Advertisements

الروح سر الحياة .. الذي احتفظ به الخالق لنفسه

الخميس، 02 أغسطس 2018 10:56 ص
pure_cute_love-normal_0

"وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا"، فالله تعالى هو خالق الروح، وهو أعلم بها، ولا سبيل لمعرفة أي شي عنها إلا منه، وهذا مما يدلل على عظمتها وتشريفها، أن الخالق اختص أسرارها لنفسه، ولم يطلع أحدًا عليها، حتى أولئك الذين انشغلوا بالبحث في كنهها، ومحاولة سبر أغوارها، لم يتوصلوا أبدًا إلى أية معلومات، بعيدًا عما قاله القرآن.


روى عن عبدالله بن مسعود أنه قال: "بينما أنا أمشي مع النبي في خرب المدينة، وهو يتوكأ على عسيب معه، فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح؟ وقال بعضهم: لا تسألوه، لا يجيء فيه بشيء تكرهونه، فقال بعضهم: لنسألنه، فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ فسكت، فقلت: إنه يوحى إليه، فقمت، فلما انجلى عنه، فقال: " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا".
والروح تسري في البشر وفي كل الكائنات بأمر الله، لا أحد يملك يقينًا أن تكون وفي أي مكان تستقر، لكنها أصل الحياة، فإذا انعدمت بقي الإنسان جسدًا لا وظيفة له، ولا يقوم بأي دور مطلقًا، قال تعالى: "ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ"، وقال: "فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ"، وقال: "فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ".

وقد وردت الروح في القرآن بمعان مغايرة لمعنى الحياة كما في الآيات السابقة، إذ وردت في إشارة إلى سيدنا عيسى بن مريم كما في قوله تعالى: "إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ"، أو بمعنى جبريل أمين الوحي كما في قوله تعالى (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ..."، أو بمعنى السكينة والنصر والتأييد كما في قوله تعالى: "وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ".

كما وردت بمعنى الوحي كما في قوله تعالى: "يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ"، وهو الوحي الذي يعطيه الله تعالى للأنبياء الذين اصطفاهم، وهذا الوحي قد يكون عن طريق الإلهام أو جبريل أو غيره، إذن الروح هنا هي بمعنى الوحي على الإطلاق.

ووردت أيضًا بمعنى القرآن كما في قوله تعالى: "وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ".

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في تعريف الروح، إنها "جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريان الدهن في الزيتون والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي ذلك الجسم اللطيف مشابكاً لهذه الأعضاء أفادها هذه الآثار من الحس والحركة الإرادية، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن وانفصل إلى عالم الروح".

وإذا كانت الروح من أمر الله، فإنه لا يصدر عنها إلا خير، وحسب أقوال العلماء فإن للروح عند اتصالها بالبدن خمس اتصالات: تعلق الروح ببدن الجنين، تعلق بالجسد حال خروجة إلى الدنيا، تعلق حين المنام، تعلق في حياة البرزخ في القبر، تعلق بعد البعث والنشور.

وهنا يطرح البعض التساؤل: هل تبقى الروح في الجسد بعد الموت أم تنتقل للسماء؟ العلماء لا يملكون إجابة يقينية حول هذا الأمر، وتبقى آراؤهم محل اجتهاد، لأن طبيعة الروح والموت وما بعده يقع في دائرة الغيبيات، التي هي من أسرار الخالق.

يقول ابن القيم: "الأرواح قسمان أرواح معذبة وأرواح منعمة فالمعذبة في شغل بما هى فيه من العذاب عن التزاور والتلاقي والأرواح المنعمة المرسلة غير المحبوسة تتلاقى وتتزاور وتتذاكر ما كان منها في الدنيا وما يكون من أهل الدنيا فتكون كل روح مع رفيقها الذي هو على مثل عملها وروح نبينا محمد في الرفيق الأعلى".

وأرواح الموتى تسمع ما يقال لها، لكن لا تستطيع الرد، ومن ذلك أن عمر بن الخطاب كان يتحدث عن أهل بدر، فقال: إن رسول الله ‏- صلى الله عليه وسلم - كان يرينا مصارع أهل‏ ‏بدر ‏بالأمس، فيقول هذا‏ ‏مصرع‏ ‏فلان غدًا إن شاء الله، قال: فقال ‏عمر: ‏فوالذي بعثه بالحق ما أخطئوا الحدود التي حد رسول الله، ‏قال فجعلوا في بئر بعضهم على بعض، فانطلق رسول الله‏ ‏حتى انتهى إليهم فقال يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان: ‏هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقًا، فإني قد وجدت ما وعدني الله حقًا، قال‏ ‏عمر: ‏يا رسول الله كيف تكلم أجسادًا لا أرواح فيها، قال ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئًا" (رواه مسلم).

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم عن الميت بعد دفنه "فإنه يسمع‏ ‏خفق ‏ ‏ نعال أصحابه إذا ولوا عنه".

وعلى أرجح الأقوال، فإنه بعد الموت تُسحب الروح من الجسد بقبضة ملك الموت عزرائيل، ثم يسلّمها لملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب؛ حسب عمل صاحبها، لتُبشر بمصيرها، ثم تنتقل مع الملائكة إلى الله، وهنا يتغيّر شكل الروح فإما أن تصبح جميلة طيبة أو قبيحة ومذمومة. 

تعاد الروح إلى جسدها لتقابل الملكين المسؤولين عن سؤالها، ومن ثم تذهب لمستقرّها الأخير، فإما أن تسكن في السماء؛ كأرواح الرسل والشهداء، ومن هذه الأرواح من يسكن السماء السابعة ويحوم حول العرش، أو أن تسكن الروح في البرزخ، أو أن تُعذب في الأرض السابعة تحت مسكن إبليس، وتبقى الروح في مستقرها هذا إلى وقت النفخة الثانية. 

عند النفخة الثانية تخرج الروح من مستقرها وتعود لجسدها ليُبعث من جديد، ثم يتم الحشر والحساب، وتعلم كل نفس مصيرها النهائي، وآخر مستقر للروح إما أن يكون في الجنة أو نار جهنم أو بينهما، وهو المستقر الأبدي فلا تغادره الروح إلا بمشيئة الله، أو بشفاعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فتنتقل فيه الروح من نار جهنم إلى جنة الخلد.

اضافة تعليق