دعوة للتعايش
أقوال الصحف
صناع الحياة
حتى يغيروا ما بأنفسهم
مقالات صحفية
حوارات صحفية
الأخلاق
محاضرات من مؤتمرات
عن عمرو خالد
مؤتمر لندن 2005
خطوة بخطوة على طريق الجنة
خواطر قرآنية
مؤتمر الدنمارك 2006
باسمك نحيا
زيارة أمريكا 2007
ثقافي (قلم وورقة)
تزكية (حي على الفلاح)
اجتماعي (حياتنا)
تنمية بشرية (أنت أفضل)
الجنة في بيوتنا
الجنة في بيوتنا
بيانات وأحداث
قصص القران 2
زاد المؤمن
مهارة الأسبوع
الحوار الشهري
رمضان 1430
كيف تبدا حديثك بأسلوب مؤثر
أخبار مجددون
المجدددون الـ 16
مشروع عشرة آلاف كتاب
الحلقة الواحدة والعشرون
نصوص الحلقات والمحاضرات>دعوة للتعايش
التقيم الحالى لهذا المقال بناء على 19 رأى

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي رسول الله صلي الله عليه وسلم. أهلا بكم في حلقةٍ جديدة من دعوة للتعايش. تحدثنا من قبل عن التعايش بين الزوجين، وبين الآباء والأبناء، وفي العراق ولبنان، وبين المسلمين والغرب، لكن هذه الحلقة، والحلقة السابقة قد خصصت للتعايش بين المتدينين من المسلمين بعضهم مع بعض، وبين المذاهب الإسلامية المختلفة وهذا هو هدف الحلقتين.  تعودنا في الحلقات السابقة استضافة فقيه نشأ وتعلم في مركز كل مذهب إسلامي كاستضافتنا لفقيه في المذهب المالكي من المغرب العربي، وفقيه في المذهب الحنبلي من لبنان، وضيفنا هذه الحلقة قادم من مركز مدرسة الإمام أحمد بن حنبل - وهو المملكة العربية  السعودية- وهو الدكتور سعد بن مطر العتيبي، وهو أستاذ بجامعة محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وعضو هيئة التدريس بقسم السياسة الشرعية بالمعهد العالي للقضاء.

 

أ. عمرو: نحن سعداء باستضافة عالم متخصص في المدرسة الحنبلية، والمدرسة السعودية. فقد بدأنا مع سيادتكم الأسبوع الماضي، وأنا أفضل أن أبدأ اليوم بمراجعة نقطة مهمة قيلت الأسبوع الماضي، كما أفضل أن تكون بدايتنا للحلقة بداية صريحة، وما أود مراجعته هو أنه هناك سؤال أو علامة استفهام مصدرها الغرب موجهة إلي الفقه الإسلامي - عموما- وموجهة بشكل خاص إلي مدرسة الإمام أحمد بن حنبل، وهي أن الفقه الإسلامي - وهذه المدرسة بالأخص- سبب جمود المسلمين، وأن بدايات الفكر الإسلامي العنيف هو هذه المدرسة. هذه الادعاءات نتجت عن ترويج الغرب لها كنتائج لأبحاث قاموا بها. السؤال الآن ما هي رؤيتنا لهذا الكلام؟

 

د. سعد: أولا بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي أشرف الأنبياء المرسلين نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وعلي آله وأصحابه أجمعين. أولا أشكرك علي الاستضافة، أريد أن تأذن لي فأنت وصفتني كفقيه وهذه كلمة كبيرة جدًّا، وأنا أعرف أنها ليست لي وخاصةً عندنا في المملكة والمغرب ومصر، فأنا طالب علم لبعض الفقهاء الدارسين للمدرسة الحنبلية - وليس أكثر- وإن كنا لا نتقيد بالمذهب الحنبلي إلا في أصوله كما تعلمنا وهي المنهجية المعروفة. بالنسبة للغرب وما يتعلق بسؤالك فليس غريبًا أن يتكلموا عنا؛ لأن هذه الأمور واضحةً في القرآن، وذُكرت في القرآن فيقول الله عز وجل: "وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ..." (البقرة:120) وأيضا: "... وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ" (النساء:44) "وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ..." (النساء:45 يقول القرآن: إنهم أعداؤنا، وهذه حقيقة، ولكن علينا ألا نغفل أيضًا ما قاله الله عز وجل - في موضع آخر- حين قال: "لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ..." (آل عمران:113أي أنهم - كلهم- ليسوا أعداءً لنا، وعندما تكلم الله سبحانه وتعالي عن النصارى قال: "لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ..." (المائدة: 82) لماذا هم أقرب مودة؟ يكمل الله عز وجل ويقول: "ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ" (المائدة: 82).

 

أ. عمرو: أعتذر لمقاطعتك لكن هذه نقطة خطيرة للشباب، ويجب أن نتوقف عندها وهي أنه علي الرغم من أننا نتكلم عن رد ضد شبهة مصدرها أعداؤنا في الغرب لكن وفي الوقت نفسه عندما بدأت الحديث - وهنا أوجه حديثي إلي الشباب والمتدينين- لم نضع علامة خطأ علي كل الغرب فهذه نقطة مهمة جدًّا، وهي أنهم ليسوا سواءً؛ فلا نضع كل الغرب في سلة واحدة ونقول عنهم: هذا هو العدو الذي يقول عنا كذا وكذا، ولذلك نجد المنهج القرآني دائما ما يقول:  "منهم"، "ومنهم" كقول الله عز وجل: "وَمِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُّؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِنْ ..." (آل عمران:75).

 

د. سعد: هكذا علمنا القرآن، فيقول الله عز وجل: "لَيْسُوا سَوَاءً ..." (آل عمران:113) وقال: "... وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلي أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ..." (المائدة:8). هذه شريعتنا حتى ولو كنا نتعامل مع عدو. عودة إلي سؤالك عن الغرب فيجب معرفة أنه ليس الغرب وحده  فهناك شرق بل هناك في الداخل للأسف من يتبنى الأفكار نفسها، وكأنه ليس من الأمة، نحن هنا لا نتكلم عمن يخطأ، لكن للأسف قد تجد بعض أبنائنا من الداخل يكتب أفكارًا غير صحيحة، ويتلقفها الغرب علي أنها أخبار صحيحة مصدرها مسلم بينما في حقيقة الأمر، هو شخص يحارب القرآن والسُّنة. وعودة أخرى إلي قضية الغرب، فهم أعداءٌ للإسلام بصفة عامة وللمدرسة الحنبلية بصفة خاصة، وحتى نعرف السبب وراء هذا فلنعود إلي زمن الاحتلال والاستعمار البريطاني للهند؛ ففي تلك الفترة، بدأت بعض الحركات الجهادية في الهند للتحرير من الاستعمار، وكانت جذور هذه الحركات تأتى من الشيخ محمد بن عبد الوهاب فالقضية قضية الجهاد وعدم الرضا بالمحتل. فقضية دفع المحتل مسألة في الجهاد، هل هذه القضية خاصة بالحنابلة فقط؟ لا،  بل هي قضية من ثوابت الفقه الإسلامي في جميع المذاهب، فقضية الأمة التي تواجه أعداءها، ولا تقبل أن تهان، وتذل لا تخص الحنابلة وحدهم، لكن لأن جذور هذه الحركات التحريرية ارتبطت باسم الشيخ محمد بن الوهاب، فقد أخذ المستشرقون كلمة "الوهابية" من مصادر تراثية. كان فقهاء المغرب وعلماؤها يتكلمون عن فرقة اسمها "الوهابية" وهي فرقة سابقة علي الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهي فرقة يصنفها علماء الإسلام علي أنها فرقة وصلت إلي درجة الزندقة، فحُكم عليها أنها فرقة ليست من الإسلام في شيء كحكم الإسلام علي البهائية مثلاً. وجد الاستعمار أن هناك فتوى بمحاربة الوهابية فحتى يعمم هذه الفتوى فأخذ  مصطلح الوهابية هذا - الذي ظهرت فيه هذه الفتاوى- والذي سبق الشيخ محمد بن عبد الوهاب وروج له وأتى ببعض الفتاوى التي تتحدث عن تلك الحركة وجعل لها شأنًا ونشرها في الهند بهدف أن تَحِدَّ وتخفف من حدة الدفاع والمقاومة ضد المحتل، فانتشرت بهذه الطريقة الكتابات التي تحثُّ علي محاربة الوهابية. القضية في الأصل هي قضيه جهاد لمحتل، ونحن نقول إن الجهاد ليس خاصاً بالحنابلة - فقط - بل هو قضية عامة ونقول لهم أيضا اقرأوا عن الجهاد كما هو وكما يقرره الحنابلة وغيرهم. فهناك دفع للعدوان، وإزالة للعوائق التي تحُوُل بين الناس وحريتهم في اختيار الدين وهذه أشياء موجودة ومقررة حتى في القانون الدولي، فهي ليست قضية جديدة، والجهاد الذي يسمى عندنا بـ "جهاد الطلب" موجود بالفقه الإسلامي، وهو - في حقيقته- الجهاد الذي يزيل العوائق التي تحول بين انتشار الدعوة. نحن نسمع الآن عن الحرب الوقائية، فأمريكا غزت العراق باسم "الحرب الوقائية" هذه الحرب هي "حرب طلب"؛ فهناك الكثير من المغالطات التي يجب عليهم إعادة الدراسة بشأنها؛ فالجهاد في الإسلام شيء عظيم جدًّا، فالمرأة النصرانية في الإسلام لا تُقتل، والطفل لا يقتل، والراهب في صومعته لا يقتل، يُقتل فقط  من يعادى حتى ولو وافق علي دفع الجزية والتي لا تساوى شيئًا للمسلم إذا ما قورنت بالزكاة.

أ. عمرو: وبالتالي يا دكتور، لا يوجد فقه حنبلي ولا أي فقه إسلامي يُجيز قتل المدنيين بشكل عشوائي ودون ضوابط.

 

د. سعد: لما رأي سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم امرأة مقتولة فقال: من قتلها؟ فقد استنكر أن تُقتل امرأة؛ لأنه لا يقتل إلا المقاتل. فقد قرأت لبعض الكُتّاب الغربيين وبعض الكتاب الأقباط كلامًا جميلاً جدًّا عن قضية الجهاد في الإسلام - والمنصف في كل الأحوال سيقول الحقيقة- ولكن نأتيهم بطريقة أخرى ولنسأل من الذي وراء مشاكل العالم؟ ومن الذي وراء فلسطين؟ ومن الذي أعطى وعد بلفور؟ فالذي منحه لا يملك ما مَنَح وأعطى، هل هذا من العدالة؟! وهناك قضية الحرب الاقتصادية علي كل مكان يكون فيه دعوة للإسلام، وهناك أيضا سبٌّ وشتم النبي محمد صلي الله عليه وسلم، يقول الله سبحانه وتعالي : "وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ..." (الأنعام:108) فالنبي محمد صلي الله عليه وسلم شخصية مقدسة عند المسلمين، فكيف يهان؟! وللأسف من يتكلم عنها بهذا السوء أناس غير عاديين، وإذا كان هناك بعض الشباب الصغار الذين يقومون ببعض الأعمال التي لا نوافق عليها فما بالك إذا كان من يهين النبي صلي الله عليه وسلم هم عقلاؤهم وكبارهم، فهذا كلام خطير جداً.

 

أ. عمرو: إذا كنت تتكلم عن التعايش، فمن ذا الذي يهدم هذا التعايش؟ ولننتبه أننا نتكلم في نقطة أخرى هي أيضًا خطيرة؛ ألا وهي أنهم يقولون إن الفقه الإسلامي والفكر الإسلامي هو سبب جمود المسلمين - مع العلم أن الكثير من بنود القوانين الوضعية مستمدة من الفقه الإسلامي-.

 

د. سعد: أحسنت هذا صحيح. هناك أحد علماء الأزهر - والذي تخرج أيضًا في السوربون- وهو السيد عبد الله حسين القدسي رحمه الله ألَّف من أكثر من سبعين عامًا كتابًا اسمه "المقارنات التشريعية" مكونًا من أربع مجلدات، وقد قدم للكتاب قدم  فضيلة مفتى مصر الشيخ "علي جمعة" وأثبت الكاتب فيه ما تقوله أنت؛ فهناك مواد في القانون الفرنسي مأخوذة من الفقه المالكي، فقد فند فيه جذور كل مادة علي حدة. فنحن لا نقول إنهم أخذوا عنا بعضا من قوانينهم مدفوعين بالعاطفة ولكن بالدليل العلمي. هذا النقل  في التشريع الذي يهاجمونه فما بالك بالقضايا الأخرى التي يعترفون بها كالعلوم التجريبية وكالطب والهندسة. لما ينقلون عنا ثم يأتون الآن وينتقدون المصادر التي أخذوا منها؟! هذه قضية أخرى.

 

أ. عمرو: يسأل الغرب أيضا ماذا أضاف الفقه الإسلامي ككل وليس الفقه الحنبلي بوجه خاص إلي البشرية في العصور المتأخرة؟ يقول الغرب أنتم تتحدثون عن الأئمة الأربعة وعن إضافاتهم وكيف أن الشافعي أضاف إلي نضج الفكر الغربي، وأن محمد بن الحسن هو أساس القانون الدولي .. إلخ. ولكن ماذا أضاف الفقه الإسلامي في العصور المتأخرة؟ لم يضف شيئا. ولذلك هم يقولون أن الفقه هو سبب الجمود.

 

د. سعد: هذه دعوة لفتح القضية. هذا كلام غير صحيح علي الإطلاق، ولو صَحَّ لسلمت الأمة الإسلامية من الاستعمار الذي جلس علي صدر العالم الإسلامي قرنين من الزمان تقريبا، ولكنا رأينا شيئًا آخر. فهم الذين قطعوا المرحلة التاريخية في تطور العلوم الإسلامية، ومع ذلك لم تنقطع بل تواصلت والدليل أنه خرج لنا سبعين مليون مسلم من الاتحاد السوفيتي بعد سقوطه الذي كان  يحكم الناس بالحديد والنار قبل سقوطهً.

 

أ. عمرو: صحيح، فنحن لم نكن ندرى بوجودهم من الأساس.

 

د. سعد: سبحان الله! ذكرتَ القانون الدولي وجروتيس وهو عندهم  أبو القانون الدولي حيث إنه قد درس في الأندلس علي يد أستاذ في أحد الجوامع، وقرأ كتاب قانون الجهاد فأخذ هو عنا ووضع كتابا سماه: "قانون الحرب والسلام" فأنا قد سمعت مباشرةً أستاذًا في جمعية الصليب الأحمر، والهلال الأحمر ذكر أن هناك رسالة دكتوراه في سويسرا تتحدث عن القانون الدولي الإنساني المأخوذ من الفقه المالكي واستشهد مؤلفها بمعاملة عبد الله القادر -رحمه الله- للأسرى في الجزائر إبان الاحتلال الفرنسي لها فقال عنه إنه كان يتعامل مع الأسرى معاملة غير معتادة حتى إن بعض الأساتذة - وبعضهم من علماء الاجتماع- قال إن هذه العاملة تستحق أن تدرس؛ لأن الحروب التي قامت بين النصارى في أوروبا تجلت فيها وحشية شديدة  في التعامل مع الأسرى، وكان هذا هو السبب - فيما بعد- لظهور قانون دولي إنساني. أستشهد بهذا الكلام لأثبت أن لدينا البراهين العلمية التي تثبت أنهم نقلوا وأخذوا عنا، وأننا لا نقول هذا الكلام مدفوعين بالعاطفة. إذا ذهبت إلي المكتبات الكبرى مثل مكتبة الكونجرس ستجد أن أكثر الكتب التي ألفت في القانون هي الكتب الإسلامية.

 

أ. عمرو: نحن نتكلم عن دعوة للتعايش، ولكن ينبغي علي من يتعايش أن يكون لديه ثقة في منهجه. أقول هذا الكلام لأني أجد أن كثيرا من المسلمين - في وقتنا الحالي- قد تأثروا بدعاوى أن الإسلام هو سبب الإرهاب، والحرب والعنف، وأن الإسلام لم يضف شيئا للإنسانية، وأن الفقه الإسلامي جامدا مما أثر سلبًا علي المسلمين. كل هذه الدعاوى جعلت بعض المسلمين يخفضون رؤوسهم وينكمشون. أريد أن أقول: لا يا إخواني، فديننا دين عظيم وإذا أمر بالجهاد - وهو قد أمر بالجهاد ولا نستحي من ذلك؛ لأنه أمر به ليس للاعتداء- فهو لم يأمر بذلك إلا لحفظ الدين، وحفظ الأرض والعرض، وتحقيق العدل في الأرض. والأصل في هذا الدين هو تحقيق الدعوة للسلام؛ فدين الإسلام  دين الحق، ودين السلام كما أنه أضاف إلي البشرية الكثير والكثير حيث نقلت وأخذت عنه العلوم الحديثة، فلا ينبغي أن نشعر بأي نوع من الخجل حتى نستطيع أن نتعايش.  أقول للغرب: كيف تريدنا أن نتعايش ونحن مسلوبين الإرادة في حبنا لما نتعايش به؟! هل هناك اثنان تعايشا مع بعضهما البعض حتى ذابا وأصبحا شخصا واحدا؟ فالتعايش ليس معناه الذوبان ولكن معناه طرفان استطاعا أن يتكلما سويا، واستطاعا أن يتفاهما مع بعضهما البعض. 

 

أ.عمرو: ما هي أصول مذهب أحمد بن حنبل؟

 

    د. سعد: تجد أن أي كتاب يتكلم عن المذاهب الأربعة يحدد أصول المذاهب الأربعة وهي:

1.       الكتاب.

2.       السنة.

3.       القياس.

4.       الإجماع.

فتجد أن المصادر والأصول متفق عليها في كل المذاهب الإسلامية، ثم نأتي إلي ما بعد ذلك، فنجد أن الإمام أحمد بن حنبل متميز، فهو ينظر بعد السُّنة في خطاب الصحابة رضي الله عنهم، فإذا وجد شيئا للصحابة اتفقوا عليه عمل به ويسميه إجماع، والإجماع هو الشيء الذي اتفق الناس عليه، ولا يُعلم فيه خلافا.

 

أ. عمرو: وإذا وجد اختلافا بين الصحابة في مسألة؟

 

د. سعد: إذا وجد اختلافا يبدأ الإمام أحمد بن حنبل بالترجيح؛ أي النظر إلي الأدلة، ويعود لما هو أقرب إلي النص القرآني والنص النبوي. وإذا اتفق الصحابة فيأخذ برأيهم حتى ولو قاس عليه. كما يلجأ إلي القياس عندما لا يجد نصا مباشرا، فهناك قاعدة عامة في كل الفقه الإسلامي وهي أنه: "لا تخلو مسألة في الدنيا من حكم شرعي"، وقد يكون الدليل عليها آيةً، أو حديثا نبويا، أو قياسا، أو إجماعا، أو قواعد كلية.

 

أ. عمرو: هذا يعنى أن الشريعة الإسلامية، أو القرآن صالح لكل مكان وزمان، وستجد أصلا لكل ما تحتاجه الأمة إلي يوم القيامة في كتاب الله عز وجل.

 

د. سعد: هذه عقيدة راسخة ولا يجوز أن يُظن غير ذلك، فالله سبحانه وتعالي يقول: "... اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ..." (المائدة:3) فقد اكتمل الدين وهذا هو الواقع، وقد جعل الإمام أحمد بن حنبل الأصل في الأشياء هو الإباحة.

أ. عمرو: هذه نقطة مهمة جدا، وذلك عندما نقول إن الإمام أحمد بن حنبل جعل الأصل في الأشياء هو الإباحة ما لم يرد نص بالتحريم، وهذا يؤكد أن الفقه في أساسه قائم علي التيسير، وأن الأصل ليس هو التحريم، ولكننا  للأسف نجد أن هناك الكثير من الناس - وبعضهم قد يكون علي مذهب الإمام أحمد بن حنبل- ينظر إلي الأمر من بُعْد الحرام، ثم يبحث عن الحلال، أوهذا مخالف لكلام أحمد بن حنبل لأنه قال عكس ما يفعلونه وقوله هذا من القرآن. يقول الله عز وجل: "قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ..." (الأنعام:151 وهذا يعنى أن كل ما هو دون المحرمات التي ستتلى فهو حلال. أهذا صحيح أم لا؟

 

د. سعد: يقول الله عز وجل: "هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ..." (البقرة: 29) فهذا هو الأصل؛ وهو أن لكم كل ما خلقه الله إلا ما قال الشارع عنه إنه حرام، وسبحان الله عز وجل فهو عندما يمنع شيئا يفتح آخر في الحلال، فهو حرّم الخمر وأباح العصير الذي ليس لأنواعه حدود وعندما حرم لحم الخنزير لضرره علي البشر أحلّ كل أنواع اللحوم في البر والبحر، وبالمثل في جانب التعاملات فعندما تأتى إلي معاملة جديدة لم تكن معروفة من قبل مثل عقد المقاولات، فحكم هذا العقد هو حكم القاعدة العامة دون أية مشاكل، ولكننا ننظر فقط هل هناك شروط تخالف الشرع أم لا؟ أما الأصل فهو الإباحة. وفي الحقيقة، هم يقيدون الأشياء بالمنافع، فهناك ضوابط أخرى كالأصل في الأنكحة التحرير، والأصل في قتل الأنفس التحرير، حتى الإيذاء الذي هو صورة من صور عدم التعايش كأن يسب أحد الآخر أو يقتله الخ، مع أن الله سبحانه وتعالي قال: "وِالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا" (الأحزاب:58) فالإيذاء عند الله أمر خطير جدا بينما أصبح طبيعيا في حياتنا، وفي معاملتنا، فنُقدِم عليه ولا نستشعر جرمه عند الله سبحانه وتعالي، فالإنسان قد لا يكترث إذا ما جرح مشاعر الآخرين لكن هذا إثم وبهتان عظيم عند الله سبحانه وتعالي.

 

أ. عمرو: ما هي طريقة الإمام أحمد بن حنبل في الفتوى؟

 

د. سعد: كان الإمام أحمد بن حنبل لا يحب أن يقول حلالا أو حراما مباشرةً ويبتعد عن كلمة "حرام" ولكن يأتي بتعبيرات؛ فهو لا يحب أن يقول كلمة "حرام" مباشرة، بل كان يأتي ببعض التعبيرات غير مباشرة - كما يجرؤ بعض الناس- وذلك حتى يراعى أن هذا الذي أمامه ليس مجرد سائلاً لديه قضية في المحكمة ووكل الإمام أحمد كمحامٍ يريد أن يجد له مخرجا، بل هو إنسان يريد أن يتعلم كيف يصلح العلاقة بينه وبين الله سبحانه وتعالي؟ فيأتي شخص ويسأله مثلاً: ما تقول في صلاة الوتر؟ فلم يرد الإمام أحمد بأنها سنّة ولك ثوابها إن فعلتها وليس عليك شيئا إن لم تفعلها، بل قال له: "لا يتركه إلا رجل سوء." انظر الاتجاه والطريقة في التربية؛ لأنه لو قال له إن صلاة الوتر سنة فربما لا يصليها الرجل، ولكنه أراد للرجل أن يعمل بهذا العمل ويؤجر ليجد لنفسه في الآخرة كمًّا هائلا من الحسنات، وهكذا عندما جاءه شخص لديه ولع بالفنيات والأدب والأناشيد ويسأله عن حكم النشيد، فلم يرد عليه الإمام أحمد أنه حلال أو حرام، بل سأله مستفسرا عن كلمات النشيد ليعرف هل هي كلمات مشروعة أم لا؟ فلما وجدها كلمات جميلة ورائعة أخذ هو نفسه بالنشيد، وكان هذا هو الجواب الكافي في هذه الحالة. عندما اشتهر الإمام أحمد كانت تأتيه الناس من كل مكان في العالم: من مصر، وخرسان، والعراق، والحرمين، ومن اليمن إلي درجة أنه روى أن امرأتين من المجوس ذهبتا إلي قاضٍ ليحكم بينهما فحكم القاضي لإحداهما علي الأخرى، فقالت التي حُكم عليها إنه إذا كان الحكم على مذهب أحمد فأنا راضية، وهي في الأصل غير مسلمة، وهذا يعنى أن ديانة الرجل، وخلقه جعلت حتى غير المسلم يثق في حكمه.

 

أ. عمرو: أنا متفهم لهذه المعاني التي تقولها وأنها تميل إلي هذه الرؤية وهذه السعة، ولكن أحيانا يكون من الأتباع من يريد فرض بعض أراء أحمد ين حنبل علي الكل، وأنه لا يصح مخالفة الإمام أحمد بن حنبل في مسألة، فما رأيكم؟

 

د. سعد: حقيقةً، هذه مشكلة في العالم الإسلامي وليست مشكلة مع أتباع الإمام أحمد فقط. أنا أذكر أحد الغربيين الذين أسلموا وطاف علي العالم الإسلامي، فمر علي الهند وصلي صلاة في مسجد فسأله أحد الأشخاص إن كان شافعيا أم حنفيا؟ فردّ عليهم بأنه مسلم، فقالوا له إن صلاته ليست علي طريقة أبى حنيفة ثم سافر هذا الغربي المسلم إلي العراق ودخل المساجد، ووجد المشكلة نفسها مما جعله يتعجب من هذا الأمر. كان هذا منذ زمن ولكنى أظن الآن أنه مع الانفتاح الإعلامي، ومخاطبة العلماء والدعاة المتميزين صار الأمر أكثر تقاربا. تعجبني كلمة لبعض العلماء وهي تقول: "كلما قَلّ علم الشخص، ضاق أُفقه، وظن أن الحق هو هدفه، ولكن عندما يتسع علمه يدرك

أن الدنيا واسعة.

 

أ. عمرو: نحن نجد أن كبار العلماء أكثر تيسيرا وسعةً أكثر من طلاب العلم الصغار.

 

د. سعد: هذا صحيح، وهذا يشهد له التاريخ؛ ففي المذهب المالكي نجد كتابا في الفقه المقارن للإمام ابن عبد البر، وفي مذهب الحنفية نجد لبدر الدين العيني كتابا في الفقه المقارن.


أ. عمرو:
أن يكون هناك كتاب في الفقه المقارن، فهذا يعنى أنه يذكر آراء الآخرين، ويتكلم عن أراء الآخرين بسعة.

 

د. سعد: نعم فلابد من هذا. والعجيب أنه ربما يُرجح رأي غير رأي مذهبه وإمامه. ومثال ذلك: يقول ابن الهمام في كتابه "فتح القدير" وهو حنفي: "وهذا يخالف مذهبنا الحنفي والحق مع الجمهور"، ونجد للإمام النووي وهو شافعيّ في كتابه "المجموع" كلمات عجيبة جدا في نبذ الخلاف، فهو يرى أن القول الذي يخالف قول الإمام ولو كان نصًّا، وكان الآخر حديثا، فالحديث هو الحق ولا شيء آخر. ونجد كتاب "المغنى" للمُرفق أبو قدامة عند الحنابلة يذكر فيه كتابه جميع الآراء ثم يقول: "ورأينا هو هذا" مع أنه هو نفسه حنبلي.

 

أ. عمرو: هل يمكن لنا الآن أن نجد أحدا من علمائنا في المملكة العربية السعودية من يُرجح رأي مذهب آخر علي رأي مذهب الإمام أحمد بن حنبل؟

 

د. سعد: هذا هو الأصل والقاعدة عندنا في المملكة؛ فمثلاً المذهب الزيدي يتفق مع المذهب الحنبلي في الأصول، فهو يؤمن بالقرآن كاملاً وبالأحاديث و الصحيحين، والخلاف بيننا وبينهم في بعض المسائل العقائدية الأخرى، فهؤلاء عندهم شرطٌ أنه إذا بلغ العالم درجة الاجتهاد فيحرم عليه أن يقلد المذهب الزيدي ولابد أن يخرج من هذا الإطار. لذلك وجدنا منهم أئمة مثل الإمام الشوكاني والإمام الصنعاني وهو زيدي، ولكنهما لما عرفا الحق رجعا إليه وهذا الاتجاه نفسه موجود في المذهب الحنبلي، وهو إذا وصل الشخص إلي درجة الاجتهاد لا يتبع إلا بطريقة الاستدلال فقط. لذلك ابن تيمية - وهو المجتهد في المذهب الحنبلي- خالفت آراؤه الكثير من الآراء الحنبلية. وهناك أيضا مثالا عصريا وهو الشيخ ابن باز؛ ذلك عندما شرح أحد كتب الحنابلة أتى بعشرات الآراء المخالفة للمذهب، ويقول في بعض الأحكام الحنبلية: "هذا لا عبرة به؛ لأنه خالف النص، والنص في هذا صريح" وهذه المخالفات مسجلة بالصوت. هذا هو الواقع عندنا فدار الإفتاء عندنا لا تعتمد المذهب الحنبلي ولكنها تعتمد الدليل.

 

أ. عمرو: ولكن هذا يا دكتور لا ينعكس علي رؤية الشباب الصغير، فهدفي من كل هذه الأسئلة أن نعلم جميعنا أن المساحة التي يمكن لنا أن نتفق فيها مساحة كبيرة جدًّا، وهذا يجعلني أسألك هل المخالف في الفروع - وليس في ثوابت العقيدة- في المذهب الحنبلي مثل الجهر بالبسملة في صلاة الجماعة أو القنوت في صلاة الفجر، أو صيغة  التكبير في صلاة العيد، أو عدد ركعات صلاة التراويح أو شكل زكاة الفطر، هل يجوز في كل هذه المسائل إلزام أتباع مذهب فقهي مختلف عن مذهبي أتباع مذهبي وإلا يصبح مخطئا.

 

د. سعد: نقول في هذا إنه لا يجوز إلزام شخص يتبع مذهب معين علي اتباع مذهب آخر، وهذا عند الحنابلة أيضا ولكن الإلزام يكون بالأدلة.

 

أ. عمرو: دعني أعيد سؤالي بشكل أوضح، في مسألة حساسة مثل مسألة زكاة الفطر وكيفية إخراجها هل تكون في شكل صدقة من مال أم في شكل تمر؟ لأن هناك خلاف بين الأحناف والحنابلة، وكلاهما يستدل إلي الحديث نفسه، ومع ذلك فهما مختلفان في تفسيره. كنتُ في مكة في رمضان الماضي وتأثرت بشدة وسعدت بشدة بخطبة العيد والذي قال الإمام فيها: "والأولي عندنا أن تخرج تمرًا وزبيباً  ولكن حرصنا علي جمع الأمة نقول: وفي كلٍ خير". أنا متذكر أنى سمعت بأذنيّ هذا الكلام في الحرم المكيّ. الشاهد هنا هل إذا كان هناك رأي آخر معتبر والاختلاف في تفسير الحديث، هل يجوز لنا في هذه الحالة أن نقول أن هناك سِعة؟

 

د. سعد: بلا شك هناك سعة في الرأي الفقهي. ألّف الإمام أحمد بن حنبل كتابا وسماه كتاب "السعة" وجمع فيه الاختلافات بين المذاهب، ماذا أكثر من هذا؟! لكن وجود رأي آخر وله أدلته يعنى أنه كل ما علي الشخص الذي اقتنع بهذا الرأي أن يتبعه، ولكن لا يلزم الآخرين بإتباعه؛ لأنه لا يقول أحدٌ بهذا. هناك ميزة عند مجتهدي الحنابلة ألا وهي السور التي تعددت، وأخذت المذاهب بأطراف منها عملوا بها مجتمعة كدعاء الاستفتاح، فقالوا لماذا نقول كذا والآخرون يقولون شيئا آخر؟ بل يجب علينا أن ندعوا بهذا الدعاء تارة، وتارة أخرى ندعوا بالدعاء الآخر. وبالنسبة للجهر بالبسملة في الصلاة، فقراءتها جائزة لكن الالتزام بقراءتها لم يرد عن الرسول صلي الله عليه وسلم، وهكذا في مسألة القنوت فإذا ترك شخص صلاة الجماعة؛ لأن فيها قنوت عند الشافعية - لأنه يعتبر مبتدعا عند الإمام أحمد- ففي هذا قال الشيخ بن باز – رحمه الله- أن هذا الشخص يريد أن يفعل الحق فيرتكب أمرا لم يفعله الأوائل؛ لأنه ترك الصلاة كلها. أنا في الحقيقة، لا أجد الضيق عندنا في المذهب الحنفي. سئل الشيخ بن باز -رحمه الله- هل يجوز للمسلم أن يقول أنا شافعي أو أنا حنبلي؟ فكان رده أنه لا مانع من ذلك علي اعتبار أنه درس الدين علي هذه الطريقة، ولكن يجب علي هذا الشخص ألا يلتزم هذا المذهب في كل شيء، وإنما الأشياء التي خالف فيها الدليل يتركها.

أ.عمرو: ونحن نختم قصة الإمام أحمد، هناك سؤال يجب أن نسأله وهو هل يجب علي من يسمعنا الآن أن يتبع أو أن ينتسب إلي مذهب من المذاهب الأربعة؟ أم  يجب أن يكون علي مذهب الإمام أحمد بن حنبل؟ وإذا كان لا هذا ولا ذاك فماذا يكون؟

 

د. سعد: الحقيقة، إن الأفضل أن يكون المسلم علي المذهب الذي ارتضاه كلَ من هؤلاء. ورد عن الأئمة الأربعة: الإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أبو حنيفة والإمام أحمد أنهم قالوا: "كل رأي يخالف الكتاب والسنة فهذا ليس رأيي".

 

أ.عمرو: كأنهم يقولون نحن لا نتبع مذهب بعينه ولكن مرجعيتنا هي الكتاب والسنة.

 

د. سعد: ولكن هذا لا يمنع لفئة معينة -وهي طلبة العلم- التي تريد أن تتخصص في الفقه أن تدرس الدين علي أساس مذهب معين؛ لأنه - في ظني- ليس من السهل علي الطالب أن يتعلم الفقه بجملته هكذا، ولكن يجب عليه أن يدرس - أولا- علي أساس مذهبٍ معينٍ ثم ينتقل إلي بقيةِ المذاهب، ويجب عليه أن ينتقل إلي المذاهب الأخرى؛ لأن الحق لا يقتصر علي مذهبه فقط فهذه قضية مهمة جدا.

 

أ.عمرو: هذا الكلام موجها إلي فئة متخصصة في الدين، ولكن ما هو المسلك في حالة الشباب العادي الذي لن يتخصص كالمهندس، الدكتور أو ربة البيت؟

 

د. سعد: في الحقيقة أن هناك قضايا عامة والتي هي النظام العام، وهناك قضايا خاصة كأمور الإنسان في عبادته ومعاملته فعليه أن يسأل الأعلم والأكفأ.

 

أ. عمرو: إذا كان إمام المسجد الذي يصلي فيه المرء إماما محترما، ويوثق فيه، وفي علمه أو كان عالما في الأزهر بشكل أدق، هل يجوز أن يسأله المرء في أمور دينه؟

 

د. سعد: اشترط العلماء شرطين لصحة الفتوى وهما: أن يكون المسئول عالما، وأن يكون تقيًّا، فلا يكفي أن يكون عالما فقط، وأنت عندما تسأل عالما تقيًّا في أمر من أمور الدين تَبْرَأُ ذِمَّتُك.

 

أ. عمرو: يجب ألا ننسى أن نذكر المرأة، ونحن نتحدث عن الإمام أحمد بن حنبل، أنا سعيد جدًّا ببعض فتاوى الإمام أحمد بشأن المرأة، وأود أن أسردها سريعا وهي:

·         للمرأة أن تشترط علي زوجها ألا يتزوج عليها.

·         ليس علي الزوجة خدمة زوجها وإنما يكون هذا مكرمة منها، أو إذا كان هذا يوافق العرف وبرضاها.

·         إذا أراد المرء أن يحج عن أبويه إذا ماتا فليبدأ بالأم.

·         إذا دعت الأم علي ابنها وهو يصلي فحقَّ لها أن يجيبَها إذا كان يصلي صلاة تطوع.

 

د. سعد: كل هذا صحيح ويستند فيه الإمام أحمد لأدلة فمثلا النقطة الأخيرة التي ذكرتها، يستند فيها الإمام إلي قصة جرير، واستند في مسألة الحج عن الأم أولا إلي حديث: "أمك ثم أمك ثم أمك".

 

أ.عمرو: علي الرغم من أن الإمام أحمد شديد الزهد والورع إلا إنه قال إن للمرأة حق إلزام الزوج دفع نفقة إلزام مؤانسة؛ والمؤانسة تعنى عندنا مربية أو "دادا" إذا دعت الحاجة إلي ذلك. ما أود قوله هو أنه قال الكثير من الكلام الذي فيه تكريم للمرأة.

 

د. سعد: إذا نظرت إلي الشريعة الإسلامية ككل ستجد أن المرأة كُرمت.

 

أ. عمرو: ولكن المرأة ظلمت في العالم العربي باسم الإسلام.

 

د. سعد: وظلمت المرأة في العالم الغربي ظلما غير عادي.

 

أ.عمرو: هذا صحيح.

 

د. سعد: من أكبر خمسمائة شركة في أمريكا خمسٌ منها فقط تديرها النساء، وفي البرلمانات الغربية لا يوجد نسبة خمسين في المائة نساء وخمسين في المائة رجال.

 

أ.عمرو: ومرتبات النساء أقل من مرتبات الرجال ولكن هذا ليس مبررا لنظلم المرأة.

 

د. سعد: عفوا، التعامل مع المرأة مبنيٌّ على قاعدة العدل وليس المساواة؛ لأن المساواة ظلما لوجود اختلافات بينهم.

 

أ. عمرو: هذا صحيح.

د. سعد:  إذا طالبت المرأة أن تنفق علي الزوج - بينما هو جالس في المنزل- أو أطالب الزوج أن يحمل ويلد فهذا ظلم، فالحقيقة أن التعامل مع المرأة مبنيّ علي العدل وليس المساواة. الظلم الذي تعيشه المرأة في العالم الإسلامي سببه الأعراف والمجتمعات وليس الدين.

 

أ.عمرو: هذه نقطة خطيرة جدا.

 

د. سعد: فنحن عندنا أعراف ما أنزل الله بها من سلطان. فلماذا تُحتقر المرأة؟ لا يجوز احتقار أي بشر فالله سبحانه وتعالي قد كرم بني آدم، فلماذا ينظر إليها نظرة دونية؟ فهذا لا يجوز إطلاقا، فمثل هذه الأفعال لا علاقة لها بالإسلام. الإسلام وضع عدلا، فلكلٍّ منهما  حقوق وواجبات تناسب التكوين النفسي والعضوي لهما.

 

أ. عمرو: ونختم بآخر نقطة وهي أن الإمام أحمد بن حنبل ابتليَ ابتلاءً شديدا، وامتحن امتحانا شديدا له علاقة بعقيدة المسلمين، أود أن أسأل هنا، لماذا وقف الإمام أحمد بن حنبل هذه الوقفة الشديدة والذي يراها البعض أن شدتها مبالغ فيها؟

 

د. سعد: الحمد لله أنها كانت بهذه الشدة، وبالمناسبة فقد ذكر الإمام الشافعي أنه رأي في المنام أن الإمام أحمد سوف يبتلي، فكتب هذا في رقعة وأرسلها إلي الإمام أحمد عن طريق الربيع بن سليمان، فذهب الربيع إلي بغداد حيث وجد الإمام أحمد يصلي صلاة الفجر، وسلمه الرقعة فقرأها ثم بكى، فسأله الربيع عما يبكيه فقال له: "الشافعي يبشرني أني سأُمتحَن"، فقال الربيع: الهدية، هذه بشرى، فقال الإمام: لك ثوبي، فأعطاه ثوبه ومن المعروف أن الرؤية جزء من النبوة.

وقفة الإمام أحمد ليست عادية، لماذا؟ لأن المسألة ليست مسألة خلق القرآن بهذا المفهوم الذي فقد حدوده؛ أولا خلق القرآن أمر غير صحيح بإجماع الفقهاء ومن أيده استدل بظواهر القرآن، وردّ عليهم الإمام أحمد بظواهر القرآن وليس بالسنة، فالقضية الحقيقية هي هذا المنهج الذي وصل إلي السلطة فكاد أن يكون منهجا دراسيا للأمة ،وهو منهج خطير باعتبار أنه يتعدى علي النص الشرعي فيجعل القرآن ليس بقداسة الكلام من الله عز وجل، والآن مع القراءة التاريخية للنص نجد أن هذه القضية قضية خطيرة جدا، ولكن المشكلة أن المفكرين كانوا في ظل السلطة، وبحماية السلطة، ويكاد يكون أمرًا عامًّا علي الأمة، فيحرف القرآن والسنة كما حرفت الكتب السابقة، ولكن هذه الوقفة من الإمام أحمد بن حنبل الذي أراد الله عز وجل أن يقفها ليجعله سدًّا منيعا في وجه هؤلاء الذين كادوا يغيرون من مسيرة النظر إلي القرآن حيث إنه رأي أن هذه القضية موجهة إلي الإسلام ذاته وهذا هو الواقع. والآن نحن نستخدم ردود الإمام أحمد في هذه القضية علي من يحاول قراءة النص قراءة أخرى، ومن يروج للمذاهب الجديدة في قراءة النص، ونجد أن الرد علي هذا الكلام قد اكتمل بسبب التصدي لهذه الفتنة. فكان هذا امتحانٌ عظيم جدا، وجعله الله سدًّا منيعا أمام إذابة النصوص الشرعية وإسقاط قداستها. فقد وعى الإمام أحمد خطورة هذه القضية، ولهذا كانت هذه الوقفة الشديدة جدا منه حمايةً للنص من أن يعبث المفكرون به .                                                                                           

 

وصلنا إلي نهاية حلقات الإمام أحمد بنحنبل، نشكر سيادتكم علي تشريفنا في هذه الحلقة، وجزاك الله خيرا، وندعو الله أن يستمر هذا التعايش والتعاون والتفاهم من أجل هذا الأمة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.        

 

                                                                                         

 

                                                       

تنبيه:لن يتم قبول التعليقات التي بغير اللغة العربية أو الانجليزية**
أضف تعليق
الاسم
البريد الالكترونى

*فقط من أجل التواصل ولن يتم عرضه بالموقع.
عنوان التعليق
التعليق

*الحد الأقصى للتعليق هو 750 حرف.

تعليقات الزوار
بسمة فاهيم2007-08-31
اللهم بلغنا رمضان
بارك الله في استاذ عمرو خالد لخدمة هذا دين



الله ينصرك ويحفظك آمييييييييين يارب

العراقي2007-08-23
مبارك في جهودك في دعوة التعايش
امي تقول الله يطول في عمرك لانك معتدل وبارك الله فيك وجزاك الله خير على هذه البرامج القيمة نتمى في شهر رمضان المبارك ان نرى برامج بهذه المستويات نرجوا ان لاتنسى العراقيين في دعواتك لان لك جمهور في الشعب العراقي على تواصل مع ماتقدمه من برامج جزاك االله عنا وعن المسلمين خير الجزاء
جيهان حسنى2007-08-19
الحمد لله
أرجو رحمه الله عز وجل فى ثبات الأمة فى إبتلاءتها كما ثبت الأمام أحمد فى ابتلاءة ، ونرجو أن لا تستبدل الأمة بل تستخدم، وندعو الله لكم بالتوفيق والثبات وأن يجمعنا بالحبيب صلى الله عليه وسلم فى الفردوس الأعلى بعفوه وكرمة .
فهد احمد2007-08-18
السلام
اننى اريد درس يجعلنى اتوب وربنا يغفر لى ذنوبى
مجد2007-08-18
جزاكم الله خيرا
السلام عليكم أسأل الله تعالى أن يجعل برنامج دعوة للتعايش وجميع ما قدمته يا أستاذ عمرو في ميزان حسناتكم ونرجو الله تعالى أن يجعلني ولو جزء منك ويرزقني ما رزقك ويجمعنا بكم في الآخرة كما عرفنا عليكم في الدنيا إنه سميع مجيب
محمدسيدعياد2007-08-18
شهر رمضان
احاديث و خطب الاستاذ عمرو حالد في شهر رمضان المبارك في المسجد النبوي
ابو بكر2007-08-18
السلام
جزاكم الله خيرا على ما تقدمونه للأمة الإسلامية وعلى الفائدة العظيمة .. الله يبارك استاذ عمرو خالد لخدمة هذا دين



من كردستان العراق
ابو بكر2007-08-18
السلام
جزاكم الله خيرا على ما تقدمونه للأمة الإسلامية وعلى الفائدة العظيمة .. الله يبارك استاذ عمرو خالد لخدمة هذا دين



من كردستان العراق
sarah2007-08-18
jazakaa allahu khiran
jazaka allahu khiran
shifa2007-08-18
ثبتك الله
استاذ عمرو أنا جدا فخورة بك وأتمنى ان نراك داءما على الشاشة وان تطرح العديد من المواضيع

انا اعيش في دولة بنما واشاهدك داءما في دعوة للتعايش واتمنى ان احصل على بريدك الألكتروني و ثبتك الله
ابو خالد2007-08-17
شكر
شكرا يا استاز عمر على البرنامج الحلو بس بس

هبه2007-08-17
شكرا جزيلا
الحمد لله ان وفقك الى هذا البرنامج الرائع ولكن لدي مشكله تتعبني كثيرا كلما اسمع كلام عن التعايش والهدف والثقة بالنفس وهكذا اشعر انني بعدت عن الدين وقلبي تكبر فاترك كل هذا ولكم خالص شكرى وادعو الله ان يكون عملكم خالصا لوجه الله
عاطف العوضى2007-08-17
بارك الله فيك دعواتك
بارك الله فيك دعواتك
نونا2007-08-17
نرجو منكم المساعده
جزاكم الله خير اريد الحصول على حلقة دكتوره لينا الحمصي والتي كانت عن التايش مع المراءه فلقد كانت اكثر من رائعه وارجو من الاستاذ عمرو خالد ان يصدر برامج وحلقات عن المراءة لأن الرجال في المجتمع السعودي لايعترفون بأي حقوق لها ممازاد نسبة الطلاق والمشكلات الأسريه مع الشكر الجزيل
حناين 2007-08-17
جزيتم خيرا :)
جزاكم الله خيرا على ما تقدمونه للأمة العربية والإسلامية وعلى الفائدة العظيمة .. ربنا معاكم ..



:)
محمد مصبيح2007-08-17
أمنية
أتمنى أن تعاد حلقات هدا البرنامج المفيد بعد شهر رمضان الفضيل.
sarah2007-08-16
shakran jazeeran
we want to see u in ramadan insha allah.sarah

cairo-egypt
خلود2007-08-16
شكر وتقدير
بدات أطبق ما تعلمته فى دعوة للتعايش وقرأت كتاب اسمه كيف تصبح متحدثا لبقا ومؤثرا فى الناس إذ بالمفاجأة وصفة التعايش ملخص الكتاب فجزاك الله خير الجزاء على كل ما بذلته ونفع بك
خلود2007-08-16
شكر وتقدير
بدات أطبق ما تعلمته فى دعوة للتعايش وقرأت كتاب اسمه كيف تصبح متحدثا لبقا ومؤثرا فى الناس إذ بالمفاجأة وصفة التعايش ملخص الكتاب فجزاك الله خير الجزاء على كل ما بذلته ونفع بك
داود عزوط2007-08-16
فقط
لا
عادل2007-08-16
المذاهب الأربعة
جزاكم الله خيرا،ويارب تكون هذه الحلقات لبنة في إعادة تدريس المذاهب الأربعة في الحرمين االشريفين،حتى يرى العالم كله تعايش المسلمين من مكة والمدينة وليعم أرجاء المعمورة إنشاءالله
دعاء نحاس2007-08-16
أنا بفتخر بالأئمة الأربعة
ماشاء الله عليك يا أستاذ عمرو حلقة حلوة أوي , وإحنا إن شاء الله بقينا عارفين سيرة أئمتنا كويس وبقينا بنفتخر بيهم قد قبل وأكتر , جزاك الله خيرآ أستاذ عمرو .
youcef2007-08-16
حول الحلقة
السلام عليكم عندم تكلمت يا استاذ عن الاختلاف في التفسير عن آيات التي تكلم عن النساء هذا راجع أيضا الى أن الله يعلم التقلبات الكونية و يعلم مت يكثر النساء على الرجال في المستقبل فتتغير الأمور و المقايس فترك الله لنا السعة في تفسير لايات و الاحاديث لكي لايضايقنا فدور المرأة سيفوت دور الرجل في المستقبل فيجب أخذها بعين الاعتبار a
عبد الهادى 2007-08-15
جزاك الله خيرا
أحسنت أيها الأخ الرائع ولكن أريد مزيد من المحاضرات عن الصلاة والصبر على الشهوات حتى يرسخ إيمانى وجزاكم الله خيرا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عمر حمدى2007-08-15
الرسول الامين
ان الرسول هو خير من مشى على الارض وهو الشافع والمشفع يوم القيامه
حسام الغرباوى2007-08-15
حلقة دعوه للتعايش بخصوص المرأة يوم 14/8
سمعت حديث من أحد الأئمة أن النبى عليه الصلاة و السلام سأل ابنته السيده فاطمة عن أفضل الأشياء للمرأة فقالت ألا ترى الرجال و ألا يراها الرجال فقال ذرية بعضها من بعض. نرجو التوضيح
هبه محمد نجيب حسنين محمود حسنين2007-08-15
حلقة الأمام احمد بن حنبل حلقه رائعه جدا جدا و استفدت منها كثير من المعانى و الدروس
حلقة الأمام احمد بن حنبل حلقه رائعه جدا جدا و استفدت فيها كثير من الدروس
yousif2007-08-15
moslam
very nice good like
محمد عبد السميع2007-08-15
ربنا يثبتك
انا بستغرب علي الرغم من كل المحبطتات اللي حولين حضرتك ولسه عندك امل ربنا يعزك يارب
ميمنة2007-08-14
شكر الله لكم ..
شكر الله لكم وجزيتم خيري الدنيا والآخرة لما تبذلونه من جهد ودراسة وبحث وتنقيب ووووو....... لإحياء مناهج من اجتهدوا وأثبتوا وجودهم في الحياة لإصلاح هذه الأرض وهذه الأمة الخيّره العظيمة أمة سيدنا محمد(ص)

والشكر كل الشكر لله عزوجل الذي أكرمنا بمن حرك الماء الراكد والذي كاد يأسن .. أستاذنا الدكتور الجليل "عمروخالد"

جزاك الله عنا الفردوس الأعلى وكل سنة وحضرتك طيب بمناسبة هلول شهر شعبان المبارك "اللهم بارك لنا في شعبان وبلغنا رمضان" وإللى اللقاء في برامج رمضان الكريم مع الداعية العظيم د.عمروخالد.
امجد البدوي2007-08-14
بعثت لاتمم مكارم الاخلاق
هذا هو قول الحبيب المصطفي عليه افضل الصلاة والتسليم "بعثت لاتمم مكارم الاخلاق " ومكارم الاخلاق تدعو الى التعايش واحب النبي صلى الله عليه وسلم ان يعلمنا شئ ولكن للاسف لم نتمكن من فهم ما قصده وهو الذي لديه مجمع الكلم فالتفت الناس الى ما هو فاني اكثر من ماهو باقي وهو ساعة لقاء الله عز وجل فهنالك نظرة تدل ان الله تعالى قال وقوله الحق اني جاعل في الارض خليفة اليس بالجدير ان يكون خليفة الله في الارض اكثر تشبعا بصفات المولى جل وعلا . مقصودي يا استاذي هو ان النبي صلى الله عليه وسلم اراد المسلمين ان يتعايشوا في الدنيا وان يجعلوها صورة مصغرة من الجنة فيما بينهم حتى ينالوا رضوان الله تعالى وقد اتاهم الله باعظم شئ الا وهو الاتحاد بقول "لا اله الا الله محمد رسول الله "صلى الله عليه وسلم ارجو من الله جل وعلا ان يختم لنا اجمعين بخاتمة السعادة آميــن
saraoh2007-08-14
this is a real co.exsistance
co-exsist''ta'ai wosh''from imam ahmed ibn hanbal..i that all muslims
--- أضف تعليق ---
طباعة المقال
إرسال المقال لصديق
متصفح ملفات الأكروبات
متصفح ملفات الأوفيس
   الحلقة الثالثة والعشرون(الأخيرة)
   الحلقة الثانية والعشرون
   

الحلقة العشرون

   الحلقة التاسعة عشرة
   الحلقة الثامنة عشرة
جميع حقوق النشر محفوظة   Amrkhaled.net   1427 ©     هجرية     Managed By: ZADSolutions
Hosted By: NileWeb