من هنا يبدأ الحوار
رأيت الله " 2 "
شهر رمضان .. الفوانيس .. بائعي
الكنافة وقد افترشوا الأرصفة ..
تسمع صوت عبد المطلب وهو يغنى ..
رمضان جانا وفرحنا به بعد غيابه أهلا رمضان ..
صيام وإفطار ..فوازير وبرامج وفيضان
من المسلسلات يندفع فى اتجاهك
كاندفاع الماء من شلالات نياجرا ( و
التى لم أراها )
رأفت الهجان .. الحلمية .. أرابيسك
..نصف ربيع الآخر .. ضمير أبلة حكمت ..
من الذى لا يحب فاطمة ..لن أعيش فى
جلباب أبي .. هارون الرشيد ..
أهالينا .. امرأة من زمن الحب ..

يااااااااه
سنوات تمر وتمضي ..
شعرنا خلالها بروحانيات جميلة من
الترابط الأسري ..والتجمع العائلي ..
ونفحات لا تجدها إلا فى رمضان ..
ولكن المؤلم للنفس أن كل تلك النفحات
الروحية كانت بعيدة كل البعد عن الغذاء الحقيقي
الذى تشتاق إليه النفس !!!
كيف لي أن أرى الله كما كتب الدكتور
مصطفى محمود وسط كل هذا الضباب ؟!!!
قرأنا الكثير .. نعم كنا قارئين بنهم
..ولكن كما ذكرت سالفا ..
أن تقرأ وتفهم شيء ..وأن تعيش ما
قرأتة واقعاً ملموساً فى حياتك شيئ آخر ..
وينقضي رمضان العام ..ليأتي رمضان
آخر ..
ولا تذكر من هذا الشهر الكريم إلا
الكنافة والقطايف ..
إعلام يقتحم حياتك .. ليجعلك لا ترى
فى هذا الشهر سوى الأفلام والبرامج المسلية ..
وسيل من المسلسلات ..والتى أجد فيها
عملاً فنياً رفيع المستوى ..
يحوي فى مضمونه فكر راق ..وأداء أرقى
..
ولكن ..لماذا ؟؟؟!!!!
لماذا فى هذا الشهر الكريم بالذات ؟!!
فلو وزعت تلك الأعمال القيمة على مدار
العام ..لتناول المشاهد جرعات معتدلة ..
تضمن له القدرة على استيعاب مضمونها
..وإدراك الفكر الذى تحتويه !!!!
ولكي أكون منصفاً وعادلاً فى وصف تلك
الفترة الزمنية الخطيرة من كل عام ..
فلابد أن أذكر انتظامي فى الصلاة على
وقتها فى هذا الشهر ...
هو بردوا الصيام ينفع لو الواحد مش
منتظم فى الصلاة .. ده كلام بردوا ؟؟؟!!!
و كنت من أشد المحافظين على قراءة
القرآن يومياً ..
يعني اللي ربنا يقدرني علية ..صفحتين
.. ثلاث صفحات .. يعني ..
بل ومن إنجازاتي الخطيرة مواظبتي على
صلاة الفجر ..
فقد كنا نستيقظ لمشاهدة مسلسل القضاء
فى الإسلام ..
والذى لم يشاهده أحد غير أسرتنا
البائسة ..ثم نتناول السحور .. ونصلي الفجر ..
هل أدركتم مدى التغير الجذري فى
العبادات خلال هذا الشهر ..
روحانيات ومسلسلات وبرامج ..وكل يوم
عزومة ..
قمة الروحانية فى العبادة ...
هات القناة الأولى دلوقتي بدون كلام
..
هات التانية حوار صريح جدا ..
هات الأولى الكاميرا الخفية ..
هات الأولى ..هات التانية ..
الأولى .. التانية
يا خبر أسود .. دى العشاء بتدن فى
القاهرة ..
معانا أربع دقايق عشان نلحق المغرب
..قوموا بسرعة ..يالا ..
هبطت الطائرة فى مطار فرانكفورت فى
تمام السابعة من صباح يوم الخميس
الموافق 19 من شهر أغسطس لعام 1999
لتخطو أقدامى أولى خطواتها على
الأرض الجيرمانية استعداداً لمواجهة
كم من التحديات المجهولة الأبعاد !!
وهرولت متتبعا لوحة الإرشادات لأصل
لمكان استلام الحقائب !!!
الساعة أصبحت 7.15 دقيقة ... ولا أعرف
للمطار أول من آخر ...
فالمطار على الرغم من روعة تنظيمه إلا
أنه مع ضخامته وسباقك مع الزمن يجعلك
تتوه فى بيتك وليس فى مطار فرانكفورت
أحد أكبر مطارات العالم !!!
طب أعمل إيه ؟!!
إتحرك .. إسأل أي حد ... يالا
ـ لو سمحتي .. ممكن تقليلي استلام
الشنط لطيارة الأسكندرية منين ؟
ـ تعالى معايا ..أنا أتيت معك أيضا
من الأسكندرية .. الاستلام من هنا ..
كانت سيدة تبدو على ملامحها أنها تخطت
الخمسين بقليل ..
و يبدو على هيئتها الترف والثقة فى
نفس الوقت.. مضيت معها وأنا أنظر فى الساعة كل لحظة ..
فشعرت هى باضطرابي ..
وبدأ مسلسل آخر من مسلسلات رمضان
المشوقة ..
ولكن ليس من تأليف أسامة أنور عكاشة
وإخراج محمد فاضل ...
إنه مسلسل أراد الله تعالى أن يعلمني
به ألا أنسى العهد معه فى تلك الغربة المجهولة ...
أليس أنا من قلت .. يارب ليس لي سواك
.. أسلمت لك أمري
طبق بقى يا فالح الكلام ده ... هنا
مفيش هزار ..
هنا يا تكون راجل مع الله وقد كلمتك
.. يا إما تضيع ...
وبدأ الحوار مع تلك السيدة وأدركت هى
اضطرابي الشديد فحدثتني بالانجليزية
لعدم قدرتي على تجميع الكلام
بالألمانية فى تلك اللحظات العصيبة ..
ـ أنت مالك قلقان كده ليه ؟!!
ـ أصلي لازم أخد الشنطة دلوقتي وأروح
بأقصى سرعة على محطة القطار
ـ هو أنت مرتبط بقطار معين ؟!
ـ أيوه .. قطارى
الساعة 8 من المحطة .. ولازم ألحقه عشان عندي امتحان بكره الصبح ..
ـ أنت مسافر فين ؟!!
ـ جرايفزفالد ..
ـ بجد .. ده أنا كمان مسافره برلين
على نفس الطريق .. يعني حنركب نفس القطر سوا ..
ـ يعني حضرتك حتمشي معايا لغاية
المحطة ؟!!
ـ أيوه وحركب معاك كمان نفس القطار
وكانت تلك العبارات هى ما حدثتني نفسي
به ..
الحمد لله .. أهي الست دي حتساعدني
..والواحد يقدر يعتمد عليها ..
وهدأت نفسي قليلاً .. وبدأت الحقائب
تظهر قادمة على السير ..
كانت معي عربة للحقائب ..ولا حظت أن
السيدة ليس معها عربة ..
فسألتها ربما تحتاج لعربة فأجابتني
بالنفي ..
وما أن أتت الحقائب حتى وجدتها تضع
حقيبتها مع حقيبتي على نفس العربة !!!
فى البداية لم أُلق للآمر بالا .. فهى
سوف تذهب معي وهو أمر طبيعي ..
ولكني عندما هممت بالعربة لكي نذهب ..
وجدتها تخبرني بأنه علينا الانتظار لأن معها
أصدقائها على نفس الطائرة من
الأسكندرية ..
وهم سوف يسافرون معنا بنفس القطار
!!!!!!!!!
أتى إليها أصدقائها ..ولاحظت أن
أحدهم ينظر إلي نظرات غريبة ..
كان مظهرهم طبيعياً ..ولكن شيئاً ما
بداخلي بدأ يقلق ..
وبدأت ألاحظ قدوم ثلاثة من ضباط
البوليس إلى أحدهم .. بل إلى الآخر أيضا ...
إيه ده .. إية القلق ده !!!!
وعندما طلبت أنا من السيدة أن نرحل
لأنه لم يتبق سوى 35 دقيقة ..
أصرت على الانتظار لأن أصدقائها
مسافرين معها ..ولا تستطيع أن تتركهم !!!!!!!!!!!!!!
وبدأت أرتاب فى الأمر ..
ـ أنا لازم أمشي .. اتفضلي حضرتك
شنطتك .. أنا ماشي
ـ طب استنى .. خلاص أنا جاية معاك
وأدركت أن كل ما تريده هذة السيدة هو
أن تضع حقيبتها معي على نفس العربة
لأقودها أنا إلى الخارج ..
تأكدت من هذا الشيء عندما أصرت على
مرافقتي وترك أصدقائها
بعد التجمع البوليسي حول اثنان منهم
!!!!!!!!!!!!!
وفى أقل من 10 ثواني كنت قد تركت لها
حقيبتها واندفعت بالعربة فى اتجاه ضابط الجوازات
والسيده تنادي على بكل التوسلات
لأنتظرها !!!
يا الله ..هى البداية كده !!! أنا
كان ممكن ألبس قضية !! ويا عالم الشنطة كان فيها إيه !!!!
لا مش كده ... بس لازم تفهم إن محدش
حيساعدك غير الله ..
أي إنسان تاني ممكن تفكر أنه يساعدك
من دون الله
وأنك تعتمد عليه ممكن يوقعك فى مصيبة
..
فحذار كل الحذر ..أن تعتقد وتؤمن
باعتمادك على بشر ..
وكان الدرس الأول لي ..ومن أول لحظة
فى الغربة ..
ولم أعلم حتى الآن ماذا حدث لتلك
السيدة ..وما الذى كانت تحتويه حقيبتها ..
وتريدني أن أخرج به من الجوازات
..ولكني لم أراها ثانية فى القطار ..
لم أراها ثانية ..ولم أرى غيرها
أبدا ..
لأنني بعدها لم أر إلا الله ..أو
بمعنى أدق ..
تعلمت ألا أرى غير الله ..وياليتني
تعلمته منذ صغري ..
ياعني كنت حتعمل إيه يا فالح ؟!!!!
ما كانش حتضيع مني سنين طويلة ورمضان
ورا رمضان !!!!!!
ولكن ها هي الحكمة الإلهية تعلمني
..وتربت على كتفي فى حنان .. وتهمس في خاطري ..
لن يستطع الإنسان أن يرى الله إلا إذا
أراده الله أن يراه ..
فى المكان الذى يقدره الله ..
وفى الزمان الذى يشاءه الله ..
محمود رشاد نجم
طالب في كلية الطب ـ جامعة جوتنجن ـ المانيا
29 سنة