أسامة الأزهري يكتب: استعادة الثقة فى الذات

من أهم القضايا التى تشغل ذهنى كثيرا هى قضية الاستمرار عبر الأجيال فى بناء نفسية الإنسان المصري، واكتشافه لذاته وكينونته، وإدراكه لعمق شخصيته، وأنها منسوجة عبر التاريخ من مكونات متجذرة، شديدة العمق والرسوخ، صنعت منه إنسانا صاحب يقين وإيمان وحضارة، وصاحب علم وعمران، وصاحب آفاق واسعة منفتحة على العالم.
 

الإنسان المصرى إنسان قوي، صلب، والقوة عنده متعددة المراتب والصور والمستويات، وترجع قوة الإنسان المصرى فى الأساس إلى قدرته على البقاء والاستمرار، واجتياز الأزمات عبر هذا التاريخ الطويل، رغم كل عوامل النحت والتجريف التى طرأت عليه، وتلاطمت حوله.
 
وأول مستوى من مستويات القوة هو ثباته النفسي، الذى يحميه من الحيرة والاضطراب والتزلزل والتشتت والإحباط واليأس، فهو مهما حزن أو تألم فإنه يتدارك أمره سريعا، ويقفز خارج أحزانه، ويمضى فى حياته، مزودا بثبات باطنى عميق، يرجع فى الأساس إلى عمق إيمانه، ووعيه بضخامة تاريخه، وعمق جذوره، فتتصاغر أمامه كل الهموم، ولا تغلبه الأحداث، مما يجعله صخرة ثابتة، تتلاطم حولها الأمواج، وتشتد، لكنها لا تنال من ثبات الصخور وصلابتها، وهذا هو السر فى قدرة الإنسان المصرى على اجتياز عشرات الموجات من المعتدين، كالهكسوس، والصليبيين، والتتار، والفرنسيين، والإنجليز، والصهاينة، ومختلف صور العدوان التى جاءت لتعتدى على أرض الكنانة، وربما بقيت بعض تلك الموجات عددا من السنين، لكنها انحسرت بعد ذلك وزالت، وإذا بها لم تستطع أن تتغلغل إلى ركيزة شخصية الإنسان المصري.
 
وأهم ثمرة لهذا الثبات الباطنى والقوة الذاتية النفسية عنده هى حمايته من كل الأعراض النفسية القاتمة، كالإحباط، وفقدان الأمل، والعزوف، واليأس، وغير ذلك من معانى الضعف التى إذا تمكنت من الإنسان قتلت فيه روح الإنسانية، وحولته إلى كيان محطم.
 
المستوى الثانى من مستويات القوة هو قوة الإرادة، فهو إنسان خارق فى كيفية تحويل الإرادة إلى إدارة، وبرنامج عمل، وصناعة نجاح، فى كل أمر يدخل فيه، وينهض به، وقوة الإرادة قيمة كبرى، تنفك إلى عدد من المكونات منها الإصرار، ومنها الهمة، ومنها العزيمة، ومنها التحدي، ومنها الإنجاز، ومنها اختراق قلة الإمكانات، واجتياز العقبات، وتذليل الصعاب، والابتكار وسعة الأفق فى إيجاد حلول ومخارج لكل أزمة. وقوة الإرادة عند الإنسان المصرى معناها أنه من صفاته اللازمة له، المتكررة فى مختلف مراحل تاريخه، والتى تلوح فى مختلف تصرفاته ومواقفه التاريخية، أنه عنده جذوة لا تنطفئ من حب الحياة، وحب النجاح، مع القدرة على تحويل ذلك إلى إجراءات تشيع فى مختلف أنشطته، وأنه لا يستسلم لأى ظروف طارئة أو عصيبة، وربما حزن، أو تألم، أو تأثر، لكن معنى الإرادة يظل قابلا للتجدد عنده، ويزيح كل تلك العوارض والمظاهر لينبعث الإنسان المصرى ويولد من جديد.
 
المستوى الثالث من مستويات القوة هو قوة العقل، المستنير بالعلم والمعرفة والوعي، وإدراك الواقع، وفهم تعقيداته، والإلمام الواسع بخريطة العالم من حولنا، وأين موضعنا منها، وهل نحن نسير على طريق الحضارة والتمدن الذى يليق بمصر، وإن كان قد وقع تخلف أو تباطؤ فما الحلول والمخارج والمقترحات والآفاق الواسعة التى ندرك بها عصرنا، ويكون لنا بها موضع قدم بين الأمم والشعوب، ومفاتيح العلوم والحضارة كانت هنا على أرضنا.
 
فالإنسان المصرى قوى النفس، قوى الإرادة، قوى العقل، مؤسساته قوية، عنده تاريخ أزهرى مجيد جعل مصر قلب العالم الإسلامي، وصدرت علوم الإسلام حتى إلى البلد الذى نزل فيه الإسلام، وعنده الكنيسة المصرية التى هى المركز الروحى للمسيحيين فى إفريقيا، وعنده جيش وطنى شامخ وباسل وقوي، وعنده مفكرون، وعلماء، وعباقرة، وخبراء، فى مختلف ميادين المعرفة، مما يجعله قادرا على اجتياز أزماته ومشكلاته مهما يكن حجمها لأنه يمتلك القدرات الذاتية الهائلة والتى هى مفتاح الحل.
 
ولقد زحف التتار من قلب آسيا، وهم الأشداء المتحجرون الشداد القساة، فما تركوا مملكة ولا سلطنة من ممالك المسلمين إلا اجتاحوها، ونشروا فيها الخراب، وهدموا ما فيها من صروح الحضارة، والمراصد الفلكية العظيمة التى ترصد أجرام السماء، وبددوا دور الكتب ومراكز العلم والمعرفة، وهدموا الأبنية والمدارس والمساجد المشيدة على أصول هندسية عبقرية حتى تكاد تشابه جامع السلطان حسن عندنا فى القاهرة، واستطار الشرر حتى اجتاح بغداد، عاصمة الدنيا يومئذ، واجتاحوا الشام، إلى أن طرقوا أبواب مصر، ومصر حينئذ فى انقسام وتشتت، فتجددت سنة الله تعالى فى مصر، بأن تنبعث فى أشد أوقات ضعفها، وبعد أن يظن الجميع ظنا محققا أنه لا قيامة لها، فيخرج جيش مصر العظيم، إلى عين جالوت، ليلحق بجيش التتار العاصف المرعب أول هزيمة قاسية فى تاريخه، فينكسر شرهم، ويزول طغيانهم، وتبقى مصر.
 
 
 
*نقلاً عن الأهرام

عن الكاتب

فريق التحرير

محررو الموقع

المقالات المتعلقة

قصص الأنبياء

د. محمود السقا يكتب: "في رحاب الأنبياء".. يوسف أمين خزائن مصر

بقلم : فريق التحرير

رأينا فيما سبق القول والبيان ترديداً لقوله تعالى عن «قصة يوسف» (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن) ورأينا كيف أن إخوته أجمعوا على قتله «اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخلُ لكم وجه أبيكم» ورأينا كيف انتصر رأى الفرد الحكيم على رأى الجماعة «قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه فى غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة».

إفهم دينك صح

عمرو خالد يكتب: البساطة.. طريقة حياة

بقلم : عمرو خالد

كلما كانت طريقة الحياة بسيطة خالية من التعقيد، والمظاهر المبالغ فيها، كلما قادت الإنسان إلى الوصول لهدفه من أقصر الطرق، لأنه سيكون وقتها فى قمة تركيزه، ولن ينشغل بما يبعده عن هدفه الأساسى؛ فالبساطة لا تعنى السذاجة، أو التقشف، بل هى طريقة تفكير سهلة مريحة تثمر عن إنسان سهل متعايش «المؤمن هين لين سهل»، وفى الوقت ذاته إنسان مبدع، لأن الإبداع فى القدرة على التبسيط.. وليس فى التعقيد.

الدين للحياة

أسامة الأزهري يكتب: المستشفيات والحضارة

بقلم : فريق التحرير

ذكر المؤرخ المقريزى أن أول مستشفى تأسس فى الإسلام فى عهد الخليفة الأموى الوليد بن عبد الملك، الذى حكم من سنة 86هـ إلى سنة 96هـ، (سنة 705م إلى سنة 715م)، وكان هذا المستشفى متخصصًا فى الجذام، وأنشئت بعد ذلك المستشفيات العديدة فى العالم الإسلامي، وبلغ بعضها شأوًا عظيمًا، حتى كانت هذه المستشفيات تُعدّ قلاعًا للعلم والطب، وتُعتبر من أوائل الكليات والجامعات فى العالم.