير من ذهب ومرتديا الكثير من الذهب، فأعجب هذا المنظر طارقا حيث أنه جاء ليثبت لهم سبب تحركهم في فتح الأندلس – وهو رفع الظلم الذي يشاهدوه بأعينهم مقارنة بين الملك وجنوده- هذا بالإضافة إلى أن روزريق اصطحب معه الكثير من البغال تحمل فوق ظهورها حبالا كثيرة في رمزية إلى أنهم سيتخذون من المسلمين عبيدا وأسرى لهم بعد انتصارهم عليهم في المعركة، وهذا أكثر ما أثار حمية الأمازيغ من أهل المغرب والجزائر، ففرح طارق وأخذ يشير بإصبعه لتلك البغال ليلفت نظر الجند، وحاول طارق أن يطيل عمر المعركة فاستمرت ثمانية أيام ليستنفد الأعداء ما معهم من قوت وماء حيث الجو شديد الحرارة في شهر يونيو ومصادر الماء تحت قبضة المسلمين، أما أعداد المسلمين القليلة فسيكفيها ما معها من غذاء وماء، وبالفعل بدأت جنود روزريق بالهرب من اليوم الثالث في اتجاهات مختلفة، فتفكك الجيش وتحطمت روحه المعنوية، وظل طارق وجيشه صامدا لا يهاجم بل منتظرا إياهم حتى لا تخر قوى المسلمين وهذا هو دهاء القائد.

    نتيجة المعركة:
    · انتصار حاسم للمسلمين.
    · هروب روزريق ويقال غرق في البحيرة وأقوال أخرى بأنه ألقى بنفسه من فوق الجبل.
    · غنم المسلمون كمية كبيرة من الخيول فقد دخل الكثير منهم مترجلين وخرج الجميع ركبانا.
    · سقط من المسلمين ثلاثة آلاف شهيد.
    وهكذا انتصر المسلمون في معركة ذي رباط أو وادي لكة أو أرض البحيرة هذه ولم يكن أحد يتخيل هذا الانتصار بآية واحدة [... رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ...] {الأحزاب:23} ولم يتوقف طارق عند هذا الحد بل زحف إلى طليطلة، وأما عن موقف موسى بن نصير وهل سيحزن أم سيفرح فسنتحدث عنه في المرة القادمة إن شاء الله.

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

  • قصة الأندلس (3) - مقدمات الفتح

     

    قصة الأندلس (3) - مقدمات الفتح
     

    بسم الله الرحمن الرحيم

    أهلاً بكم وحلقة جديدة من "قصة الأندلس" ومقدمات الفتح على يد البطل العظيم موسى بن نُصير.

    عَيَّنَ عبد العزيز بن مروان والي مصر حينئذٍ موسى بن نُصير قائدًا عامًا للجيوش بشمال أفريقيا. سيتجهز موسى بن نُصير لذلك لمدة عشر سنوات بداية من عام 82 هـ وحتى الفتح عام 92 هـ. يا لصبرك يا موسى بن نُصير! كان يبلغ من العمر آنذاك بضع وستون عامًا. يا للجهاد وحب الإسلام! يبدأ موسى بن نُصير عند هذا العمر فتحه حيث كان حلمه الكبير أن يصبح كخالد بن الوليد.

    السر في .. التعايش:
    يظل موسى بن نُصير بمصر وعينيه على الأندلس. اعمل على تكبير حلمك ولا تستبعد تحقيقه فموسى بن نُصير ظل يعمل على تحقيق حلمه مدة عشر سنوات. ليفتح الأندلس، يجب على موسى بن نُصير أن يفتح المغرب العربي كله. بدأ يحلل الأمر: فتح عقبة بن نافع المغرب العربي حتى وصل إلى طنجا، فلماذا عاد مرة أخرى حتى مصر؟ أحتاج موسى بن نُصير إلى أن يجاوب على تساؤل: هل أنت مؤمن بالتعايش؟ "التعايش" يعني أن تقبل الآخر المختلف عنك وأن تحترمه وتتعاون معه، يجب أن تكون مؤمنًا بالتعايش ليس لفظيًا فقط ولكن عمليًا أيضًا. عقبة بن نافع أحتاج للتعايش ليحل معادلة الفتح عنده، فهو لم يتعايش مع قبائل الأمازيغ (البربر) المنتشرة بداية من ليبيا وحتى طنجا، وبالتالي لم يقبلوه، وكانوا يتركوه يفتح أرضًا ثم يسلبوه إياها مجددًا ثم يتحالفون مع الرومان ضده، وبعضهم أسلم ظاهريًا ثم ارتدوا عن الإسلام؛ لم يكونوا مؤمنين بالفكرة فهو لم يبذل مجهودًا معهم. الحل في التعايش وهذا هو ما طبقه موسى بن نُصير لمدة عشر سنوات، ليس بالشكل العسكري ولكن بالتعايش حتى يستطيع أن يفتح الأندلس، في حين أننا نؤمن بالتعايش وبالوحدة الوطنية لفظًيا فقط للأسف.

    من هم الأمازيغ؟ هم قبائل عريقة وعظيمة وقوية جدًا منتشرة من المغرب العربي حتى ليبيا. بعضهم مازال موجودًا إلى الآن في السلوم في مصر.

    التعايش العملي لا اللفظي:
    عند بداية فتحه، بدأ موسى بن نُصير في التودد إلى البربر وضم بعضهم إلى جيشه وطلب أن يحضر مائة من التابعين إلى المغرب العربي حتى يُعَلِموا قبائل البربر الإسلام عند الفتح، ثم بدأ هو نفسه في التعايش مع البربر وتمثل ذلك في أكله معهم وارتدائه مثل لباسهم. فتح عقبة بن نافع الألفي كيلو من برقا في ليبيا إلى طنجا في سبعة أشهر فقط، بينما فتح موسى بن نُصير تلك المسافة في سبع سنواتٍ، شأنه في ذلك شأن من يبني أساسات البناية أولاً فقد أدرك موسى بن نُصير أن الأندلس لن تُفتَح إلا وقبائل البربر متعايشة معه يدًا بيد وجزء من جيشه. تلك كانت رؤيته الاستراتيجية! ثم قام موسى بن نُصير بتطبيق التعايش عمليًا بأن أختار أحد البربر نائبًا له وهو "طارق بن زياد".
    وُلد طارق بن زياد سنة 50 هـ في وهران بالجزائر، وبلغ من العمر وقت الفتح 42 عامًا. كان طارق بن زياد وسيمًا، أزرق لون العينين، أبيض لون البشرة، وذو قوة جسمانية هائلة. اختار طارق أن يضع اسمه وسط مشاهير المصلحين والفاتحين أمثال خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص، فالجبل يحمل اسمه إلى الآن حتى باللغة الأسبانية. اختار موسى بن نُصير طارق بن زياد نائبًا له فاطمئن لذلك البربر، ثم عَيَّنَه واليًا على طنجا. وظل يفتح الأرض حتى استعاد كل الأراضي التي فتحها عقبة بن نافع وسُلبت منا بعده، كل ذلك على يد جيش من البربر ليس من العرب. لقد آمن موسى بن نُصير فعلاً بالتعايش وقد نفذ ما تعلمه من والده.

    الآن، استقر المغرب العربي كله مع المسلمين بسبب التعايش ولن يعود مرة أخرى، بما في ذلك البربر المسلمون المحبون للإسلام فتتفجر طاقاتهم لخدمته، ومنهم طارق بن زياد أحد جنود موسى بن نُصير.

    تحديات وحلول:
    كان كلاً من موسى بن نُصير وطارق بن زياد يُقَيَّم أحدهما الآخر، فيفكر موسى "هل يصلح طارق نائبًا لي؟"، ويفكر طارق "هل حقًا يحب موسى بن نُصير الأمازيغ؟" حتى اطمأنا لبعضهما البعض واستعدا لفتح الأندلس.
    أرسل موسى بن نُصير لعبد العزيز بن مروان والي مصر في رغبته أن يفتح الأندلس، فسأله عبد العزيز بن مروان عن المعوقات التي تمنعه من الفتح، فأرسل له موسى بن نُصير أن لديه أربعة معوقات:
    أولاً: عدم وجود سفن للعبور.
    ثانيًا: يبلغ عدد جيش المسلمين عشرة آلاف فقط في حين أن جيش الفرنجة يبلغ مئات الآلاف.
    ثالثًا: أرض الأندلس مجهولة لا يملك عنها القدر الكافِ من المعلومات.
    رابعًا: وجود جزر بين المغرب والأندلس مثل جزيرتي سردينيا ومايوركا وشبة جزيرة سِبتا تابعة للقوت المحتلين للأندلس والذين سيجهزون على جيش المسلمين من ورائهم عند العبور للأندلس.

    رد عليه عبد العزيز بن مروان بأنه لن يساعده وأن عليه أن يدبر أمر الفتح بنفسه وبأن عليه أن يفتح الأندلس بعد أن يقضي على المعوقات. ظل موسى بن نُصير ثلاثة أعوام، من عام 89 هـ حتى عام 92 هـ يحاول أن يقضي على تلك المشكلات الأربع. ولأنه رجل استراتيجي وصبور إلى أقصى حد ففي خلال تلك الأعوام الثلاثة قام بالتالي:
    أولاً: بناء أسطول بحري مكون من ترسانة سفن وثلاثة موانئ منهم ميناء القيروان.
    ثانيًا: أدرك أن جيش المسلمين لن يبلغ المائة ألف إلا إذا انضمت له قبائل الأمازيغ، فعين لذلك طارق بن زياد قائدًا للجيش وأصبح موسى بن نُصير هو الرجل الثاني بعده! يا لإخلاص موسى بن نُصير ونيته! حتى أن الجبل سيحمل اسم طارق بن زياد بدلاً من اسم موسى بن نُصير، وسيصبح طارق بن زياد هو فاتح الأندلس، أراد ذلك موسى بن نُصير حتى ينضم البربر للجيش، وبالفعل عندما وجد الأمازيغ أن طارق بن زياد يتقن لغتهم ويعلم طريقتهم وسلوكياتهم وثقافتهم انضموا إلى الجيش بمنتهى القوة.
    ثالثًا، فتح جزيرتي مايوركا وسيردينيا فأَمَّنَ ظهر الجيش من ناحيتهما.

    توكُل على الله .. تخطيط .. نصر:
    أخذ موسى بن نُصير يعمل ليلاً نهارًا لحل المعوقات، ولأنه يدرك معنى التوكل على الله وهو أن تجيد التخطيط ثم تتوكل على الله فهو لا يترك مجالاً لأي خطأ. وتواجهه مشكلة كبيرة وهي شبة جزيرة سبتا فهي محصنة للغاية حيث تمتلىء بالحصون المنيعة، فيبدأ برابعًا: وهي أن أرض الأندلس مجهولة المعلومات بالنسبة له من حيث التلال والجبال ووجود المياة وتمركز السكان والجنود... إلخ، فيرسل موسى بن نُصير سرية استطلاعية تتكون من خمسمائة فرد؛ أربعمائة مشاة ومائة فقط من الفرسان (عدد قليل من الفرسان حتى لا يبدو الأمر وكأنه معركة) لإجراء كل التحريات عن أرض الأندلس، وأرسل "طُريف بن مالك" من البربر قائدًا عليهم. هل لاحظتم مدى الاعتماد على الأمازيغ ومدى التعايش معهم؟ هل نحن على استعداد للانفتاح على الآخر والتعايش بهذه الصورة؟ جمع "طُريف بن مالك" كل المعلومات الضرورية عن الأندلس ثم عاد إلى المغرب لا يسأله موسى بن نُصير سؤالاً إلا ويجيبه عليه.

    يتبقي له ثالثًا: وهو دخول شبة جزيرة سبتا، فدخولها مستحيل حيث الطبيعة القاسية والقلاع من جميع الجوانب، ثم أن المسافة ما بين سبتا وطنجا حوالي 25 كم، كما أن المسافة ما بين سبتا وطريفة (التي تقع في أول الأندلس والتي نزل بها طُريف بن مالك فسميت باسمه إلى الآن مما يدل على تكريم موسى بن نُصير له) حوالي 25 كم، لذلك تعتبر سبتا في منطقة شديدة الأهمية حيث أنها تقع في المنتصف تمامًا، ومساحة سبتا إجمالاً 20 كم2، ونظرًا لحصون سبتا المنيعة التي بناها القوت لم يستطع موسى بن نُصير دخولها فتأخر الفتح حتى رمضان عام 92هـ أي بعد عودة طُريفٍ بعامٍ، فكان الحل بعد الأخذ بالأسباب والتوكل على الله والتخطيط هو أن يأتي الفرج من عند الله بمثابة مفاجأة وهو "يوليان".

    يوليان من القوت، وهو حاكم سبتا من قِبَل القوت. يوليان يكره "روزريق" حاكم القوت لأن روزريق أغتصب المُلك من أبناء "غُطيشة" حاكم القوت السابق في الأندلس بعدما مات "غُطيشة" وبعدما نفى أولاد "غُطيشة" إلى سبتا، كما أن يوليان يرى أن هناك ظلمٌ كبير واقع على الناس من قِبَل روزريق، ويقال أيضًا في الروايات أن روزريق حاول الاعتداء قبلاً على ابنة يوليان (رواية الله أعلم بصحتها). ظل يوليان في سبتا يشاهد الأحداث: فتح المسلمون لمايوركا وسردينيا، والظلم الواقع بالأندلس ينذر بسقوطه، والمسلمون قوة قادمة. يوليان وطني يجب بلاده ولكنه يرى أن روزريق يعمل على اضاعة الدولة، فصنع يوليان مفاجأة لم يتوقعها أيًا من موسى بن نُصير أو طارق بن الزياد؛ أرسل يوليان خطابًا إلى طارق بن زياد يعلن فيه عن استعداده التنازل عن سبتا وتسليم حصونها ومنح المسلمون سفن للعبور للأندلس وألا يهاجمهم من الخلف في مقابل تأمين أولاد غطيشة ومنحه وبلاده بعض الأملاك في حال انتصار المسلمين. وافق موسى بن نُصير فورًا وبالفعل دخلت سفن المسلمين ورست بسبتا حيث سيتم فتح الأندلس منها. سبتا عبارة عن بحر وجبال تعلوها الحصون.

    يقول الكثير من المؤرخين أنه لولا يوليان ما استطاع المسلمون الانتصار. الحقيقة أن يوليان ساعد المسلمون، كما أن اليهود الذين كانوا يقطنون سبتا ومازالوا بها ساعدوا المسلمين أيضًا. ما مصلحة اليهود في ذلك؟ اليهود كانوا يتعرضون للاضطهاد، ونظرًا لأنهم كانوا على اتصال ببعضهم البعض في العالم كله كعادتهم عبر التاريخ فكانوا على دراية بفعل المسلمين بعد فتح القدس من تسامح أرساه عمر بن الخطاب مع اليهود في القدس، وتسكينهم بها وحماية مقدساتهم، ولذلك ساعد اليهود المسلمين. وساعد يوليان المسلمين نظرًا لاستشعاره الظلم الرهيب في الأندلس وبالتالي وصفه المؤرخون الأسبان أنه رجل وطني غير خائن لبلاده.

    علي الجانب الآخر، يقول بعض المؤرخين المسلمين أن أيًا من يوليان أو اليهود لم يقدما المساعدة للمسلمين وأن المسلمون انتصروا بإرادتهم وقوتهم وحدهم، وأن هذا إدعاء لنسب بعض الفضل في فتح الأندلس لغير المسلمين.. أقول: وماذا لو ساعدنا غيرنا؟ هل ينبغي أن نعمل وحدنا؟ لماذا فكرة المشاركة مرفوضة؟ صحيح أننا أصحاب النصر ولكنهم على الجانب الآخر ساعدونا، سواء يوليان أو اليهود. كان انتصارنا آتٍ لا محالة ولكن مساعدتهم بالطبع كانت مؤثرة. دعونا لا نروي أو نسجل التاريخ بطريقة تشوبها المغالطة حتى نكون نحن الأبطال وحدنا.

    دخل المسلمون سبتا وأصبح كل شيء معد للفتح.

    في المرة القادمة سنتحدث عن فتح الأندلس؛ يومٌ جميلٌ ونصرٌ كبير، هنيئًا لطُريف بن مالك الذي أصبح من الأوائل وحُفِر اسمه، وهنيئًا له طارق بن زياد الذي سُمِيَ الجبل باسمه، ولا عزاء لموسى بن نُصير الذي لم يذكر اسمه داخل الأندلس ولكننا نذكره الآن، كما أنه مذكور في السماء عند الله.

     

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد


     

  • قصة الأندلس (2) - موسى بن نصير

     

     

    قريبا

     

     

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

     
  • قصة الأندلس (1) - مقدمة
    قصة الأندلس (1) - مقدمة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    كل سنة وأنتم بخير وأهلاً بكم،

    قصة المسلمين بأسبانيا تبدأ بدخولهم سنة 92 هجرياً وتنتهي بخروجهم منها سنة 897 هجرياً، أي أن حكمهم استمر 805 سنة كاملة، فتخيلوا كيف أن تاريخ الإسلام 1400 سنة منهم 800 سنة بأسبانيا ولهذا بالتأكيد هذه القصة هي قصة غنية جداً، وبها الكثير من الدروس والبطولات وكذلك المؤامرات والانتصارات والخيانات، وكثير من الأشياء التي سنتعلمها في الحياة، فهي ككنز ملئ بجواهر من الدروس والأشياء التي سنتعلمها بالحياة، ما رأيكم بفتح هذا الكنز؟ سنكون كالرحالة من بلد إلى بلد، سنذهب إلى غرناطة آخر مكان خرج منه المسلمون للأسف، وإلى قرطبة وطليطلة وهي بالأسبانية الآن Toledo، وسنذهب إلى مدريد وهي تقع بجانب طليطلة، وسننزل إلى الجنوب حتى نصل إلى سبتة عند البحر الأبيض المتوسط على حدود المغرب وسنصعد إلى الشمال حتى نصل بالقرب من فرنسا، فهل تذهبون معنا في هذه الرحلة لنستخرج هذه الكنوز ونتعلم؟ هذه هي قصة الأندلس.

    لماذا قصة الأندلس؟

    1) أروي قصة الأندلس لأنها قصة التعايش أو اللاتعايش، قصة الوحدة أو الصراع، فماذا ستختارون؟ هذه هي الأندلس، والله يا جماعة كأني أنظر إلى مرآة تنعكس فيها قصتنا، أنا لست هنا لرواية القصص وإنما لأريكم مرآة لحياتنا، فماذا ستختارون؟ في الأندلس كلما عاشوا مع بعضهم البعض وتفاهموا معاً نجحوا جميعا، وكلما تصارعوا فشل الجميع. هل تدرون ما هو التعايش؟ إنه قبول بعضنا البعض واحترام بعضنا البعض والتعاون معاً حتى ينجح الجميع. ونحن نحتاج إلى هذا الدرس الآن ولهذا أحكي قصة الأندلس.

    2) الأندلس عبارة عن خلطة سحرية وهي خلطة من ثلاث حضارات مختلفة وثقافات مختلفة وأديان مختلفة ولا يوجد بالتاريخ القديم مثل هذا الإختلاط إلا بالأندلس، والثلاث ثقافات هي العرب ثم أهل المغرب والبربر والأمازيغ ثم الأسبان وهي ثلاثة أديان مسلمين ومسيحيين ويهود، فالأندلس هي هدية من الله لولاها ما كان العالم عرف التقدم، فنصف حضارة العالم بسبب هذه الأرض، عندما تقدمت أسبانيا تقدم العالم، وكأن المعنى من يريد أن يقيم الحضارة فليقم بجمع الجهود لكي يحصل على الخلطة السحرية. ولهذا هناك شيء عجيب فالمسلم أو العربي الأندلسي غير المسلم الموجود بباقي العالم العربي رغم أنه قد يكون هو نفسه من هاجر إلى هناك، إلا أن الأندلسي أكثر إبداعا بكثير نتيجة الخلطة السحرية أو خلطة الثلاث حضارات معاً، أما بالنسبة إلى أوروبا فقد كانت قبل الأندلس مظلمة وبعدها استنارت بالحضارة والعلم.

    3) بالنسبة للشباب والفتيات الذين يريدون أن ينجحوا في الحياة هل سمعتم عن واحد فقط استطاع تغيير تاريخ الدنيا؟ بالنسبة للأندلس فهناك أبطال كثيرون غيروا تاريخ الحياة، مثل عقبة بن نافع وموسى بن نصير وطارق بن زياد فتحوا الأندلس لتستمر ثمانمائة عام، وكان هناك أيضا عبد الرحمن الداخل الذي كان على وشك الغرق بالماء ليتحول إلى شخص وحد الأندلس وبنى حضارة، وكذلك يوسف بن تاشفين ذو الثمانون عام القادم من المغرب ليبني حضارة. ولهذا أحكي قصة الأندلس حتى يتعلم الشباب قصص النجاح، ففتاة مثل فاطمة الفهرية بَنت جامعة لتتعلم منها أوروبا، وكذلك عائشة الحرة علمت السيدات كيف يصبحن أحراراً، ولكن لما رواية قصة الأندلس في هذا الوقت بالذات؟ لأنه ما أشبه اليوم بالبارحة فسارعوا يا مسلمين وأفيقوا وكفوا عن الصراع وتمسكوا بالتعايش والوحدة وهذه هي نيتي من هذا البرنامج، وانتبهوا لأن الله له قوانين ثابتة في الكون قال تعالى: (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) فاطر: 43 فقوانين الله ثابتة إن إتحدتم تنتصروا وإن تصارعتم تنهزموا.

    لماذا خرج المسلمون من الأندلس دونا عن غيرها من البلاد الإسلامية؟

    أتعرفون ما هو السر؟ إنها الوحدة الوطنية. لم ير الأندلسيون أنفسهم أبداً أندلوسيينولكن رأوا أنفسهم طوائف وكانوا يقولون أنا عربي أنا يمني أنا أموي أنا عباسي أنا مسيحي أنا مغربي أنا بربري ولكنهم أبداً لم يقولوا أنا أندلسي اللهم إلا في فترات قليلة مثل ابن حزم، الشعب الذي يتهاون في الوحدة الوطنية يسقط ويضيع، والشعب الذي يتمسك بالوحدة الوطنية يستمر، ولهذا علمنا النبي –صلى الله عليه وسلم- أن حب الوطن من الإيمان. ما رأيكم أن نبدأ القصة من أولها؟ هيا نبدأ قصة دخول المسلمون وكيف انتصروا عام (92)هـ هيا نبدأ البداية التي كانت مليئة بالعزة والكرامة، هيا ندخل الأندلس.

    البدايـــــــــــــــــــــــــــــــــــة:

    البداية كانت من شمال أفريقيا حيث شريان الأندلس الرئيسي وهو المغرب، والمغرب العربي هو من مد الأندلس بالروح التي استمر بها ثمانمائة سنة، لولا تونس والجزائر والمغرب وأهلهم ما قامت الأندلس، البداية كانت من فتح أفريقيا والمغرب العربي، وهنا يجب أن نتحدث عن بطل عظيم وهو عقبة بن نافع الفاتح الأول لشمال أفريقيا، وهو من أسس مدينة القيروان، ولد في مكة وكان عمره تسع سنوات عندما فتح النبي –صلى الله عليه وسلم- مكة، ولما توفى النبي كان عمره عشر سنوات، وهو ابن خالة عمرو بن العاص –رضي الله عنه- وكانت بدايته رؤية للنبي –صلى الله عليه وسلم- فجرت بداخله أملاً وحلماً، ورؤيته كما جاءت في حديث يرويه الإمام مسلم يقول النبي –صلى الله عليه وسلم- : (رأيتني في بيت عقبة بن نافع فرأيته يأتينا أنا وأصحابي برطب من رطب المدينة فأكلنا جميعاً، فقال له الناس: فما أولتها يا رسول الله، فقال النبي: أولتها رفعة لعقبة في الدنيا والآخرة) انظروا إلى النبي في صناعة الحلم عند طفل صغير فهذه الكلمة هي التي ستصنع مستقبله، وسيعيش للإسلام منذ كان عمره عشر سنوات وحتى توفي عن عمر اثنان وستون عاماَ، لذا يجب أن تشجعوا الأطفال والشباب، ابنوا لهم أحلاماً كبيراً، تبنى عمرو بن العاص الطفل الصغير وبدأ في تنمية مواهبه فبدأ بتعليمه الفروسية وغيرها، وعندما كان عمر عقبة خمسة عشر سنة التحق بجيش عمرو بن العاص والذي أعد لفتح الشام في عهد عمر بن خطاب –رضي الله عنه-.

    تمكين الشباب:

    عندما صار عقبة بعمر الثمانية عشر عاماً حضر فتح فلسطين والمسجد الأقصى، وفي سن العشرين حضر مع عمرو بن العاص فتح مصر، وعين عمرو بن العاص في هذا الوقت والياً لمصر حيث كان عمر عقبة واحد وعشرون سنة، وبعث عمر بن الخطاب وهو المؤمن بتمكين الشباب لعمرو بن العاص يقول له: ولِ الشباب وكلفهم بالمهام وأعنهم أن يقودوا، فكلف عمرو بن العاص عقبة بعدة مهام وكانت أول مهمة وعمره اثنين وعشرين ربيعاً، حيث أمره بدخول أرض برقة في ليبيا للاستطلاع، وبعثه على مجموعة استطلاع ليعود عقبة بعد ثلاثة أشهر بتقرير مفصل عن أهلها وعن الأرض وعن وضع الرومان حيث كان كل الشمال الأفريقي محتل في هذا الوقت من الرومان، بعد رجوعه بالتقرير التفصيلي كلفه عمرو بن العاص بمهمة جديدة وهي تأمين الحدود الغربية والجنوبية لمصر، تخيلوا استلام شاب عمره 23 سنة مهمة كهذه؟ ولقد نجح بها فكلفه بأخرى وهي فتح بلاد النوبة فدخل معارك شرسة وفتح النوبة، وكلفه بمهمة أخرى وعمره 27 سنة بأن يقوم بفتح برقة وكان عمرو بن العاص على قيادة الجيش، ولكن القائد الميداني كان عقبة بن نافع ودخل المسلمون وفتحت برقة، وأصبح عقبة بن نافع الخبير الأول بشئون أفريقيا، وبعد فتح برقة دخل إلى طرابلس بدون عمرو بن العاص وعمره 28 سنة، وعندما وصل إلى حدود طرابلس وهي حصن منيع لم يستطع الدخول، فحاصرها شهوراً ولكنها استعصت عليه وكان ذو دعوة مستجابة فأخذ في الدعاء اللهم افتحها علينا. ولم يكن لديه سفن ليدخل الحصن من ناحية البحر وإذا به بعد سبعة أيام من الدعاء المستمر يحدث جزر للبحر فيتراجع فينكشف الحصن من ناحية البحر فيدخل عقبة إلى الرومان من ناحية البحر وينتصر ويفتح طرابلس، ومعضلته التي لم يستطع حلها هي الأمازيغ أو البربر وهم أهل هذه البلاد صاحبة الأرض وهو لم يستطع التعامل معهم، ولم يكن عقبة بن نافع قد تعلم كيفية التعايش وكسب أهل هذه البلاد في صفه، دائماً المبادر الذي يقوم بالأشياء لأول مرة يقع في أخطاء بسيطة ونستغرب نحن من هذا. لكن من يأتي بعده دائماً يتعلم من خطأ غيره، ولهذا تعلم موسى بن نصير من خطأ عقبة وأصلحه، فبعد أن فتح عقبة بن نافع طرابلس استرد الأمازيغ ومعهم الرومان الأرض مرة أخرى، فهم لم يكونوا مسلمين ولم يكلمهم أحد عن الإسلام، في الوقت نفسه كان لدى عقبة الرغبة في استكمال الفتوحات إلى تونس فبعث عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب يستأذنه، وكان عمر بن الخطاب رجلاً إستراتيجياً ومفكراً عظيماً فقال: كيف تفتحوا أرضاً ولم تعرّفوا أهل البلاد عليكم ولم تؤمّنوا ظهوركم؟ ورفض عمر بن الخطاب، إن عمر بن الخطاب يشاهد المشهد من بعيد وكانت له رؤية ولكن مات عمر بن الخطاب، وجاء عثمان بن عفان فعزل عمرو بن العاص وولى عبد الرحمن بن سعد بن أبي الصرح، فأحب الوالي الجديد أن يقدم بطولة وكان القائد الميداني هو عقبة بن نافع فأرسل إلى عثمان يطلب منه فتح كل هذه البلاد، ولم يكن لدى عثمان البعد الخاص بعمر بن الخطاب فوافق وأرسل له بعشرة آلاف مقاتل، ومنهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وهم من كبار الصحابة وكان عقبة بن نافع القائد عليهم، أترون يا جماعة تمكين الشباب؟ وأخذهم عقبة بن نافع وقام بالكثير من الفتوحات، ففتح تونس وأسس مدينة القيروان ومن ثم دخل إلى جبال الجزائر ثم طنجة، حتى فتح شمال أفريقيا كلها ووصل إلى البحر حيث بالجهة الأخرى أسبانيا ولكن حصلت الفتنة وقتل سيدنا عثمان بن عفان ومعاوية واختفى عقبة فما كان السبب؟ رفضه المشاركة في الفتنة، فقال: لا والله سلاحي لا يقتل به المسلمون، واختفى لمدة ثمان سنوات، بعض الناس قالوا أنهم رأوه في طنجة وبعضهم ببرقة وبعضهم قال أنه رأه يطوف بالكعبة، إن من الصعب على قائد كبير أن يختفي بهذا الشكل إلا لو كان صاحب نية كبيرة ولم يكن يريد أن يشارك بالفتنة أو الدم، فلا ثبت الأمر لمعاوية بن أبي سفيان قام برد عمر بن العاص والياً على مصر فظهر عقبة بن نافع، وعندئذ لامه عمرو بن العاص لأنه بعد أن علّمه لم يقف معه ضد علي، فقال له: لا والله ما كان لي أن أقف أمام علي. وفكروا في الفتوحات من جديد ولكن المعادلة بها شيء خاطئ حيث كان الرومان قد استولوا على جميع الأرض من جديد.

    معادلة غير صحيحة:

    تخيلوا يا جماعة لقد فتح هذا الرجل شمال أفريقيا مرتين وهي عبارة عن مساحة تفوق الألفي كيلومتر من برقة إلى طنجة، ولكن البربر لم تكن متعاونة وكانت هذه هي المعادلة الخاطئة فهو لم يتعايش معهم، ووصل إلى طنجة للمرة الثانية ووقف أمام البحر وقال: أيها البحر لو أعلم أن وراءك أرضاً لفتحتها لله، ونظر إلى المحيط الأطلنطي ولم يعرف أن خلفه أمريكا، وكان الرومان والبربر في هذا الوقت قرروا أن يقضوا على عقبة بن نافع، وبدأوا يدبرون كمين لعقبة الذي لم يكن يؤمّن ظهره جيداً، لقد كانت لديه أخطاء ولكنه بطل مبادر، وفي طريق عودته من طنجة للقيروان يخرج عليه كمين ويقتلوه ويموت عام (62) هـ وسنه اثنان وستون عاماً. لقد فتحت الأندلس بعد ذلك عام (92) هـ أي بعد موت عقبة بثلاثين عاماً، ولكنه من مهد لهذا؟ يا جماعة إن التاريخ يصنع تدريجياً والذين يتعجلون الأمور لا يحققون شيئاً، مات عقبة بن نافع واسترد الرومان ثانية كل البلاد التي فتحها .. المرة القادمة موعدنا مع بطل جديد في فتح الأندلس، مع موسى بن نصير

     

    لمزيد من الترجمة إلى اللغات الأخرى ... برجاء زيارة

    منتدى موقع د.عمرو خالد

     

الحلقات - صوت فقط
  • قصة الاندلس (30) - الختام
  • قصة الاندلس (29) - أثر الأندلس
  • قصة الاندلس (28) - ما بعد الخروج
  • قصة الاندلس (27) - سقوط غرناطة
  • قصة الاندلس (26) - مملكة غرناطة
  • قصة الاندلس (25) - الحب
  • قصة الاندلس (24) - التعايش
  • قصة الاندلس (23) - وصفة الحضارة
  • قصة الاندلس (22) - دولة الموحدين
  • قصة الاندلس (21) - محمد بن تومرت
  • قصة الأندلس (20) - المرابطون
  • قصة الأندلس (19) - تاريخ الدولة الإسبانية
  • قصة الاندلس (18) - ملوك الطوائف
  • قصة الاندلس (17) - عوامل السقوط
  • قصة الاندلس (16) - علماء الدين
  • قصة الاندلس (15) - منصور بن عامر
  • قصة الاندلس (14) - عبدالرحمن الناصر- ج2
  • قصة الاندلس (13) - عبدالرحمن الناصر - ج1
  • قصة الاندلس (12) - الفن في الأندلس
  • قصة الاندلس (11) - الجمال في الأندلس
  • قصة الاندلس (10) - عبدالرحمن الداخل - ج2
  • قصة الاندلس (9) - عبدالرحمن الداخل - ج1
  • قصة الاندلس (8) - نهاية عصر الولاه
  • قصة الأندلس (7) - بلاط الشهداء
  • قصة الأندلس (6) - عصر الولاه
  • قصة الأندلس (5) - توقف الفتح
  • قصة الأندلس (4) - طارق بن زياد
  • قصة الأندلس (3) - مقدمات الفتح
  • قصة الأندلس (2) - موسى بن نصير
  • قصة الأندلس (1) - مقدمة