|
حوارات عمرو خالد " لكل الناس "
حوار أجراه أ. عصام الغازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ 23/7/2008
الداعية عمرو خالد اختار شعار " سأحيا بالقرآن " لسلسلته الجديدة " قصص القرآن " التي وصفها الله تبارك وتعالى بأحسن القصص"، عندما جعل منها عظة وعبرة للعالمين، وجعلها أداة لشحن القلوب والعقول بالتسليم لله والتوكل عليه، وعدم الخضوع للحسابات البشرية في المواقف الإيمانية الكبرى.
قصة قابيل وهابيل .. رسالة إلى كل أسرة
" كل الناس تبدأ في نشر سلسلة " قصص القرآن " التي قدمها خلال شهر رمضان بتصريح خاص من عمرو خالد.
الحياة بأخلاق القرآن
يقول عمرو خالد:
- اخترنا شعار " سأحيا بالقرآن " لنجعله وسيلة للعتق من النار، هدفنا أن نحب ونفهم ونعيش بأخلاق القرآن.
حديث النبي " صلى الله عليه وسلم " اقرؤوا القرآن فإنه يأتي شفيعاً لأصحابه يوم القيامة ". القرآن يدافع عن قارئه يوم القيامة، والقرآن حين تحبه وتفهمه يقوم بإصلاحك من الداخل، ويصلح علاقتك العائلية.
وأول قصة نقدمها، هدفها إصلاح علاقتك بعائلتك، إنها أول قصة للبشرية على الأرض. لم تسبقها قصة أخرى في تاريخ البشرية. وهي قصة قابيل وهابيل.
ما المعاني التي تقدمها لنا هذه القصة؟
القصة ذكرت في سورة المائدة- الآية 27 حتى الآية 32 وهي تبدأ بأول آية:
" واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين". ...
تحس وأنت تسمع ابني آدم، وليست موجهة للمسلمين فقط إنها قصة عالمية لكل البشر لماذا أيها المسلمون تحصرون القرآن في المسلمين فقط؟ .. إنه رسالة عالمية لكل البشر، ولابد أن نفخر بذلك وأول كلمة في قرآننا " الحمد لله رب العالمين " وآخر كلمة " قل أعوذ برب الناس".
أول إخوة أعداء في التاريخ!
يقول الله لنبيه " واتل عليهم " هذه ليست حدوتة من الحواديت ..
اجمع أمتك يا محمد، اجمع البشرية واقرأ عليهم هذه القصة، لأنها مهمة جداً بالنسبة لحركة البشرية في الأرض،كان تعداد الأرض وقتها ستة أفراد وتعداداها الآن سبعة مليارات ونصف المليار من البشر.
كان يسكن الأرض أب وأم وولدان وبنتان، إنها قصة قديمة جدا ولكنها لا تزال مستمرة إلى اليوم، قصة الأرحام التي تتقطع، قصة العائلة التي تنسى صلة الدم وتتقاتل من أجل المال.. قصة الأخوة الذين لا يكونون أخوة بعد موت أبيهم، قصة الدم الذي ملأ الأرض.. قصة النفس البشرية المليئة بالمشاكل ولا أحد يعالجها، إنها قصة الماضي المستمر، وفيها ثلاثة دروس:
1- لا تقطعوا أرحامكم.
2- حذار من سفك الدماء خاصة بين الأخوة .. وهو تحذير لشعب العراق وسكان دارفور والفلسطينيين وأهل لبنان.
3- اعرف نفسك.
أي تعرف على ذاتك.
هناك ستة أمراض كبيرة تصيب النفس البشرية، وهي أمراض مخيفة، فجسمك حين يمرض لا يدخلك النار، وكلنا نسارع إلى الأطباء حين نمرض ، أما أمراض النفس فلابد أن تعالج نفسك منها. هذه الأمراض الخطيرة للنفس هي:
الكبر الحسد، البخل والطمع، العناد والغضب لو أنت مريض نفسيا بهذه الأمراض أخاف عليك جدا من نتائجها.
ولو لم تكن مصابا بشيء من هذه الأمراض، اسجد لله شاكرا، فنفسك طيبة مصيرها الجنة. كل فرد منها يهتم بشكله ومظهره, والسيدات ينظرن في المرآة للاطمئنان على زينتهن، أنت تعرف موديل سيارتك، لكن هل تعرف مواصفات نفسك ؟ أهي نفس مطمئنة، أم نفس لوامة، أم أنها أمارة بالسوء؟
وهل إذا كانت نفسك مريضة تعالجها؟
إذا مرضت عينك فإنك تعالجها سريعا، حتى لا يضيع بصرها. أرجوك أن تنظر لنفسك في المرآة، مرآة النفس... هدفنا الآن لو كنت مريضا بهذه الأمراض الستة للنفس أن تعالجها.
أول أب وأول أم
أهدي كلامي هذا لكل أسرة تفرقت وتقطعت أرحامها.. لكل عائلة مات الأب فيها، فتقاتل أبناؤه على الميراث، تخاصموا ومنعوا أبناءهم من رؤية بعضهم بعضا، فلما كبروا يتقابلون لا يعرف أحد منهم الآخر.
أهدي هذه القصة لكل أب بنى مصنعا، وحين مات تنازع الأبناء على الميراث فتوقف عمل المصنع. أهديها لرجل شيد بيتا لتعيش فيه عائلته، فلما مات تشاجرت نسوة أبنائه وبناته، وتفرق الأبناء كل واحد في مسكن منفصل، وتفرق أبناء العم. حكيت قصة قابيل وهابيل ذات مرة لرجل أعمال سعودي، فسألني هل هذه القصة موجودة في القرآن؟ قلت: نعم.
قال أنا قاطعت ابن عمي وبيننا محاكم على نصف مليون ريال، اتصل به وقال له: خذ النصف مليون ريال حتى لا نقطع رحمنا.
نعود إلى قصة قابيل وهابيل أبطال القصة ستة أفراد: أب وأم وولدان وبنتان، الأب هو آدم أول أب وأول من مارس تجربة الأبوة, وآدم لم ينجب في الجنة، فأول إنجابه في الأرض، وقد عاش في الجنة وعاش على الأرض، وتألم في محنة النزول للأرض..
الأم حواء أول امرأة تحمل وأول امرأة تعيش مشاعر الأمومة، لم تعرف رجلا غير آدم، لهذا أحبته كثيرا وعاشت معه على الحلوة والمرة، وعاشت معه رحلة النزول من الجنة.
الولدان: قابيل وهابيل ..
قابيل الكبير وهابيل الصغير، هما أول أبناء آدم، لا يوجد أبناء قبلهما بنص كلام النبي " صلى الله عليه وسلم " الفرق بين قابيل وهابيل هو الفرق بين الخير والشر، الفرق بين القوة الغاشمة والحكمة، الفرق بين الطيش والرؤية. أما البنتان فهما أول بنتان تعيشان مشاعر الفتاة، أول عروسين، أول فتاة تعيش تجربة زواج، ترى هل كانت مشاعر الفتاتين الأوليين مماثلة لمشاعر الفتيات حاليا؟
كانت التجربة البشرية لا تزال في مهدها، ومشاعر تلك العائلة تمثل أول تجربة للبشر كعائلة.. القرآن الكريم لم يحكِ لنا القصة بالتفصيل، لكن هناك ستة مشاهد في القصة هي:
- مشهد القربان " إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر".
- مشهد الخلاف والمشادة.
- ومشهد الندم.
- ومشهد الغراب.
- ومشهد الدفن.
مشاعر أسرة آدم
مع أن القصة مليئة بالأحداث المؤثرة لم يحكها القرآن فمثلا: كيف كانت مشاعر حواء الأم؟
أول أم تفقد ابنها، الاثنان ضاعا القاتل والمقتول, وكيف كانت مشاعر آدم؟ آدم تألم كثيرا، وظل ألمه حتى قابله النبي في الإسراء والمعراج.. وكيف كانت مشاعر الفتاتين؟ القرآن لم يحك لنا هذا كله، القرآن يحيي لك مشاهد ويترك بينها فجوات، لكي تشغل عقلك، ولكي يبقى القرآن متجدداً حتى يوم القيامة.
فيقول كل جيل: أنا فهمت من هذه الآيات وفقا لزمني كذا وكذا، والمشاهد الأساسية تبقى لا يمكن الاقتراب منها. تعالوا نتخيل معا مشاعر آدم وحواء والبنتين، نتخيل الحوارات بين أفراد العائلة .. كيف كانت؟
بداية الأمراض النفسية
القصة لها جذور تاريخية في السماء، قبل هبوط آدم وحواء الى الأرض. هناك خمس لقطات حدثت في الجنة لها علاقة بما وقع بين قابيل وهابيل.
اللقطة الأولى:
" وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة" .. تخيل آدم حين يفوز بلقب خليفة، أنت المسؤول عن إصلاح الأرض، ومن هناك بدأ أول مرض نفسي من الأمراض الستة التي تصيب نفوس البشر.
حقد أبليس على آدم.. أأنت الخليفة في الأرض وأنا لا؟ .. أأنت المسؤول عن الإصلاح الأرض وأنا لا؟
لهذا ينسى كل منا أنه خليفة لأن الشيطان يريد أن يقول لله سبحانه وتعالى : انظر ابن آدم نسي اللقب العظيم والمهمة الخطيرة التي كلفته بها.
وبدأ أول مرض نفسي .. وهو الحسد.
- اللقطة الثانية..
يقول النبي " صلى الله عليه وسلم " لما خلق الله الخلق قامت الرحم فتعلقت بالعرش، وقالت يارب هذا مقام العائذ بك من القطيعة ، فقال لها الله: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأن أقطع من قطعك؟ قالت رضيت يا رب، قال: فلك ذلك ..
لقد رأى آدم هذه اللقطة وأدرك كيف أن الرحم غالية، الله سبحانه أطلعه عليها.
اللقطة الثالثة:
" وإذ قال ربك للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس".. فسأله الله: قال يا إبليس ولمَ لم تسجد وقد أمرتك؟.. قال: أنا خير منه, فظهر بذلك ثاني مرض نفسي بعد الحسد.. وهو الكبر." أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" مع أن الطين أفضل من النار..كان من الممكن أن يتوب، لكنه لم يفعل، قال: " لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا ". . أي سألبسهم اللجام، وأسوسهم كالبهائم كيف شئت: اسرق، اكذب، خن, اقتل، كل من مال حرام, أقم علاقات مشينة أي سأحرق قلب آدم على أولاده.
المرض الثالث هو العناد.
اللقطة الرابعة:
شجرة الخلد، قال إبليس لآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى؟ آدم محاط بكل أنواع الأشجار والثمار الشهية، لكن الشيطان يجعلك ترى غير المقدور عليه في يديك أحلى وأجمل مما هو عندك، يكون الرجل متزوجاً بأحلى امرأة شكلاً وأخلاقاً ثم يزين لك امرأة أقل جمالاً وخلقاً فتراها الأجمل، إنه المرض الرابع: الطمع، فأكل منها.
اللقطة الخامسة : توبة آدم ..
حين أكل آدم من الشجرة غضب الله عليه، فجرى آدم ومعه حواء، فقال الله أفراراً مني يا آدم؟ قال لا يا رب لكن حياء. هذا هو الفرق بين إبليس وآدم الأول تكبر وعاند، والأخير تاب وندم، ونزل آدم من الجنة وهو يبكي لارتكابه هذا الذنب. ولهذا لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر.. نزل آدم من الجنة ورغم أن الله تاب عليه إلا أنه لا يزال يبكي، فناداه الله: يا آدم لا تجزع من قولي لك اخرج منها فلك خلقتها، ولكن انزل إلى الأرض وابذر بذور التقوى، فإذا اشتقت إلى الجنة تعالَ وأدخلك إياها،
يا آدم إذ عصمتك وعصمت بنيك من الذنوب فعلى من أجود برحمتي وأنا الغفور الرحيم، يا آدم كنت تدخل علينا في الجنة دخول الملوك على الملوك، واليوم تدخل علينا دخول العبيد على الملوك، وذلك أحب إلينا. يا آدم ذنب تتذلل به إلينا أحب إلينا من طاعة ترائي بها علينا، يا آدم ، آنين المذنبين أحب إلينا من تسبيح المتكبرين. نزل آدم من الجنة إلى الأرض، فماذا حدث لهما على الأرض؟
www.amrkhaled.net |