عمر بن الخطاب ـ حلقة رقم 3
كنا وقفنا في الحلقة السابقة عند مواقف سيدنا عمر بن الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ورأينا الخط الأصيل الثابت الذي كان يسير عليه عمر في كل تصرفاته وهو الغيرة الشديدة على الإسلام..
والحقيقة وأنا أُعد حلقات سيدنا عمر وجدت أن أجعل كل حلقة تتميز بموضوع يخص هذه الشخصية العظيمة ..
ففي الحلقة الأولى عرضنا إسلام سيدنا عمر فخرجنا بنقطة مهمة وهي كيف تعطي للإسلام وفي أول يوم من إسلامك ..؟
والحلقة السابقة كان الخط الأساسي الذي سرنا عليه غيرته الشديدة على الإسلام التي حولت هذا الحب الكبير إلى طاقة للبذل والعطاء ..
أما حلقة اليوم تدور كلها عن الحب .. حب سيدنا عمر لله وحبه للنبي صلى الله عليه وسلم ..
عندما تكون قريباً جداً من الله وتأخذ درجة من هذا القرب فتشعر بمراد الله في كل أمر وتشعر أيضاً ماذا يريد الله من الخلق ومنك أنت شخصياً ويكون التفاعل عالي جداً وإحساسك الشديد بهذا القرب ..
فهذه الحلقة تتكلم عن سيدنا عمر في حبه لله وسترون مواقف جميلة .. وسيدنا عمر مع رسول الله وحبه له وحب الرسول صلى الله عليه وسلم لسيدنا عمر وماذا قال عنه ووضعه في أحاديث النبي ..
وهكذا سنمسك في كل حلقة جزء من شخصية سيدنا عمر ، فبدأنا بإسلامه ، ثم بمواقفه ، واليوم عن حبه لله والنبي ، وكل حلقة سنتفرد بها بصفة من صفاته ثم سيأتي في الحلقات القادمة أخلاقه ، شجاعته ، قوته .. لغاية أن نلم بكل حياته ونصل في نهاية الحلقات إلى وفاته وسنفرد حلقة كاملة لها ولعلها تكون أكثر الحلقات وجعاً للقلوب وتأثيراً ..
ولنعود إلى حلقة اليوم وهي تدور حول محور واحد وهو الحب مع الله.. وكيف هناك الكثيرين ممن فقدوا هذا الحب .. (هل تذكرون رمضان الماضي وكيف كانت القلوب رقيقة والقرب من الله والحرص على الطاعة.. فما الذي حصل ولماذا تضيع أو تقل الطاعة بعد رمضان ..ولماذا القلوب لم تعد قريبة من الله ؟ وأين ذهبت حلاوة هذا القرب ..؟
فحلقة اليوم تبين لك سيدنا عمر وقد اشتد القرب بينه وبين الله لدرجة أنه بدأت تحدث أشياء كأن يتحدث بأمر ثم يأتي النص القرآني مطابقاً لما قاله عمر رضي الله عنه ..
ولنبدأ بحب عمر مع الله تبارك وتعالى .. وهذا الحب لايأتي من العدم .. فهناك من يقول لك أنا أحب الله فإن سألته هل تصلي سيأتي جوابه بـ لا "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله" فعمر حبه لله مرتبط بأفعال ..
ستجد مثلاً أنه كان يوجد خطين أسودين تحت عينيه من أثر البكاء من خشية الله ..
هل تذكر متى بكيت من خشية الله آخر مرة ..
كان في إحدى المرات يسير في الطريق ، فسمع من يقرأ آية "إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع" فلم يستطع عمر أن يكمل سيره وجلس .. فحملوه إلى داره وبقي مريضاً لمدة شهر ومن يزوره من الصحابة لا يعلمون السبب وراء مرض عمر ..
لغاية إن سمع آية أخرى تتكلم عن رحمة الله وعفوه .. فتحرك ونشط ..
هل نرى هذا القرب الشديد من الله ؟
كان لا يتحمل أن يرى من يخطئ ، وحدث أنه كان هناك من تصرف خطأ ًفجاء سيدنا عمر بعصاه يريد أن يؤدب هذا الرجل الذي كان خائفاً من ضرب سيدنا عمر له وقال له : ذكرتك بالله ، خوفتك بالله..
فتراجع سيدنا عمر وقال له : ذكرتني بعظيم ..
فهل نرى رقته وقربه من الله وإحساسه لإرضاء الله ..
النبي بعد إسلام عمر قال : لقد فرح أهل السماء بإسلام عمر ...
ونتيجة لذلك فإن الله عزّ وجل أجرى على لسانه موافقات عديدة للنص القرآني ..فهو كان يُلهم بأمر فينزل القرآن بنفس المعنى ..وسأضرب لكم الأمثلة على ذلك ..
في إحدى المرات عندما كان يطوف مع النبي صلى الله عليه وسلم حول الكعبة فقال يا رسول الله: أليس هذا مقام أبينا ابراهيم.,.
قال النبي : بلى
قال عمر : يارسول الله أفلا نتخذ من مقام إبراهيم مُصلى .. (صلاة ركعتين خلف المقام)
فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم نزل الوحي بنفس الكلمات "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى" ..
من عنده هذا الإحساس القوي إلاّ من قلبه متعلق بالله جداً .. يطلب أمر ثم يأتي به الله سبحانه وكما تمنى ..
موقف آخر مر بحياة سيدنا عمر بن الخطاب ، أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وقال :يارسول الله زوجاتك يدخل عليهن البر والفاجر أفلا تأمرهن بالحجاب يا رسول الله..
فنزل قول الله تبارك وتعالى بعد كلامه مع النبي موافقاً لكلام سيدنا عمر "وإذا سألتموهن متاعاً فسألوهن من وراء حجاب"
موقف ثاني ، وأنا إن كنت أحدثكم عن هذه المواقف فمن يكون على علم وعنده الإحساس القوي بكلام الله لدرجة أنه يُكمِّل وينزل القرآن مطابقاً لكلامه لابد أن يكون هذا الإنسان على مستوى عالي جداً من الإيمان..
نحن لدينا حديث للنبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه: إنه كان في الأمم من قبلكم مُحدثون فإن يكن في أمتي فعمر بن الخطاب ..
محدثون أي ملهمون بإرادة الله تبارك وتعالى يُجري الله على لسانه ما يريده الشرع .. ويأتي الشرع موافق لكلام هذا المحدث أو الملهم ..
العلماء لهم تعليق على هذا الحديث : أنه كان يوجد الكثير من المحدثين أو الملهمين في الأمم السابقة والنبي صلى الله عليه وسلم جزم هذا الأمر ، وكلمة "إن" في الحديث هنا شرطية أي في الغالب لا يوجد وإن وجد فسيدنا عمر بن الخطاب ، مع إن هذه الأمة من أفضل الأمم ولماذا المحدثون كانوا في الأمم السابقة وليس في هذه الأمة غير سيدنا عمر وهو الوحيد الذي قصده النبي بحديثه ..
ويتفق العلماء بأن الأمم السابقة كانت تحتاج إلى وجود ناس ملهمة لأن شريعتهم كانت تحتاج إلى ذلك ولكثرة الزيغ عندهم .. ولكن أمة محمد منّ الله عليها باكتمال هذا الدين والقرآن الكريم هذا المنهج العظيم لم يترك لنا أي أمر وشمل كل أمور الدنيا والآخرة "اليوم أكملت لكم دينكم" فالله أتم لنا هذا الدين والأمة لا تحتاج لمحدث أو ملهم ولا لأصحاب رؤيا ، لأن هذه الأمة اكتمل دينها ..
لكن لو وُجد مُحدِّث أو مُلهم في هذه الأمة لكان سيدنا عمر بن الخطاب .. فنرى قيمة موافقاته وتفرده في هذه الأمة بأن يقوم بهذا الدور دور المحدث الملهم بإرادة الله تبارك وتعالى ..
موقف آخر ، مرة كان الرسول يقرآ آيات من سورة المؤمنون على الصحابة عقب نزولها فوراً وكانت هذه الآيات تتكلم عن خلق الإنسان .."ولقد خلقنا الإنسان في سلالة من طين" "ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر"
فسيدنا عمر أول ما سمع هذه الآيات تدبر خلق الإنسان وقبل أن يُكمل النبي بقية الآيات قال عمر بأعلى صوته :فتبارك الله أحسن الخالقين، فإذا بالآية الكريمة تنزل بنفس ما قاله عمر .. رضي الله عنه وأرضاه..
فهل نرى موافقة الآيات مع قوله .. وكل هذا من تفاعله مع الآيات فيكملها..
لنرى موافقته للقرآن في قضية تحريم الخمر، فأول ما نزلت الآيات عن الخمر "يسألونك عن الخمروالميسر قل فيمها إثم كبير ومنافع للناس وأثمهما أكبر من نفعهما" وهذه الآية كانت في مراحل تحريم الخمر ..
فرفع سيدنا عمر يديه إلى السماء وقال : اللهم بين لنا في الخمر دليلاً وآية ..
فنزلت آية أخرى عن الخمر "ياأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى" فرفع أيضاً يديه إلى السماء وقال :اللهم بين لنا في القرآن حكماً نهائياً .. فهل نرى قوة تفاعله وإحساسه إلى أي درجة ..
فنزل قول الله عزّ وجل "ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحكون" "إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون" .. فقام سيدنا عمر وقال : قد انتهينا يارب .. قد انتهينا يارب .. وكان أول من ذهب ليفرغ الخمور فامتلأت شوارع المدينة بالخمور وكأنها كانت ليلة ممطرة .. حتى أن الناس عندما خرجوا في اليوم التالي وجدوا الطرقات وكأنها تسبح في الخمر ويدل ذلك على انتهاء الناس عن الخمر والتخلص منه ..
فيا مسلمين يامن تشربون الخمر لغاية الآن هل ممكن أن يكون هناك مسلم يشرب الخمر ؟ أو من يجادل في الآيات القرآنية ويقول بأن الله أمرنا أن نجتنب الخمر ولم يحرمها .. فهل يعقل هذا الكلام وهذا الافتراء على الله..
فهل رأينا موافقات سيدنا عمر مع القرآن وفي مواقف عديدة ..
موقف آخر لهذه الموافقات .. غلام من الأنصار أرسله النبي إلى عمر فدخل عليه في وقت الظهيرة .. وكان سيدنا عمر قد تكشفت هدومه بعض الشيء عندما دخل عليه هذا الغلام .. فرفع عمر يديه إلى السماء وقال: اللهم حرم الدخول علينا في وقت نومنا.. فسبحان الله يدعو الله فينزل القرآن بالإجابة، يتحدث بكلمة تنزل الآية بنفس ما تحدث ..
فهل هناك مناّ من هو مثل سيدنا عمر بتفاعله وقربه من الله هذا القرب الكبير ..
وهذا لا يتحقق إلاّ وكما ذكرت في بداية الحلقات بالعبادة الشديدة .. فعمر كان عابداً يذكر الله كثيراً كلما سمع بآية تأثر بها تأثراً شديداً ..
وهكذا نزلت الآية "ياأيها الذين آمنوا ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء .. ثلاث عورات لكم"
عمر واليهود .. كان لعمر مواقف مع اليهود عجيبة جداً سنرى كيف أنه يتحدث بأمر فيُنفذ ..
جاءه يهودي وقال له :ياأمير المؤمنين عندكم في القرآن آية لو نزلت علينا نحن معشر اليهود لاتخذناها عيداً ..
فسأله سيدنا عمر عن هذه الآية.. قال اليهودي "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا"
فضحك سيدنا عمر، وسنرى فهمه وتفاعله مع القرآن عندما ردّ عليه وقال: وهي عندنا عيد ..نزلت على رسول الله يوم عرفة يوم جمعة..(أي عيد بعيدين)
أيضاً من كثرة تفاعله مع القرآن عندما نزل قول الله تعالى في سورة الواقعة عن المقربين من الله وهم السابقون الأولون وعن النعيم الذي سيعطيهم الله لهم في الجنة وجاء ذكرهم في القرآن بأنهم "ثلة من الأولين وقليل من الآخرين" فبكى عمر رغم أنه هو يعتبر من الأولين .. وثلة أي عدد كبير ، ولكن يبكي على من سيأتي من بعد .. نحن .. فنزل قول الله تبارك وتعالى في نفس سورة الواقعة عن أصحاب اليمين "ثلة من الأولين وثلة من الآخرين" .. فضحك عمر وقال اللهم لك الحمد.
فهل نرى حبه لهذه الأمة ..
كان هذا عن مواقفه وموافقة الآيات الكريمة لقوله أو لدعوته.. ولنرى مواقفه مع النبي صلى الله عليه وسلم والحب المتبادل بينهما والعلاقة الحميمة بينهما..
من المواقف الجميلة موقف ذكره ابنه عبد الله بن عمر عن والده أنه بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسير ومعه مجموعة من الصحابة وكان من بينهم سيدنا عمر ، والنبي كان يعلم مدى قوة شخصية سيدنا عمر فكان أن أمسك النبي بيد سيدنا عمر .. فتشابكت يده بيد النبي صلى الله عليه وسلم .. فعمر أحس بفرحة كبيرة وقال بصوت عال : والله يارسول الله إني أحبك .. فقال له النبي :أكثر من ولدك يا عمر ..
فقال : نعم يا رسول الله
قال النبي :أكثر من أهلك
فقال: نعم يارسول الله
قال:أكثر من مالك يا عمر
فقال : نعم يارسول الله
فقال له النبي :أكثر من نفسك يا عمر
فقال :لا يارسول الله
فعمر صادق ولأبعد حدود وواضح جداً ..
فقال له النبي :لا ياعمر ، لا يكتمل إيمانك حتى أكون أحب إليك من نفسك..
يقول عبد الله بن عمر : فانزوى أبي..
فترك عمر الصحابة وجلس مع نفسه لوهلة قصيرة يفكر.. ثم عاد إليهم يرفع صوته ويقول : يارسول الله والله لأنت الآن أحب إليّ من نفسي
فقال له النبي: الآن يا عمر ، الآن يا عمر.. (أي اكتمل إيمانك) ..
حتى إن عبدالله بن عمر ذهب إلى أبيه وقال له :هل تملك مفاتيح قلبك؟
فقال عمر :يابني جلست أسأل نفسي .. لمن تحتاج أكثر ياعمر لنفسك أم لرسول الله .. فتذكرت أني كنت في الضلالة وفي الظلمات ولولا أنّ الله جعل رسول الله سبباً لما اهتديت .. ثم تذكرت أني آتي يوم القيامة فأكون في درجة من درجات الجنة لكني لا أبلغ الفردوس الأعلى إلا بحبي لرسول الله .. فوجدت إني أحتاجه أكثر من نفسي .. فأحببته أكثر من نفسي..
هذا الكلام يمكن أن يكون بمثابة تدريب لقلوبنا ، لبذل الجهد مع أنفسنا لاتباع أوامر الله ورسوله ..
من حبه الكبير والعجيب في نفس الوقت لرسول الله .. يوم أن أسلم العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم ، قال له عمر : والله يا عباس لفرحي بإسلامك أكثر من فرحي بإسلام أبي الخطاب لو كان أسلم..(وكان والده قد مات علىالكفر)
فقال له العباس : ولما
قال عمر : لأن رسول الله صلى عليه وسلم يفرح بإسلامك ويحبك أكثر من فرحه بإسلام أبي وحبه لأبي ..
فهل نرى مدى هذا الحب ..
فالنبي يفرح بأمور كثيرة أهملت في هذه الأيام .. فلو نظر النبي اليوم لما يحدث ..
فأعمالنا تعرض عليه فما كان فيها من خير حمد الله وما كان فيها من شر استغفر لنا الله ..
لكن هل نرى تفاعل سيدنا عمر مع النبي صلى الله عليه وسلم .. فكان لا بد أن يبادله النبي حباً بحب ..
من حب النبي لعمر .. عمر كان يجلس مع ابنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فعبد الله ابن عمر يقول له : يا أبتي إن نسيت ما نسيت من حياة النبي .. أي لو نسيت كل مواقفك معه فما هو الموقف الذي لاتنساه..
فقال عمر :يا بني إن نسيت ما نسيت فلا أنسى يوم استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن أخرج لأداء العمرة .. فقال لي النبي : لاتنساني يا أخي من صالح دعائك .. (فهل نرى تواضع النبي وهو يطلب من أحد أتباعه أن يدعو له ..)
معنى جميل جداً ، ولكن لنبدأ نمسك بمواقفه ونرى حبه الشديد للنبي صلى الله عليه وسلم ..
في موقف طلاق زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ، ذلك أن زوجات النبي أثقلن عليه في فترة من الفترات وسببن تعباً كبيراً للنبي صلى الله عليه وسلم ..
لكن هذا الموقف كان له مقدمة ، فعمر كان مرة يجلس مع زوجته وكان أن طلب منها أمراً ونحن نعلم صرامته وشدته .. فكان أن راجعته وجادلته..
فقال لها : أتراجعينني..
فقالت : ولما لا أراجعك وزوجات النبي يراجعنه ..
قال : أتصدقين فيما تقولين ..
فقالت : نعم
فتركها وذهب مسرعاً على بيوت زوجات النبي وكانت حفصة ابنته من إحدى زوجاته ..
فقال : يا حفصة أتراجعين النبي صلى الله عليه وسلم؟
قالت : نعم وربما نغضبه إلى الليل ..
فقال : يا بنيتي لا تفعلي فيغضب عليك النبي فيغضب الله لغضب النبي .. يا بنيتي لا يغرنك صاحبتك (يقصد السيدة عائشة أن لاتحاول أن تقلدها) فإنها أضوأ منك (أجمل منك) وأبوها أحب إلى النبي من أبوك .. (هل نرى التواضع عنده)
ثم ذهب عمر وفي قلبه قلق .. فبدأ يلف على زوجات النبي يقول لهن:عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيراً منكن.. فنزلت الآية بنص كلمات عمر..
لدرجة أنه حدثّ في يوم من الأيام ، أنه كان له بستان يتعاقب عليه مع رجل أنصاري لإصلاح هذا البستان والنبي في المدينة ، وهذا البستان في منطقة العوالي (منطقة العوالي مكان موجود لغاية اليوم كله زرع ونخيل.. بعيد عن المدينة بعض الشيء ).
فكان سيدنا عمر يزرع يوم في هذا البستان واليوم التالي يتفرغ لمرافقة النبي والأنصاري يفعل نفس الشيء .. فكانا يتبادلان المواقع حتى تتاح الفرصة لكلاهما صحبة النبي صلى الله عليه وسلم ..
وهنا لفتة أردت أن أبينها بأن الصحابة كانوا أصحاب أعمال أو مهن ولم يكونوا يجلسون في المساجد طوال النهار فهم كانوا يعملون ، وعمر كان يبدل مع الأنصاري فيوم مع النبي ويوم في البستان .. فكيف بالطلبة الذين لا يذاكرون ، والفاشلين في حياتهم .. ومن يقضون كل نهارهم في المساجد ويعتقدون أن الصحيح هو الالتزام بالعبادة وترك العمل .. فإذا كان عمر يعمل ويجمع بين العبادة والعمل ,,
فعمر جالس في البستان وصاحبه الأنصاري كان مع النبي ..
يقول عمر :فطرق عليّ الباب طرقاً شديداً حتى فزعت ..
فقلت : ماذا .. أهاجمت المدينة غسان (أي قبائل الغساسنة) فعمر أحس من شدة طرق الباب بأن هناك أمراً قد حدث ..
فقال الأنصاري: أشد
فقال : رسول الله طلق زوجاته ..
فقال عمر :وامصيبتاه
وكان همه الأكبر ليس إن كانت ابنته طلقت ولكن همه غضب النبي وحزنه..
فعمر لم يذهب إلى ابنته بعد هذا الخبر ..
يقول عمر :فانطلقت إلى المسجد .. دخلت المسجد فإذا بجوار المنبر مجموعة من أصحاب النبي يبكون ..
فقلت : ماالذي حدث ، أطلّق الرسول زوجاته ..
قالوا : لا ندري إنما اعتزل الرسول زوجاته وجلس في حجرة صغيرة جاعلاً عليها بواب (ليس بمعنى بواب ) حتى يستئذن من يريد الدخول عليه وكان هذا البواب سيدنا بلال بن رباح .. وكان يرفض التكلم مع أي أحد ولا يأذن لأحد بالدخول عليه .. ولا أحد يعلم ماذا حدث هل طلق زوجاته أم لا حتى زوجاته لا يعلمون أيضاً ..
فعمر كان حزيناً جداً لما حدث ليس من أجل ابنته ولكن من أجل النبي..
فنحن كنا تكلمنا وفي حلقتين عن قوة عمر وبقية الحلقات القادمة سنتكلم عن قوته ، ولكن في هذه الحلقة نتكلم عن رقته .. وأنا قصدت أن أبين لكم رقته وحبه للنبي وذلك لأن بعض الناس المتدينين يريدون أن يقلدوا سيدنا عمر فتأتي النتيجة أن يتصرفوا بطريقة غلظة وشديدة .. فالمؤمن سهل ورقيق ، وكله حنان .. وقوي في وقت الشدة ..
فيدخل عمر ويطلب من بلال أن يأذن له بالدخول على النبي ..
فيقول له بلال : سأستئذن لك ..
فيعود بلال ويقول : لم يأذن.
فالنبي متأثر جداً ولم يأذن لعمر ...
ثم يذهب عمر إلى بعض الصحابة فيجدهم يبكون ، فيعود عمر ويطلب من بلال أن يأذن له بالدخول على النبي صلى الله عليه وسلم .. فيتكرر الموقف ويعود بلال أدراجه ويقول لعمر بأنه لم يأذن..
فعمر يذهب ويجلس بين الناس ثم يعود مرة أخرى ويقول لبلال: أستحلفك بالله استأذن لي على رسول الله .. وهذه المرة يعود بلال ويقول لسيدنا عمر : أذن لك..
فيدخل سيدنا عمر فيجد النبي صلى الله عليه وسلم ينام على قطعة من الحصير وقد أثر الحصير في جنبه ..
فقلت : يا رسول الله أتكون أنت هاهنا تنام على الحصير وكسرى وقيصر يتمتعون بالمال والجاه والسلطان ..
فقال النبي : أو في شك أنت يا عمر
فقلت : معاذ الله استغفر لي يا رسول الله ..
فقال : يا عمر أولئك قوم عُجلت لهم حسناتهم في الدنيا (أي لاتفرح بهذا العز الذي هم فيه) ..
وعمر كان يريد أن يسأل النبي إن كان قد طلق زوجاته ولكن لم يكن يتجرأ .. فكان أن وضع خطة وهو أن يبدأ بإضحاك النبي أولاًَ حتى تتسنى له الفرصة ويسأله..
فقلت يارسول الله (الكلام لعمر): كنا معشر المهاجرين أيام كنا في مكة لا تستطيع امرأة أن تراجع رجل فلما جئنا إلىالمدينة إذا برجال الأنصار نساؤهم يراجعنهم فتعلمت نسائنا منهن ..
فابتسم النبي صلى الله عليه وسلم ..
فقال يارسول الله : أتدري والله ما كانت امرأتي تستطيع أن تراجعني في مكة أما الآن فتراجعني وتراجعني ..
فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ..
فبادره عمر فوراً بالسؤال : يارسول الله أطلقت زوجاتك
فقال : لا ..
فقال عمر : الحمد لله ..
فهل نرى حبه الشديد للنبي صلىالله عليه وسلم ، ولطفه معه ..
فلنسمع ماذا كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم عن عمر رضي الله عنه .. وكيف بشره بالجنة ..
في حديث لطيف لأبي موسى الأشعري كان واحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .. يقول : بحثت عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد فلم أجده ، فسألت عنه بين بيوت أزواجه فلم أجده .. فسألت أين النبي ، فقيل لي :تحرك في هذا الاتجاه .. فمشيت في هذا الاتجاه حتى وصلت إلى بئر اسمها بئر أريف.. فإذا بالنبي قد توضأ وجلس على حافة البئر ودلّ قدميه في البئر وكشف عن ثوبه أي رفعه .. فقلت : لأجعلن نفسي بواب النبي صلى الله عليه وسلم اليوم .. (فأبو موسى الأشعري نفسه عين نفسه أن يكون حارثاً للنبي دون أن يطلب النبي منه ذلك وهذا يدلنا على مدى حب الصحابة للنبي وتفانيهم في خدمته أو حراسته)
فوقفت على باب النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاء أبو بكر ، فأراد أن يدخل ، فقلت : على رسلك يا أبابكر حتى أستأذن لك على رسول الله..
فلماذا لا نحاول نحن إرضاء النبي صلى الله عليه وسلم اليوم وهو غير راض عن ما يحدث وخصوصاً والمسجد الأقصى أسير .. والمسلمين وبعدهم عن الله .. والمعاصي التي تحدث من شرب خمر وزنا وترك الصلاة الخ ..
فهل نحن مدركون خطورة كل هذا ..
لنعود إلى الصحابي موسى الأشعري وماذا حدث عند البئر ..
فدخلت على النبي : قلت يارسول الله أبو بكر في الباب يستئذن.. فابتسم النبي .. فقال له : إئذن له وبشره بالجنة ..
فذهبت إليه وقلت : رسول الله يأذن لك ويبشرك بالجنة..
فدخل أبو بكر فجلس بجوار النبي صلى الله عليه وسلم وبلّ قدميه في داخل البئر وكشف عن ثوبه ..
فجاء عمر بن الخطاب وأراد أن يدخل ، فقلت : على رسلك يا عمر حتى أستأذن لك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
فدخلت على النبي فقلت :يارسول الله عمر في الباب يستأذن أن يدخل ..
فقال النبي : إئذن له وبشره في الجنة .. فدخل عمر.. ( هل نرى هذا الترتيب الإلهي بدخول أبو بكر أولاً ثم عمر وكيف تمت لهم الخلافة بعد وفاة النبي أبو بكر أولاًَ ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي بن أبي طالب (الخلفاء الراشدون)
ثم جاء عثمان بن عفان فأراد أن يدخل ، فقلت : على رسلك فاستئذنت له فقال النبي :إئذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه ..
صلى الله على محمد ، صلى الله عليه وسلم ..ورؤيته للأحداث التي ستحدث ..
فخرجت وقلت له :رسول الله يأذن لك ويبشرك بالجنة على بلوى تصيبك..
قال عثمان :الله المستعان انشاءالله ..
فدخل الثلاثة وظلوا جالسين بجوار النبي صلى الله عليه وسلم ..
يقول أبو موسى الأشعري فظللت أدعو الله أن يأتي أخي فيحدث له ما حدث ويبشره النبي بالجنة .. ولكن جاء علي بن أبي طالب .. واجتمع الخلفاء الراشدون الأربعة مع النبي صلى الله عليه وسلم وبُشر الأربعة بالجنة ..
وهكذا رأينا هذه العلاقة الوطيدة بين النبي صلىالله عليه وسلم وسيدنا عمر .. وهذه المحبة الشديدة بينه وبين النبي,,
النبي جالس مرة بين أصحابه فقال : نِعم الرجل أبو بكر ، نِعم الرجل عمر
هكذا رأينا هذه الحلقة جاء فيها حب سيدنا عمر لله ورسوله ، وموافقة ما يتحدث به مع القرآن ، وكلام النبي عنه .. وكيف وأنه وفي وسط ما تحدثنا عن هذه الشخصية القوية نجد فيه أيضاً الرقة والحنان والحب..
أما عن فضائله والكلام الجميل الذي جاء في هذا الموضوع ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان داخلاً المسجد النبوي وكنت قد ذكرت هذا الحديث في قصة حياة أبو بكر لأنه يتعلق أيضاً به ..
دخل النبي صلى الله عليه وسلم ينادي : أين أبو بكر تعال بجواري ..
أين عمر .. تعال بجواري .. والصحابة يجلسون وينظرون إلى الذي يحدث..
وأمسك النبي صلى الله عليه وسلم بيد أبا بكر ثم أمسك بيد عمر ورفعهما وقال : هكذا نُبعث يوم القيامة ..
من المواقف الجميلة أيضاً التي ذكرها الصحابة : كنا نقول ورسول الله يسمع .. خير الناس بعد رسول الله ، أبو بكر وعمر .. والنبي يسمع فيبتسم ويسكت.. (وهذا يدل على موافقته على رأي الصحابة في أبو بكر وعمر)
عمر بن العاص كان أن عاد من معركة ذات السلاسل منتصراً ، والنبي سعيد به جداً ، فسيدنا عمر بن العاص كان يريد أن يسمع كلمة من النبي أمام الصحابة .. فسأل النبي : يارسول الله من أحب الناس إليك؟
وكل هذا يعود لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعامل الصحابة بكل رقة فكل واحد منهم يظن بأنه أحب شخص إلى النبي ..
فقال النبي : عائشة
هل نرى منزلة المرأة عند النبي .. وهو لم يخجل أن يقول أن أحب الناس إليه زوجته ..
فقال عمر بن العاص : ليس عن النساء أسألك إنما أسالك عن الرجال
قال النبي : أبوها أبو بكر
قلت : ثم من
قال : عمر
يقول : فسكت وقلت في نفسي سأعتبر نفسي من الناس الذين يحبهم ..
ولكن هل نرى كيف أن النبي أول اسمين ذكرهما كان أبو بكر وعمر ..
الحسن البصري له كلمة جميلة جداً وكلماته كانت تمتاز بالرقة .. يقول: لكأني أرى الإسلام يأتي يوم القيامة يتصفح وجوه الناس يقول يارب هذا نصرني يارب هذا خذلني .. يارب هذه نصرتني يارب هذه خذلتني ... حتى يصل إلى عمر فيأخذ بيد عمر ويقول يارب كنت غريباً حتى أسلم هذا الرجل..!
فهل نتخيل مقام سيدنا عمر ..
من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم يقول : رأيتني في المنام وكأنني في الجنة فبينما أنا أسير في الجنة رأيت قصر عظيم فقلت لمن هذا القصر ألي هذا القصر.. فقيل لي لرجل من قريش .. فقلت ألي هذا القصر .. فقيل لي : لا بل لعمر بن الخطاب ..
في حديث آخر يقول النبي صلى الله عليه وسلم :رأيتني في المنام أسير في الجنة فرأيت قصر ورأيت امرأة تتوضأ بجوار القصر فقلت لمن هذا القصر .. فقيل لي لعمر بن الخطاب .. يقول : فوليت تذكرت غيرة عمر على النساء فوليت بعيداً عن القصر .. فبكى عمر وقال : أو مثلي يغار على مثلك يارسول الله..
فهل نرى مقام سيدنا عمر .. ونحن ماذا نفعل للإسلام ولن نبلغ هذه المنزلة ولكن يجب أن نفعل شيئاً من أجل هذا الدين .. لماذا لا نأخذ بأيدي الآخرين ، أو إصلاح من حولنا .. ونعيش من أجل الله وننصر هذا الدين وليكن من أولوياتنا أن هذا الدين غالي جداً وعزيز .. وأن تكون رسالتنا في الحياة تربية أولادنا حتى يأتي منهم من أمثال صلاح الدين .. لتحرير المسجد الأقصى.. وأن يكون حلم حياتنا أن نصلي في القدس .. وأن ينتصر الإسلام ويقود الدنيا ..
فهل نرى من خلال هذه الأحاديث منزلة عمر وأين نحن منه .. ولست هنا لكي أهبط عزائكم أو معنوياتكم وأنا أعلم بأن هناك الكثير من الناس يعيشون من أجل الإسلام .. وهذا شيء جميل جداً وأدعو الله أن يزداد عددهم .. ولكن أحاول شد العزائم والهمم وأجند نفسي معكم بأننا نريد أن نعيش للإسلام ..
ومن الأحاديث الجميلة أيضاً للنبي صلى الله عليه وسلم ، يتحدث عن رؤية له في المنام .. يقول : رأيتني في رؤية فرأيت الناس يعرضون عليّ يوم القيامة وعليهم قمص فمنهم من يبلغ القميص ثدييه ومنهم ما دون ذلك ورأيت عمر بن الخطاب عليه قميص يجره وراءه ..
فالصحابة يستعمون إلى حديث النبي ويريدون تأويل هذه الرؤية وإلى ماذا يرمز القميص في هذه الرؤية ..
فقالوا : فما أولته يارسول الله ..
فقال : القميص .. الدين
فيا ترى كيف بيوم القيامة وكيف بمن كان بعيداً في هذه الدنيا عن الله وطاعته فكيف سيكون قميصه .. وهناك من سيأتي عاري .. فعري يوم القيامة صعب جداً .. والكسوة يوم القيامة رحمة من الله .. كيف سنأتي نحن يوم القيامة .. كساة أم عراة .. وإلى أي مدى سيغطي القميص جسدنا؟ وهذا الكلام طبعاً يؤثر في النساء وكلهن عفة وحياء..
لكن عمر بن الخطاب سيأتي يوم القيامة يجر قميصه وراءه ..
من الأحاديث أيضاً التي تدلنا على منزلة سيدنا عمر ، وكل هذا أنا أروي لكم الأحاديث التي تتحدث عن منزلته ..
يقول النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله يجري الحق على لسان عمر وقلبه وهو الفاروق يَفرق الله به بين الحق والباطل ..
حديث آخر ، كان النبي صلى الله عليه وسلم قد إئتمن حذيفة بن اليمان على كل الفتن التي ستحدث إلى يوم القيامة .. فسيدنا حذيفة كاتم سر النبي.. وسيدنا عمر كان على علم بأن حذيفة قد أطلعه النبي على كل الفتن التي ستحدث .. فبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وعندما أصبح عمر أميراً للمؤمنين.. فحدث أن سيدناعمر كان جالساً والصحابة من حوله ومن بينهم كان حذيفة ..
فقال سيدنا عمر : يا حذيفة حدثنا عن الفتن ..
فقال حذيفة : فتنة الرجل في بيته وأهله وماله يكفرها الصدقة والعمرة والدعاء والقيام ..
فقال عمر : ليس عن هذه الفتن أسألك ، إنما أسألك عن فتن تموج كقطع الليل .. فتن شديدة تشمل الأمة وليس الأفراد ..
فقال : حذيفة ومالك أنت وبهذه الفتن يا أمير المؤمنين إن بينك وبين الفتن باباً مسدوداً ..
فقال عمر : يا حذيفة أيفتح الباب أم يُكسر ..
قال حذيفة : بل يُكسر
فقال عمر : إذاً لايعود إلى مكانه بعد ذلك أبداً ..
ثم قام عمر يبكي .. فهل نرى حبه لأمته ..
فالصحابة عندما رأوا سيدنا عمر يبكي وهم لم يفهموا هذا الحوار بين سيدنا عمر وسيدنا حذيفة ..
فقالوا : يا حذيفة ماالباب وما الفتن ؟
فقال حذيفة : الباب هو عمر (الباب الذي يمنع الفتن عن الأمة) فإذا مات عمر فتح باب للفتنة لا يغلق إلى يوم القيامة ..
هل نتخيل فرد يحمي الأمة لغاية يوم القيامة ..
فهل تستطيع أنت أن ترد الفتنة عن مكان عملك ، أو جامعتك .. أو القسم الذي تدرس فيه ، أو أصحابك ، أو شارعك ، أو منزلك ، أو حتى في داخل غرفتك .. فإن كنت لا تستطيع أن تمنع هذه الفتن حتى ولو في داخل غرفتك.. فأنت ضعيف جداً .. فعمر منع الفتن حتى مات وفتح هذا الباب بعد وفاته..
بعد هذا الحديث الذي دار بين سيدنا عمر وسيدنا حذيفة .. انتشر بين الصحابة كلهم وبين الأمة أن الذي يمنع الفتن عمر فإن مات فستحدث ..الفتن..
يوم وفاة سيدنا عمر بن الخطاب ، خرجت امرأة بسيطة ووقفت في وسط المدينة تقول بأعلى صوتها :واعمراه ، لقد فتح باباً للفتنة لايغلق إلى يوم القيامة ..
فهل نرى إدراك هذه المرأة ..
فلنحاول منع الفتن وأن لا تصل إلى الناس .. فهل نرى مقام سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه ..
فأنا أردت من كل هذه الأحاديث التي تتكلم عن فضائله وقيمه لعل أحداً تتحرك فيه النخوة والإيمان في قلبه فيقلده ويقرر أن يمنع باب الفتن ويأخذ بأيدي الناس..
في إحدى المرات جاء إلى النبي وفد من نساء قريش يكلمهم في الدين فبدأت أصواتهم تعلو وبدأوا يتجاذبون الحديث .. فجاء سيدنا عمر.. فما أن سمعوا صوته وهو يستأذن في الدخول ، فإذا بالنساء كلهن يلزمن الصمت ويتبدرن الحجاب (هذا لايعني أنهن كن غير محجبات ، ولكن الحجاب هنا أنّ كل واحدة منهن حاولت أن تستخفي ) فدخل سيدنا عمر وضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال : إن هؤلاء النساء كن عندي فكن يرفعن أصواتهن فلما دخلت أنت يا عمر هبنك ( أي خافوا منك) فقمن يبتدرن الحجاب ..
فقال عمر : والله لأنت أحق أن يهبن يارسول الله ..
ثم إن عمر وجه كلامه للنساء وقال : يا عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
فقالت النساء : أنت أغلظ وأفظ من رسول الله ..
فضحك النبي وقال : والله يا عمر لو رآك الشيطان سالكاً فجاً أو طريقاً لخاف منك وسلك طريقاً آخر ..
فهل أدركنا كيف أن عمر ، حتى الشيطان يهرب منه .. والشيطان ماذا يريد منا نحن البشر فهو يريد أن يوسوس لنا حتى نكسب السيئات .. وإذا كان هناك من يوسوس له الشيطان فيزداد قوة فيكسب الحسنات فالحل عند الشيطان أن يبعد عنه حتى لا تزداد حسناته ..
فمن أجل ذلك فالشيطان كان يتجنب عمر ليس خوفاً من عمر ولكن حتى لا يكون سبباً في كسب سيدنا عمر للحسنات ..
أي منزله هذه وأي مقام هذا .. ومن منا متشوق ليصارع الشيطان ويقف له بالمرصاد ولا يعطيه الفرصة أبداً لإفساد الناس ، أو من يعمل على سد الفتن عن الناس..
يقول النبي صلى الله عليه وسلم : رأيتني في المنام وُضعت في كفة ووضعت الأمة في كفة فرجحت بالأمة .. ثم وُضع أبو بكر في كفة والأمة في كفة فرجح أبو بكر بالأمة .. ثم وُضع عمر في كفة والأمة في كفة فرجح عمر ..
اوزنوا واعملوا أعمال تتقربون بها ، لن نصل إلى منزلتهم ، ولكن نريد أن نرتفع أن نقدم شيء للإسلام لا نريد أن نعيش فقط من أجل أن نعيش ونموت نريد أن يكون لنا قيمة أعظم مما نحن عليه الآن نريد أن نتقرب من الصحابة ومن عمر وفضل عمر ..
أسـأل الله تبارك وتعالى أن يجمعنا معه في الجنة ويرزقنا الإخلاص ويستخدمنا لنصرة ديننا حتى نلقى الله وهو راض عنّا..
أسأل الله لي ولكم الإخلاص ونلتقي في الحلقة القادمة لنتحدث عن قوة عمر وعزته وخلافته ..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
دار الترجمة