من هنا يبدأ الحوار
على اسم مصر ( محطة الرمل .. فيكتوريا ) 2
ـ أيوه
يا أفنديه ..أيوه هنا حضرتك اللى لسه ما قطعش ..
تتكدس الأعداد ..ويبلغ الزحام ذروته داخل عربات الترام عندما
نصل إلى محطة سان مارك ..
حيث تنتظرنا البقية الباقية من طلبة كليات الزراعة والعلوم
..و مدارس الليسيه .. سان مارك ..
سان جان أنتيد ..والمجتمعون فى منطقة الشاطبى ..
وطوال المحطات الخمس السابقة من مكان بدء الرحلة وحتى بلوغ
الترام لمحطة سان مارك تتزايد الأعداد دون أى تناقص نظراً لأن تلك المنطقة لا تحوي
سوى المدارس والكليات المختلفة ..

فضلاً عن بعض ذكريات الأسكندرية الخاصة جداً كمدينة تاريخية
جمعت ثقافات حوض البحر المتوسط فى مزيج عجيب لم تشهده أى مدينة أخرى فى مصر ..
فتجد فى تلك البقعة المدرسة اليونانية ..والملجأ اليوناني
للبقية الباقية منهم ..والتي رفضت ترك المكان والذهاب إلى اليونان ..حيث ارتبطوا
بالأسكندرية وطنهم الأول .. والتى لم يشعروا فيها بأى نوع من الغربة .. وهو ما يثبت
بالدليل القاطع أن مصر هى البلد الوحيد الذى جمع ثقافات وديانات العالم دون أى تحيز
أو عنصرية تفصل بين مواطنيها ..
وكثيراً ما أشعر بالدهشه عند تلك المنطقة بالذات .. حيث يبلغ
التناقض ذروته ..
الأعداد متكدسة داخل الترام فى مشهد مؤثر ينم عن الحاجة والضعف
.. ولكن مظهر الراكبين من الشباب لا ينم إلا عن الترف والغنى ..وكما ذكرت سلفاً .
الطوفان قادم .. وبرامج الإصلاح المفروضة بالقوة من الخارج
قادمة لا محالة ..والشباب غارق فى الاستهلاك ..مع انحطاط غير مسبوق فى السلوك
الشخصي ..
وضع منكوس ..ينذر بكارثة محققة لو لم تفق تلك الجموع مما هي
فيه ..
ويعاود السؤال والذى لم يتركني لحظة واحدة منذ تحرك الترام من
أمام سينما ستراند ..
كيف تعمق السلوك الاستهلاكي والانحطاط السلوكي ليصل إلى هذا
الحد ...؟؟
الشعب لا يجد قوت يومه ..ويعطى الآباء أبنائهم موبايلات .. وملابس
.. ومظاهر استهلاكية ..
بمبالغ تفوق ميزانية الأسرة بأضعاف مضاعفة ..
إذن لماذا ؟؟؟ ما هو سبب هذا التحول الفظيع ؟؟؟
ـ يابنى الناس مش عايشه غير للاستهلاك .. مفيش إنتاج ..
ـ ماشى يابابا ما أنا ملاحظ .. بس إيه السبب ؟؟ إحنا مش
لاقيين ناكل ..إزاى الناس تبقى عايشة للاستهلاك بالشكل الفظيع ده ..
ـ إحنا سافرنا السعودية كام سنه ؟؟
ـ تقريبا 4 سنين
ـ وسافرنا ليه ؟؟
ـ يعني .. ظروف يمكن .. فرصه جايز .. مش عارف
ـ لا .. إحنا سافرنا بس عشان نقدر نربيكوا ونعلمكم كويس ..
ـ فهمت .. مفيش داعى تكمل بدل ما حد من اللى واقفين جنبنا
يشوطنا بره الترام
ـ عشان كده رجعنا بعد 4 سنين .. و أنت عارف كويس إن كان عندنا
الفرصة نقعد 20 سنه
وكانت كلمات والدى التي فكت اللغز بالنسبة لى شخصياً .. حيث
رأيت فى سلوكه الفعلي وتجربته الخاصة مع أسرتنا أنه قد أدرك من البداية هدفه من
الغربة ..ومنذ أول عام ..وما إن حقق مراده حتى عاد بعد 4 سنوات إلى أحضان وطنه
ليعلم إبنه بعض ما عرفه هو عن وطنه ..
ثم التفت أنا إلى هذا الجوع الاستهلاكى والذى لا يشبع أبداً
إذا فتح الإنسان له الباب ..
إنه كباقى الشهوات والتى تحتاج أن تلجم وتقهر داخل النفس ..تماماً
كقهر الجوع والعطش وغض البصر عند الصيام .. وقهر الشهوة بالعفة والطهارة .. وقهر
الهوى باتباع أحكام الله تعالى ..
هكذا استوعبت أن الاستهلاك مرض من أمراض النفس ..والذى يتسلل
به الشيطان إلى الإنسان قانعاً له بأنه .. لا تنسى نصيبك من الدنيا ..وبعدين يا
أخى أنت بتعمل إيه حرام ؟؟ أنت بتعيش أهو زى ما الناس عايشه !!
ولكن لم نصل بعد لإجابة سؤالى المحدد .. من السبب فى زيادة
مظاهر الاستهلاك .. ؟؟
لأن مظاهر الاستهلاك والتى تسللت إلى المجتمع كانت هى السبب
وراء تحول الاستهلاك إلى سلوك طبيعى لا يلام عليه الإنسان من الآخرين ..
ورجعت بالذاكرة بعض السنوات ..منذ تزايد أعداد المسافرين إلى
دول الخليج ..مع بداية الثمانينيات
هوجة من السفر ..الكل بيسافر ..فلوس .. والناس هناك عايشه
ومبسوطة ..
فلوس عماله تدخل البلد .. العمارات عماله بتتبنى واللى سعر
الشقة وصل فيها لربع مليون ..
والناس بتدفع .. الساحل الشمالى .. محلات الفاست فود ..المولات
..
الكل يريد أن يشعر أنه قد أصبح من ( ولاد الناس ) .. ولكى
تصبح من ولاد الناس لابد لك أن تعيش بهذة الطريقة ..وأمثالى وأمثال والدى قد تم
تصنيفنا بالمتخلفين عن ركب التقدم والرقى ..
ووالدى مجنون لأنه لم يستغل الفرصة وعاد بعد أربع سنوات فقط
..
فلوس داخله البلد .. ولازم فى حاجات تاخد الفلوس دى ..
والمصريين فى الأساس عبيد عايشين بأفكار ساده .. كل واحد عايز يحس فعليا أنه أصبح
من السادة .. الكل عايز يحس أنه أصبح إبن ناس
ولا حول ولا قوة إلا بالله
وتتحول القضية الأساسية فى ذهن كل إنسان يعيش فى هذا الفيلم
الباكي إلى كيفية حصوله على أكبر قدر من هذا الاستهلاك ومظاهره ..ليزداد ارتفاعا
بين طبقة أولاد الناس ..
وتتحول المادة ومدلولاتها الاستهلاكية إلى الشغل الشاغل فى
عقول كل من يعيش هذا الفيلم الممتد بطول عمر الانسان .. فترتفع متطلبات الزواج ..
وتتضاعف الشروط .. ويلبس المجتمع المصرى ملابسه الجديدة والتى لم يتعلمها أمثالى من
المتخلفين والرعاع والسوقة والغوغاء ..
وتتصاعد مظاهر البذخ الفارغ .. ويعود الشاب المكافح المتعلم
المثقف إلى بيته بعد طول التفكير فى الترام ..فلا يجد إلا الحل الوحيد لمسايرة هذا
السباق ..وحتى يتسنى له الزواج والحياة وتكوين أسرة ..إنه السفر .. ولا حل غير
السفر ..
أه .. يعنى أنت عايز تقول فى نهاية وجع الدماغ ده أن اللى
سافروا الخليج من بداية الثمانينيات وفلوسهم اللى جابوها البلد هى السبب فى اللى
أحنا بنعيشه ده !!!!
بكل تأكيد .. والدليل أن مظاهر الاستهلاك ..والتى أصبحت فيما
بعد مبادئا وليست مظاهرا ..
هى التى دفعت المجتمع المصري إلى هذا التحول الفظيع بعد أن وجد
الاستهلاك يقتحم حياته من جميع نوافذ المنزل ..
لا .. لا .. لا ... أنت معندكش حق ..
الشباب لو كان لاقى شغل ماكانش سافر من الاساس ..
إذن .. أتفق معاك إذا أعطيتنى أجابة لسؤال وحيد ..
لماذا يسافر الشباب من جميع طبقات المجتمع وليس أبناء الطبقة
المعدومة فقط ؟؟؟
هل تعرف الاجابة ؟؟
لأنه الصراع المحموم وراء الاستهلاك ..
والكل يريد أن يخرج من طبقته الاجتماعية ليصبح ( من ولاد
الناس ) ...
والسؤال الاخر والذى أنتظر إجابته منكم وهو السؤال الحاسم لتلك
القضية كلها ..
لو كان السفر من أجل لقمة العيش ..وقوت اليوم الذى لا يجده
الانسان فى مصر ..
فلماذا يسافر الناس وتبقى غربتهم ممتدة عشرون عاما وأكثر ..
؟؟؟
هل لا يزالون لا يملكون قوت يومهم فى مصر ؟؟؟؟ سؤال ينتظر
الإجابة منكم جميعا ...
من أجمل الطرائف التى تضحكني وتبكيني مع كل إجازة لي فى مصر
هو ذلك الحوار المعاد بيني وبين أحد أقربائي ..وهو من الشباب
الواعد ..
وخريج إحدى كليات القمة والمفترض أنه أحد العقول المفكرة لوطنه
..
ـ يابنى أنت مش عايز تنضف بقى ؟؟؟
ـ أنضف إزاى يعنى ؟؟ ما أنا باخد دوش كل يوم ..
ـ يابنى عيب عليك تبقى فى ألمانيا بقالك 5 سنين ولسه شايل (
نوكيا 6110 )
ـ وماله بقى ( النوكيا 6110 ) ؟؟؟ ما هو مقضينى ..
ـ يابنى الناس يتشيل دلوقت موبايل بكاميرا .. وأنت بتسافر
وتيجى وعقليتك لسه متخلفه
وأضحك مع قريبى من القلب .. وأبكي من داخلي بحرقة على حال
الشباب وتفكيره ..
لقد أصبح مقياس الحكم على تقدم تفكير الشخص عند سفره إلى بلاد
الغرب هو نوع الموبايل الذي يحمله ..وطبعا نظرا لان قريبي وجدني لازلت أحمل نفس
الجهاز الذى كنت أحمله قبل سفري فيدرك بفطرته الطبيعية والتى يفكر بها كل أبناء
جيله .. أن محمودا لازال متخلفا عن الركب ..ولم يتعلم شيئا من مجتمعات التقدم ..
لم يسألني حتى الآن أي سؤال وفي كل مرة أنزل فيها للإجازة عن التطور
الذى حدث فى تفكيري وأسلوب حياتي .. لا يحتاج .. نظرة واحدة
على نوع جهاز الموبايل الذي أحمله تكفي لمعرفة ما إذا كنت قد تعلمت شيئا أم لا
..!!!!!
والسؤال الأخير الذي أنتظر أيضا إجابته منكم ..
هل هذا الجيل قادر على بناء البلد ؟؟؟
هل هذا الجيل يعرف معنى التضحية من أجل البلد .. ؟؟؟
إن التضحية نبات صغير يرويه الانسان بالعطاء والبذل وقهر هوى
النفس ..
من أجل الأخرين ..ومن أجل مصر .. يكبر النبات مع الأيام ..ويصبح
شجرة ..
ويبقى سوسها الوحيد ومصدر مرضها الوحيد ..الاستهلاك ..فهل
هناك أمل ..؟؟
هل فهم الأباء والأمهات معنى التضحية ليعلموها أولادهم ..
؟؟
ويقف هذا الزحف الجارف نحو الغربة والاستهلاك ..
هل نرى يوما ما شابا وفتاه يبدأون حياتهم بشقة مساحتها 50 مترا
مربعا مثلما يفعل الشباب فى الغرب وبدون الصالون والأنترية والسفرة والأثاث الذى
تتجاوز قيمته 40 ألفا من الجنيهات ..
هى جميعها من قوت أسرة الفتاة ولا سبب لها إلا الفشخرة الكاذبه
.. ؟؟؟
هل نرى يوما شابا وفتاة يبدأون حياتهم بدون فرح تصل تكلفته 20
ألفا ؟؟؟
هل نرى يوما فسحة الشباب تعود إلى البساطه والثقافة ..بعيدا
عن محلات ماكدونالدز ..
والديسكوهات والمولات ؟؟ أسئلة لا أول لها ولا أخر ..
ولازالت رحلة ترام الرمل مستمرة ..فنحن لم نجتز سوى خمس محطات
فقط ..
ولازالت رحلات الغربة مستمرة ..ولازال بحثنا عن أسبابها
مستمرا ..
ولازال الكومسرى البائس يحاول جاهدا إقناع الركاب ..بأن
العربية لسه فاضية ..
ـ ماشى يا حضرات ..
العربية فاضية جوه يا حضرات ..
محمود رشاد نجم
طالب في كلية الطب ـ جامعة جوتنجن ـ المانيا
29 سنة