التدين الشكلي.. والفهم الخاطئ لجوهر الإسلام

د. عمرو خالد الأربعاء، 16 مايو 2018 03:00 م
اسليدر-د-عمرو

"إنما بعثت لأتمم مكارم"، تلك هي الغاية الأسمى من رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس أجمعين، فهدف رسالة الإسلام هو الجوهر، وليس المظهر، ومن ذا الذي يملك الجرأة أن يغير أولويات رسالة النبي وهو الذي حدد هدف رسالته بالأخلاق، وقد أثنى الله عليه في القرآن "وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ"، أي دين عظيم، لأن الدين هو الخلق، كما يقول المفسرون.

والأخلاق هي أصل كل شيء حسن، وهي الوعاء الجامع لكل خير، فإن أي أمة في التاريخ لم تنهض بتغيير في الشكل والمظهر ولكن تنهض الأمم عندما تتغير من الداخل "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ". 

والإسلام هدفه بناء الأخلاق في نفس الإنسان؛ وتكليفاته من صلاة وصيام وزكاة وغيرها من عباداتوالإسلام هدفه بناء الأخلاق في نفس الإنسان؛ وتكليفاته من صلاة وصيام وزكاة وغيرها من عبادات، ليس المقصود منه أداءها بشكل روتيني، خال من الفهم لمكنونها، فإذا ما تعاملنا مع الصلاة على أنها عبودية لله فقط، فإننا لاندرك الغاية والهدف منها وهو أن يمتد أثرها على الأخلاق، فأداء الصلاة يسقط عنك الفرض لكنه وحده لايقيم فيك البناء النفسي الذي أراده الله من تكليفك بالصلاة، فإذا جمعت بين الحكمتين وصلت لعمق وقيمة الصلاة.


ويتضح ذلك الهدف في قول الله تعالى: "إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ"، وفي الحديث "لا صلاة لمن تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر"، ويقول الله: " وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ"؛ أي استعينوا على مواجهات الحياة وتحدياتها، وقد ورد في الحديث "إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل على خلقي، ولم يبت مصرًا على معصيتي، وقطع نهاره في ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة، ورحم المصاب".

لذلك على كل منا، أن يسأل نفسه، ما الأثر الإيجابي الذي تركته الصلاة في داخلي، في تعاملي مع الناس ، في حياتي، وعملي، في كل شيء، لأن الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد مدى وعيك بالهدف المقصود من أداء العبادة وتطبيقك له.


ليست الصلاة فحسب، بل في الصدقة أيضًا.. يقول الله تبارك وتعالى: "خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا". فإن هدف الزكاة هو التزكية، ومعنى التزكية هو التربية على حُسن الخلق. أرأيت كيف أن الزكاة هدفها أيضًا أخلاقي؟ فإن من يتصدق سيتعلم الرحمة وسيتعلم الكرَم.

والتصدّق لايكون بالمال فقط.. هل سمعت من قبل عن الصدقات الأخلاقية؟ إنها صدقات لها مذاق خاص. يقول النبي: "تَبسُّمك في وجه أخيك صدقة". إننا في حاجة إلى فهم أحاديث النبي من جديد. إننا نحفظ هذا الحديث عن ظهر قلب. ولكن، هل نستشعر معناه؟ هيّا لا تبخل بالابتسامة، وتصدَّق.

والصوم أيضًا.. يقول النبي: "إذ كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سَابّه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم".يقول النبي: "إذ كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سَابّه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم". وتصل الأخلاق إلى ذروتها في الحج. يقول الله تبارك وتعالى: "الحج أشهر معلومات، فمن فرض فيهن الحج فلارفث ولافسوق ولاجدال في الحج".

إن الحج تدريب قاسٍ على انضباط الأخلاق، فإذا وفقك الله لأداء هذه الشعيرة، فكن حريصًا كل الحرص على حُسن الخلق.. لاتتكلم بصوت عالٍ، ولا تشتم أحدًا، ولاتسب أحدًا، ولاتظلم أحدًا، بل تبالغ وتزيد في المبالغة لتحسين خلقك. ستمكث هناك 20يومًا تقريبًا في انضباط كامل.

وإذا كان من الواجب على كل منا أن يراعي حقوق الله وواجباته، فإن مراعاة حقوق العباد لاتقل عنها.. بل إن الله عزوجل يسامح في حقوقه، لكنه لايسامح في حقوق العباد.. فالأزمة ليست أزمة تدين وصلاة وصوم ولكن أزمتنا أزمة أخلاق.. أمة الصادق الأمين هي الآن تحتاج إلى أخلاق الصدق والأمانة.. من يقول إن مشكلة الأمة غياب التدين مخطئ لأن مشكلة الأمة هي غياب الأخلاق.

لكن الحقيقة الصادمة، هو أن هناك من بات يختزل سنة النبي في مجرد الشكل والمظهر فقط، وغاب الفهم الحقيقي للإسلام عن كثير ممن يظنون أن الإسلام هو مجرد صورة شكلية، تتجلى في المظهر دون الروح، بعد أن فهمت سنة النبي، خطأ على أنها الالتزام الشكلي أو التعامل المتشدد، في حين أن حقيقتها هو كيف تعيش حياة الإنسان الكامل خلقًا ورحمة والمتمثلة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد ساهمت الكتابات الإسلامية المعاصرة في ذلك، حيث أن 3% منها فقط تتحدث عن الأخلاق، بينما 40% يتكلم عن الشكل والمظهر، نتيجة لذلك هناك متدين سيء الخلق – مصلي يكذب – حاج يسرق – ملتزم بالمظهر ويؤذي أهل بيته، وأصبح في ظن البعض أن انتصار الإسلام يتم بالشعارات الدينية والهتافات الحماسية. 

وفي حين نتغافل عن الجوهر الحقيقي للإسلام، المتمثل في الأخلاق، فإن القرآن الكريم تحدث عنها في أكثر مواضعهوفي حين نتغافل عن الجوهر الحقيقي للإسلام، المتمثل في الأخلاق، فإن القرآن الكريم تحدث عنها في أكثر مواضعه، ليؤكد لنا: أنه لا دين بدون أخلاق.. فمعظم آيات القرآن تدور حول الأخلاق، إذ تبلغ عدد آياته 6236آية، منها 300آية فقط؛ أي 5%من آيات القرآن تتعلق بفقه المعاملات والأحكام، بينما 95% من الآيات أخلاق مرتبطة بالعقيدة، وهو ما يوضح لنا القيمة العظيمة للأخلاق، وأنها أصل الدين ومحور رسالة الإسلام وغايته العظمى.

ومن خلال حصر آيات الأخلاق إجمالاً في القرآن، يتبين أن عدد الآيات التي تدور حول أوصاف الذم للأخلاق السيئة (247آية مكية - 171آية مدنية)، المحرمات الأخلاقية (33آية مكية - 47آية مدنية)، المدح الأخلاقي (64آية مكية - 66آية مدنية)،الفطرة السليمة (26آية مكية - 4آيات مدنية)، الأخلاق الحسنة (67آية مكية - 91آية مدنية)، الدعوة للأخلاق عمومًا (209آية مكية - 80آية مدنية). وتبلغ إجمالي الآيات الصريحة والضمنية 620آية مكية، و455آية مدنية.

يقول ابن القيم "الدين هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين".

وأحاديث النبي عن ثواب ومنزلة المسلم عند الله كلها مرتبطة بالأخلاق.. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أثقل ما يوضع في ميزان العبد يوم القيامة حسن الخلق"، ويقول: "أحسن الناس إسلامًا أحسنهم خلقًا"، ويقول: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا"، ويقول: "أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحسنكم أخلاقًا"، وقد استخدم عبارات "أثقل – أحسن – أكمل - اقرب"، كلها بصيغة أفعل التفضيل، ليقول للمسلم إنك كلما حسنت أخلاقك، كلما ارتقيت بها، سواء في الدنيا أو الآخرة.

اضافة تعليق