Advertisements

يؤدي واجبه لكنه ليس مخلصًا.. عملك عبادة أم مقايضة؟

الأحد، 15 يوليه 2018 02:41 م
يؤدي واجبه لكنه ليس مخلصا


 
علامات فارقة بين الإخلاص في العمل والتشبث بإنجازه، وبين تأدية الواجب فيه، فشتان ما بين رجل تلهمه قيم النبي صلى الله عليه وسلم حينما يقول: " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"، وبين رجل أخر يعتبر أن عمله هو واجب يومي يؤديه من أجل الحصول على المقابل المادي الذي يعيش به ويسد به رمقه، فلا هو أفاد غيره ولا هو أنجز ما يتمناه المرء في عمله لتحصيل أسباب الدنيا والأخرة.

 ولعل ما جاء به النبي، حينما روى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عنه  صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مثل ما بعثني اله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً ، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت الكلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعمل، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) .

 ولو تدبّر كل إنسان هذا الحديث النبوي الشريف ومافيه من دلالات، لما قصر في عمل يوكل إليه؛ لأن إتقانه للعمل، علاوة على أنه واجب وأمانه ملقاة عليه، هو مدعاة لمحبة الله، لهذا العامل مهما صغر أو علا شأنه.

                                     

عظم الأجر

والعمل الذي يكدح فيه الإنسان، ويطلب فيه الرزق هو نوع من أنواع العبادة لله، وإن كان فيه سعي لحاجة الإنسان، وطالما أن العمل عبادة، ويعتقد البعض أن الالتزام بتعاليم الدين الحنيف هو الاقتصار على أداء الفرائض فقط دون أداء العمل والالتزام به وقتاً وأداءً، ولاشك أن الالتزام بأداء الفرائض أمر واجب، فالمعاملات بوجه عام، ومنها العمل واجب أن يؤدى على أتم وجه، فلا يقصر فيه، ولا يغلب فيه الهوى على الحق، ولا تعطل مصالح الناس أو تأخر.

 والعاملون في كل مجال ينقسمون إلى نوعين: النوع الأول: هو الذي يقوم بعمله الموكل إليه ليأخذ نتيجة أو راتبه حسب نظام معين، وفي دوام معين، وفي كيفية معينة، ولا ينظر للأفق الأبعد من منظومة العمل، بل يعرف أن عليه ساعات يجب أن تقضى، ولحظات يجب أن تمضي، وراتب يجب أن يعطى.

والنوع الآخر: هو الذي يعمل، ولكنه لا يعرف الكلل، ينتج ولا يحسب الساعات، يعطي ولا ينتظر الثناء والشكر، يجند كل قواه وطاقاته لإنجاح عمله والتفاني فيه، وليس هذا فحسب، بل يحاول الإبداع بعمله للوصول به إلى أرقى درجات الإنجاز والإثمار، فهو يسير بعمله، ويتدرج، ويرتقي بمستوى العمل من جيد إلى أفضل، ومن رائع إلى أروع، وبه تتطور الحياة وترتقي.

 فإذا نظرت لإخلاص العاملين في الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا والدول المتقدمة، سترى العاملين يتوترون من كثرة العمل والإخلاص فيه، وربما يصل لإدمان العمل كما في اليابان، أما في بلادنا فما يوتر العاملين هو مشاكل العمل ذاته من مشكلات مادية ولغو وضجيج طوال ساعات العمل.

 ولعل اللقطة الشهيرة التي أتت بالتزامن مع مباراة كرواتيا وروسيا في كأس العالم روسيا 2018، حينما كان يشاهد عمال المطافئ الكرواتيون، ضربات الجزاء بين فريقهم أمام روسيا لحسم بطاقة التأهل لدور الأربعة، وحينما جاءت الضربة الأخيرة التي ستحسم وصول فريقهم للمربع الذهبي، دق جرس إنذار المطافئ للإعلان عن الاستعداد والانطلاق من أجل السيطرة على أحد الحرائق، فهرع العمال بسرعة غريبة، وتركوا ضربة الجزاء الحاسمة، كأنهم تحولوا لأناس آخرين، ولم ينتظروا ثانية واحدة حتى يضع اللاعب الكرة في الشباك ويعلنوا فرحتهم، بل ركبوا سيارتهم ورحلوا.

هذا ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم حينما كان يؤذن للصلاة، فعن عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إِذَا كَانَ عِنْدِي كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ , فَإِذَا نُودِيَ بِالصَّلاةِ كَأَنَّهُ لا يَعْرِفُنَا".

الإهمال معصية لله ورسوله

 
وربما يتصور الإنسان أن العمل على قدر الأجر الذي يتحصل عليه هو عدل ونجاة له من العقاب، إلا أن العمل الذي حض عليه الإسلام جعل منه عبادة، أي أن الأصل في العمل ليس أداء الواجب بل الإتقان والتعبد فيه لله جل وعلا، بمزيد من الإخلاص فيه.

فمهمة الإنسان في الحياة إعمار الأرض، وهذا لن يتحقق إلا بالعمل من أجل بلوغ هذا الهدف فالحياة بلا عمل موات والإنسان قد أعطاه الله من القوى والطاقات ما يجعله قادرًا على العمل الجاد المنتج الذى يعود على الفرد والمجتمع بالخير العميم.

ومن هنا كان اهتمام الإسلام بالعمل اهتماما بالغًا فالإسلام يربط بين العمل والإيمان بشكل مستمر وهذا العمل يعنى كل الأعمال الصالحة التي يقوم بها الإنسان في حياته ويقصد من ورائها وجه الله ونفع الناس ودفع الأذى عنهم وكل عمل يشتمل على ذلك فإنه يندرج أيضا تحت مفهوم العبادة والتقوى.

وجعل النبي صلى الله عليه وسلم آداب للعمل، كان ينصح بها أصحابه كل حين، ومنها  الاعتماد على النفس، وإلا يكون عالة على الناس، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده وأن نبى الله داود كان يأكل من عمل يده" [رواه البخاري].

كما شدد النبي صلى الله عليه وسلم على القدوة والأمانة فعلى المسلم أن يكون قويًا في أداء عمله كما قال الله - تعالى - عن موسى عليه السلام ﴿ يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾ [القصص: 26].

ومن أداب العمل الإحسان والإتقان في العمل فينبغي على المسلم الموظف أن يحرص على أداء عمله بالشكل الذى يرضاه الله - سبحانه وتعالى -: " فعن عائشة - رضى الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه "رواه أبو يعلى في مسنده.

اضافة تعليق