الدكتور محمد مختار جمعة يكتب: ثنائيات لا تناقض فيها

هناك ثنائيات يظنها بعض الناس متناقضة، لما قد يتوهمه البعض من تقابل ظاهرى بينها، غير أنها ليست كذلك، نذكر منها:

• الدنيا والآخرة، فالدنيا ليست نقيضًا للآخرة، فما أجمل أن نعمر الدنيا ونربح بعمارتها الآخرة، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحِ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ»، ويقول (صلى الله عليه وسلم) : «إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِى مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ فِى مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لاَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلاَ يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالاً وَلاَ عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِى مَالاً لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ».
• الغنى والزهد، فقد قال العارفون من العلماء: ليس الزاهد من لا مال عنده، إنما الزاهد من لم تشغل الدنيا قلبه ولو ملك مثل ما ملك قارون، وقد سئل الإمام أحمد بن حنبل (رحمه الله): أيكون الرجل زاهدًا وعنده ألف دينار؟ قال: نعم، إذا كان لا يفرح إذا زادت، ولا يحزن إذا نقصت.
• الأخذ بالأسباب وحسن التوكل على الله (عز وجل)، فالتوكل الحقيقى هو القائم على حسن الأخذ بالأسباب، وشتان ما بينه وبين التواكل الذى يركن صاحبه ركونًا خاطئًا إلى القدر مع إهمال الأسباب، وقد كان سيدنا عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) يقول: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقنى وقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة .
• الخوف والرجاء، فالإنسان يجب أن يكون على حال بين الرجاء والخوف وإن غلب أحدهما على الآخر، غير أن أحدهما ليس نقيضًا للآخر، فالأمل المفرط قد يدفع إلى التراخى، والخوف المفرط قد يجنح بصاحبه إلى اليأس والقنوط .
• القوة والرحمة، شريطة أن نضع الرحمة فى موضعها والقوة فى موضعها، يقول سبحانه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.
على أننا يجب أن نفرق بين الرحمة وبين الضعف والجبن والخور من جهة، وبين القوة فى الحق وبين التشدد والتكلف والتنطع والشطط الذى قد يصل إلى حد التطرف والإرهاب من جهة أخرى .
• الإنسانى والمهنى، ذلك أن الإنسانى قد يطغى عند بعض الناس على الواجب المهنى، وبما قد يخل بالواجب المهنى أو الوظيفى، وقد يطغى المهنى على الإنسانى فيخسر القائد أو المدير أو المسئول قلوب وعقول كل من حوله، لافتقاد البعد الإنسانى، وكلاهما لا يؤدى إلى الإنجاز بإخلاص على الوجه الأكمل، فما أجمل أن يخلق القائد أو المدير جوًا من المودة والرحمة فى نطاق مسئوليته، فيعمل الناس بحب وتفان وبما لا يخل بواجبهم المهنى أو الوظيفى، ومن شذ عن السياق فلا يلومن إلا نفسه.
• الثقة والمتابعة، حيث يعتمد بعض الناس على مبدأ الثقة المفرطة، فلا يحسن متابعة ما كلف به اعتمادًا منه على الثقة فيمن استعان بهم، وقد تصل درجة المتابعة إلى حدود الشك والارتياب فى كل شيء، فالأول تفريط والآخر إفراط، ذلك أن المتابعة لا تعنى الشك، وأن الثقة لا تعنى عدم المتابعة، إنما الأمر فى حسن التوازن ووضع كل شيء فى موضعه وبالقدر الذى يناسبه .
• الرجل والمرأة، العلاقة بين الرجل والمرأة ليست علاقة تناقض أبدًا ولن تكون، إنما هى علاقة تكامل، حيث يقول الله سبحانه : «وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ».
• الشباب والشيوخ، العلاقة بين الشباب والشيوخ ليست علاقة صراع ولا إقصاء، ولن تكون، ولا يجب أن تكون، إنما هى علاقة تكامل، فالمجتمع فى حاجة إلى جهود جميع أبنائه خبرة الشيوخ وطاقة الشباب.
• الدين والدولة، العلاقة بين الدين والدولة ليست علاقة عداء ولن تكون، ولا يجب أن تكون، فالدولة الرشيدة إنما هى صمام أمان للتدين الرشيد، والتدين الرشيد لا يمكن أن يتصادم وبناء دولة ديمقراطية حديثة على أسس وطنية وإنسانية راسخة.

عن الكاتب

فريق التحرير

محررو الموقع

المقالات المتعلقة

الدين للحياة

الدكتور شوقي علام يكتب: الخلل فى تناول المفاهيم «التشـدد»

بقلم : فريق التحرير

يدور التكليف فى شريعة الإسلام على الرفق والتيسير ورفع المشقة والحرج؛ مراعاةً لأهلية المكلف واستطاعته البشرية حتى يُؤدِّى الناس ما عليهم من حقوق الله تعالى وحقوق العباد والخلق بطريقة لا تذهب بهم مذهب التشدد والغلو، ولا تميل بهم إلى الانحلال والتفلت، وبذلك كانت وصية النبى صلى الله عليه وسلم بقوله: «إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ، إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ»

الدين للحياة

وزير الأوقاف يكتب: قضية ورأي - حديث معاذ عمدة الاجتهاد

بقلم : فريق التحرير

عندما بعث النبي (صلي الله عليه وسلم) سيدنا مُعَاذ بن جبل إِلَي الْيَمَنِ قَالَ لَهُ : » كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ »‬، قَالَ : أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ : »‬ فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ في كِتَابِ اللَّهِ؟ »‬. قَالَ : أَقْضِي بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ–صلي الله عليه وسلم -. قَالَ : »‬ فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ في سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ »‬. قَالَ : أَجْتَهِدُ رأيي لاَ آلُو. قَالَ : فَضَرَبَ بِيَدِهِ في صدري وَقَالَ : »‬ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ »‬، والمراد بقوله : »‬لا آلو»‬ أي لا أقصر في الاجتهاد والنظر في المسألة.

الدين للحياة

يا فرحتنا بالحبيب المصطفى.. بقلم رمضان البية

بقلم : فريق التحرير

لم يشهد التاريخ البشري ولن يشهد إنسان يحمل معاني الإنسانية كاملة بكل ما فيها من قيم إنسانية نبيلة ومكارم أخلاق وفضائل ومحاسن واحدًا كرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، فقد اكتملت فيه كل المكارم والفضائل، وإلى هذه الحقيقة التي لا مراء فيها والتي شهد لحضرته بها القاصي والداني، أشار إليها صلى الله عليه وسلم بقوله: "أدبني ربي فأحسن تأديبي"، نعم، فهو المتأدب بالآداب الربانية، والمتخلق بالأخلاق القرآنية، وصدقت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها إذ قالت عنه: "كان خلقه القرآن"، وصدق الصحابة الكرام، إذ قالوا عنه صلى الله عليه وسلم: "كان قرآنا يمشي على الأرض".