الإمام الأكبر يكتب: الأزهر .. واستعادة جسور المؤاخاة والتعارف

إن تاريخ المسلمين يشهد بأن حضارتهم لم تخرج عن إطار المؤاخاة مع أبناء الأديان الأخرى، وكانت تتعامل معهم من منطلق القاعدة الشرعية «لهم ما لنا وعليهم ما علينا»، والتى تقر بقاء غير المسلمين على أديانهم وعقائدهم، وتضمن حرية إقامةِ شعائِرهم، وحماية كنائسهم وأماكن عبادتهم، وكل عاداتهم الدينية والاجتماعية.

ولا يعنى ذلك أن صورة المجتمع الإسلامى مع غير المسلمين كانت صورة ملائكية ومنزهة عن الأخطاء والعيوب، وأنه لم يحدث من التوترات وبعض الانحرافات، سواء من الحكام أو المحكومين ما يزرى بهذه الصورة، فقد كان يحدث من ذلك شىء قليل أو كثير، لكنه يبقى دائماً من باب الاستثناءات التى لا يخلو منها مجتمع تتعدد فيه الأديان أو الأعراق أو المذاهب.

ولم يسجل التاريخ اندلاع حرب فى الشرق بين المسلمين والمسيحيين، وسبب ذلك سبب شرعيٌ خالص، هو أن شريعة الإسلام تفرض على ولاة أمور المسلمين حماية غير المسلمين وضمان أمنهم وسلامتهم، فلا يعقل أن يُكلف جيش المسلمين بحماية المواطنين المسيحيين ثم يسمح له بأن يعلن الحرب عليهم أو يشارك فى حرب تُـعلَنُ عليهم.

إننى لست فى حاجة إلى التذكير ببراءة الإسلام والمسلمين من تلكم الأعمال الإرهابية التى ارتكبت باسمه، وأساءت إليه شرقاً وغرباً، ونجحت فى تصويره فى الغرب فى صورة الدين الهمجى المتعطش لسفك الدماء، وصورت أتباعه فى صورة الهمج المتوحشين، واستنفرت بعض أجهزة البث والإعلام المشاهد والمقروء لتسجيل هذه الفظائع بكل ما فيها من رعب وبشاعة، ثم بثها فى الفضاء لترسيخ الصورة المطلوب ترسيخُها فى أذهان الناس وبخاصة الشباب منهم..

وإننى أؤكد أنَّ هذه الجرائم المنكرة لا تعرف الإسلامَ ولا يعرفها المسلمون، وأدعوَ رجال الدين، ورجال الفكر والثقافة فى العالم للوقوف صفاً واحداً ضد الإرهاب وأن نعتبره جميعاً عدواً مشتركاً، ومسئوليتنا تجاهه مسئولية مشتركة، كما أدعو رجال الدين فى الغرب أن يسهموا فى تصحيح الصورة المغلوطة فى أذهان الغربيين عن الإسلام والمسلمين..

وها هو الأزهرُ الشريفُ أكبرُ مرجعيةٍ دينية فى العالم للمسلمين يسعى بنفسه إلى كبريات المؤسسات الدينية فى الغرب، لا أقول لإقامة جسور المؤاخاة والتعارف، بل لاستعادة هذه الجسور، وترسيخها من أجل وقوف الأديان صفاً واحداً فى مواجهة هذا الخطر، وتذكير الناس بأن الإرهاب عمل من أعمال الشيطان وليس عملاً من أعمال المؤمنين بالله تعالى وعدلِه وحسابِه وعقابِه.

وأنا لست أدرى كيف يصدِّق الناس أن الإسلام هو دين الإرهاب، مع أن الغالبية العظمى من ضحاياه هم المسلمون أنفسهم - رجالاً ونساءً وأطفالاً وجنوداً وآمنين فى المنازل والطرقات ووسائل المواصلات وغيرها - وفى اعتقادى أنه آن الأوان لأن تتجاوب أجراس الكنائس فى الغرب ونداء المآذن فى الشرق لتقول: لا لهذا العبث باسم الأديان ولا للعبث بالفقراء والمساكين والبؤساء والنساء والأطفال، هؤلاء الذين يدفعون من دمائهم وأجسامهم وأشلائهم فاتورة حرب ليس لهم فيها ناقة ولا جمل، بعد أن تراخى القادرون على وقف هذه الحروب، التى أكلت الأخضر واليابس فى عالمنا العربى.

وعلى الشباب الذى هو عدة المستقبل وقوةُ الحاضر أن يأخذ دوره فى نشر ثقافة السلام والإخاء والتعارف بين الناس وتفكيك ثقافة الكراهية، وإسقاط الحوائط العازلة المصنوعة بين الحضارات لأغراض تسلطية ومصالح ضيقة وإقامة جسور التفاهم والحوار المشترك من أجل حياة إنسانية تليق بالقرن الواحد والعشرين، وأنا شخصياً أعوّل عليكم أيها الشباب فى صنع مستقبلٍ خال من الحروب التى شقى بها جيلى فى القرن الماضى والقرن الحاضر أيضاً.

نقلاً عن بوابة الأزهر

عن الكاتب

فريق التحرير

محررو الموقع

المقالات المتعلقة

الدين للحياة

الدكتور شوقي علام يكتب: الخلل فى تناول المفاهيم «التشـدد»

بقلم : فريق التحرير

يدور التكليف فى شريعة الإسلام على الرفق والتيسير ورفع المشقة والحرج؛ مراعاةً لأهلية المكلف واستطاعته البشرية حتى يُؤدِّى الناس ما عليهم من حقوق الله تعالى وحقوق العباد والخلق بطريقة لا تذهب بهم مذهب التشدد والغلو، ولا تميل بهم إلى الانحلال والتفلت، وبذلك كانت وصية النبى صلى الله عليه وسلم بقوله: «إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ، إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ»

الدين للحياة

وزير الأوقاف يكتب: قضية ورأي - حديث معاذ عمدة الاجتهاد

بقلم : فريق التحرير

عندما بعث النبي (صلي الله عليه وسلم) سيدنا مُعَاذ بن جبل إِلَي الْيَمَنِ قَالَ لَهُ : » كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ »‬، قَالَ : أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ : »‬ فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ في كِتَابِ اللَّهِ؟ »‬. قَالَ : أَقْضِي بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ–صلي الله عليه وسلم -. قَالَ : »‬ فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ في سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ »‬. قَالَ : أَجْتَهِدُ رأيي لاَ آلُو. قَالَ : فَضَرَبَ بِيَدِهِ في صدري وَقَالَ : »‬ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ »‬، والمراد بقوله : »‬لا آلو»‬ أي لا أقصر في الاجتهاد والنظر في المسألة.

الدين للحياة

يا فرحتنا بالحبيب المصطفى.. بقلم رمضان البية

بقلم : فريق التحرير

لم يشهد التاريخ البشري ولن يشهد إنسان يحمل معاني الإنسانية كاملة بكل ما فيها من قيم إنسانية نبيلة ومكارم أخلاق وفضائل ومحاسن واحدًا كرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، فقد اكتملت فيه كل المكارم والفضائل، وإلى هذه الحقيقة التي لا مراء فيها والتي شهد لحضرته بها القاصي والداني، أشار إليها صلى الله عليه وسلم بقوله: "أدبني ربي فأحسن تأديبي"، نعم، فهو المتأدب بالآداب الربانية، والمتخلق بالأخلاق القرآنية، وصدقت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها إذ قالت عنه: "كان خلقه القرآن"، وصدق الصحابة الكرام، إذ قالوا عنه صلى الله عليه وسلم: "كان قرآنا يمشي على الأرض".