1062
عرض كتاب "عبث الاقدار"
أدب
عرض الكتاب:

الرواية تندرج تحت تصنيف الرواية التاريخية، وهي تتحدث عن حقبة من تاريخ مصر أيام حكم الفراعنة. وقصتها تدور حول درس وعبرة تقتضي أن القدر سيقع وهو مكتوب ومهما حاولنا الفرار منه لا نستطيع تغييره. كتبها نجيب محفوظ ليوصل إلى القارئ ما يريد من أفكار أو فلسفات. . نجد فيها إسقاطات من الحاضر والتاريخ . . تلتحم السياسة بالأدب بالدين بالفلسفة لتخرج عملا مميزا كهذا الذي بين يدينا.. ها هي رواية "عبث الأقدار" التي تدور أحداثها بين أروقه القصر الفرعوني حيث يسكن "خوفو" ، وعلى رمال الهضبة التي شهدت بناءا عظيما يسمى بالهرم عاش أسفله آلاف العمال العديد من السنين" تدخلنا لأول مرة في تفاصيل هذا البناء بعيدا عن قياسات ودراسات العلماء .. تدخلنا حياة المصريين الذين بنوا تلك الأهرامات وبأيديهم .. هؤلاء المصريين الذين انقسموا إلى فراعين يتألهون ويفكرون ويأمرون، شعبا ضحى وأعطى وأمن بهذه الإلوهية .

 

اقتباس... "قال الملك للساحر: أحسنت أيها الرجل القادر. لكن هل لك سلطان على الغيب أيضاً؟ فأجابه الساحر: نعم يا مولاي. فقال له الملك: إلى متى يظل عرش مصر لملوك من ذريتي؟ فبدا على الرجل القلق والتهيب. ففطن فرعون وأدرك، فأمنه على نفسه. فاستغرق الرجل في صلاة حارة، ولبث ساعة لا يتحرق ولا يتكلم. نفذ صبر الأمير حفوف فقال له: لقد أعطاك فرعون الأمان على نفسك. فما لك لا تتكلم؟ فكتب الرجل أنفاسه وقال للملك: مولاي، لن يجلس على عرش مصر من بعدك، أحد من ذريتك"! ... نبوءة تأخذ الرواية إلى عالم نجيب محفوظ المفعم دائماً بالخيال الرائع، وبالسبك الروائي الذي يثير شغف القارئ فيمضي متشوقاً في أثر الأحداث ليصبح جزءاً منها. قدم فيها نجيب محفوظ للقراء بصورة عامة نمطاً روائياً متميزاً.

 

 

 

من الأقوال المميزة ..  يحدث الملك نفسه قائلاً: "هل ينبغي أن تشقى ملايين النفوس الشريفة من أجل مجده؟ هل ينبغي أن يولي ذلك الشعب النبيل وجهه قبلة واحدة هي سعادته. . يسأل الملك حاشيته " من الذي ينبغي أن يبذل لصاحبه: الشعب لفرعون أم فرعون للشعب؟" . . لا يتحرج أن يقول للملأ من حاشيته:" ساءلت نفسي صباح يوم: ماذا صنعت من أجل مصر، وماذا صنعت مصر من أجلي؟ ولا أكتمكم الحق أيها الأصدقاء، فقد وجدت أن ما صنعه الشعب لي أضعاف ما صنعته له، فأحسست بشيء من الألم- وكثيراً ما أتألم هذه الأيام- وذكرت المولى المعبود مينا الذي وهب الوطن وحدته المقدسة، فلم يهبه الوطن بعض ما وهبني، فاستصغرت نفسي وأقسمت لأجزي شعبي إحساناً بإحسان وجميلاً بجميل" . . آخر كلماته قبل أن يموت:" إن فرعون تربة صالحة كأرض مملكته يزدهر فيها العلم النافع".

 

الرواية في سطور .. تحكي الرواية عن نبوءة يتنبأ بها أحد كهنة فرعون وتقول أن هناك ولدا سيولد في مكان ما من مصر ويصبح فرعون البلاد. فتثور ثائرة الفرعون ويأمر بقتل جميع الأطفال الذكور. ويحكى أن كاهنا تلد زوجته طفلا في تلك الفترة من سخط فرعون وقتله للأطفال الذكور فيعمد إلى تهريب زوجته مع الخادمة إلى مكان بعيد. ويطمأن الفرعون ويرتاح أن أحدا لن يأخذ منه عرشه من خارج السلالة الحاكمة. وتمضي الأيام ويغير الغجر على المكان الذي تتوارى فيه زوجة الكاهن وخادمتها وابنه. فتقوم الخادمة بالهروب مع الصبي ويأسر الغجر الأم. تنتقل الخادمة زايا للعيش في منطقة أخرى حيث كانت تبنى الأهرامات وتتزوج من رجل هناك وتنجب منه ولدين وتربي طفل الكاهن الذي أسموه" ددف" . يكبر الصبي وتتجه ميوله للجيش وللمجال العسكري ويبرع ويكون ذا مكانة عالية في الجيش، ولبراعته يطلب منه الفرعون تجهيز حملة للقضاء على الغجر. فيذهب إلى هناك على رأس جيشه. ويقضي على الغجر لكنه يلتقي بسيدة هناك – أمه الحقيقة- ويشعر أن هذه المرأة لا تشبه الغجر وأنها من مكان أخر وتستعطفه فيحضرها معه. عندما يحضرها لمنزله تتعرف عليها الخادمة زايا ويدور بينهما حوار يسمعه زوج الخادمة ويقرر إعلام الفرعون أن الطفل الذي كان يجب قتله قبل سنين مازال على قيد الحياة. تتسارع الأحداث وينقلب ابن الفرعون على الفرعون ويحاول تدبير قتل أبيه فينقذ ددف الفرعون من محاولة الاغتيال. وحيث أن ابنة الفرعون كانت قد وقعت في حب ددف في السابق ، يعلن الفرعون تزويجه لها وينصبه وريثه وفرعونا من بعده.

 

من القراءات للرواية .. يمكن أن نعتبر هذا العمل أنه نتاج ظروف سياسية طاحنة أكلت الأخضر واليابس ، فالاحتلال الإنجليزي هو السيد المسيطر المتحكم في داخل مصر وخارجها بل لم تكن هناك وزارة خارجية آنذاك فمصير البلاد والعباد معلقُ بإشارة من إصبع السبابة للحاكم الإنجليزي ،موتاً وحياةً. قد تكون هذه قراءة بعيدة عن كل من حاول الكتابة عن عبث الأقدار ،ورأىّ المتواضع أن نجيب محفوظ أرتكن للتاريخ واحتمى به واستند إليه كاتباً روايته (عبث الأقدار ) في وقت ظن فيه الجميع حكاماً ومحكومين أن خروج المستعمر الإنجليزي من مصر هو كخروج الروح من البدن وأنه مؤبد (لصقه إنجليزي)،وأدبيات هذه الفترة تؤكد على هذا الاستسلام ومحاولة التعامل مع الاحتلال كأمر واقع لا فرار منه ولا مناص. أظن أن نجيب محفوظ وهذا ظني ..أراد أن يقول لا لمن يسير تحت ظل هذا الزعم، أن ابن البلد سيحكم هذا البلد، طال الوقت أم قصر، وهذا قدر لا فكاك منه ولا مفر.

 

 

 

 

 

 

تحليل للرواية.. "عبث الأقدار" هي قصة ارتقاء "ددف رع " عرش مصر، خلفا عظيما لسلف عظيم هو "خوفو" صاحب الهرم ، وهي أيضا قصة ارتقاء ابن وفي نموذجي من أبناء الطبقة الوسطى ، مدارج المجد حتى أسمى مراتبها - وهذه قصة أخرى لن يفتأ "نجيب محفوظ ا، يرددها في كل أعماله على وجه التقريب ، بكل تنويعاتها - ولكنها فوق ذلك كله قصة القدر المضروب ، النافذة كلمته ، أو بالأحرى قصة الحوار الذي يدور دائما بين الإنسان إذ يتحدى الجبرية المفروضة عليه " وهذه القوة العليا المطلقة الكلية التي تحدد في النهاية مسار حياته مهما تملص من قبضتها . حوار ينتهي دائما بإخفاق الإنسان واندحار بطولته، ينتهي دائما بسيادة شيء ما أعلى من منطق الإنسان وأقوى من كل جهوده "لقد اتفقت كلمة الحكمة المصرية التي لقنتها الأرباب للسلف. . بأن الحذر لا ينجى من القدر . . لو كان القدر كما تقولون لسخف معنى الخلق ، واندثرت حكمة الحياة وهانت كرامة الإنسان ، وساوى الاجتهاد الاقتداء ، والعمل الكسل ، واليقظة النوم ، والقوة الضعف ، والثورة الخنوع ، كلا . . . إن القدر اعتقاد فاسد لا يخلق بالأقوياء التسليم به “. وعلى الرغم من هذا الاحتجاج القوي فمن العجيب أن تنتهي الرواية بنفاذ كلمة القدر . فهل يرى الكاتب أن معنى الخلق لسخيف، وان حكمة الحياة المندثرة، وان كرامة الإنسان هي حقا من الهوان بمكان ؟ والغريب أن مضي حكم القدر إنما يتأتى ، في أولى روايات "نجيب محفوظ " ، عن طريق فروب الكفاح الشريف والخلق الفاضل والشجاعة وحصافة العقل وفطنة القلب معا . جاءت نبوءة ساحر بكلمة القدر أن "سيرتقى عرش مصر "دف رع " وهو بعد طفل رضيع ، ومن ثم فلن يخلف "خوفو" على عرشه ابنه من صلبه ، لي إذن فلينهض ا،خوفو" ليقضي على هذا الطفل الرضيع ، إن "ددف رع " يفلت من المصير ، ولكن ينتحر أبوه كاهن "رع " الكبير ، ويفتديه طفل آخر فيموت عوضا عنه ، وتهلك أمه في طريق الهرب . هذه الكوارث التي تحل دائما بالأبرياء في مجرى فاجعة منطلقة في مسارها لا تتمهل ، هي نغمة أخرى من النغمات الثقيلة التي لن تفتأ تتردد بأصدائها الموجعة طالما صحبنا هذا الكاتب القاسي في عالمه الرهيب . لكن قسوة الكاتب هي قسوة الأمانة والصدق بإزاء رؤية لا تهاب المواجهة. وتمضي الرواية حتى يسمع "خوفو"في النهاية لكلمة القدر ، ويموت ، على عظمته وحكمته و إحاطته بأسباب السعادة كلها ، مقهورا. في هذه الرواية ، إذن ، نلتقي لأول مرة ، في أكثر القوالب عريا وبساطة بالكثير من المواقف والشخوص التي سوف نتعرف عليها مرارا فيما بعد . الموظف الطيب بملامحه المرسومة بعناية وتشخيص حريص ، كم مرة سوف نلقاه ، بين موظفي الحكومة الذين تغص بهم روايات "نجيب محفوظ " ، هذه الملامح الجسمانية والقسمات النفسية مرصودة في تسجيل دقيق ، مركزة في تقطير مكثف في واحد، أو موزعة على كثيرين ، لكنها هي لا تتغير ، كأنها من ظواهر الطبيعة في مصر ، والفتى الذي يحب الأميرة بنت الملك من أول نظرة ويخلصها الحب حتى النهاية ، وبخطبها لنفسه من مقام أبيها العالي ، أن قصة هذا الحب وهذه الخطبة سوف تلاحقنا في روايات "نجيب محفوظ " ، وقد اتخذت صورا شتى ولكن نمطها باق ثابت أبدا لا يحول .
عن المؤلف:

روائي مصري حائز على جائزة نوبل في الأدب. وُلد في 11 ديسمبر 1911، وتوفي في 30 أغسطس 2006. كتب نجيب محفوظ منذ بداية الأربعينيات واستمر حتى 2004. تدور أحداث جميع رواياته في مصر، وتظهر فيها ثمة متكررة هي الحارة التي تعادل العالم. من أشهر أعماله الثلاثية و أولاد حارتنا التي مُنعت من النشر في مصر منذ صدورها وحتى وقتٍ قريب. بينما يُصنف أدب محفوظ باعتباره أدباً واقعياً، فإن مواضيع وجودية تظهر فيه. محفوظ أكثر أديبٍ عربي حولت أعماله إلى السينما والتلفزيون.

خواطر:
تساؤلات:
  • باعتبار راوية عبث الأقدار هل نجح نجيب محفوظ في اختيار  اسم الرواية ؟

 

  • كيف يكون الحاكم الصالح ؟

 

  • هل من المعقول أن يتحدى الإنسان القدر ؟
المراجع والمصادر:

الرواية

منتديات مختلفة  

http://www.shabab3net.com/vb http://www.almolltaqa.com/vb
عنوان الكتاب: عبث الاقدار
اسم المؤلف: نجيب محفوظ
دار النشر: دار الشروق
سنة النشر: 2006
عدد الصفحات: 83
عرضه لكم: abdelrhman_d
Gravatar
إيمان عرفاتما شاء الله.. عبد الرحمن عرضك رائع ومشوّق شدني حتى النهاية.
عندي ملاحظة: بالنسبة لتحليل الرواية أعتقد أنه بدأ تحليلا لرواية عبث الأقدار ثم أصبح تحليلا لروايات نجيب محفوظ بشكل عام أليس كذلك؟ لا ألومك إذا كنت قد نقلته من مكان ما فمن الواضح أن الرواية ليست سهلة. عموما جزاك الله خيرا وهذه إجاباتي على تساؤلاتك:
*لم يعجبني اسم الرواية لأنه يلصق صفة العبث بالقدر، والقدر من الله؟!؟
*أعجبتني جدا فقرة من الأقوال المتميزة وهي برأيي إجابة عن السؤال الثاني.
*لا ليس معقولا ولا ممكنا
Mon Dec 27 17:37:13 2010
Gravatar
abdelrhman_d شكرا على تعليقك .. انا فعلا مقتبس الجزء ده بس انا حاولت على قدر المستطاع ان يكون مناسب للتلخيص و يفيد القارئ و انا حاولت ان يكون الكلام كله في الموضوع قدر المستطاع و شكرا مرة تانية على التعليق الجميل
Wed Dec 29 22:14:14 2010
سجل دخولك للتعليق