القاضي الذكي.. كيف أقنع الخليفة ببطلان "نكاح المتعة"؟

الخميس، 11 أكتوبر 2018 11:37 ص
02


قيل عنه: "لو لم يكن له في الإسلام إلا هذا اليوم لكفاه"، لما قام به من إبطال نكاح المتعة بعد أن أمر الخليفة المأمون بإقراره وإباحته لتأويل منه قد أخطأ فيه، ولم يجسر العلماء أن يكلموه إلا القاضي الذكي اللبيب يحيي بن أكثم.


يقول الخطيب البغدادي في تاريخه: كان يحيى بن أكثم سليمًا من البدعة، ينتحل مذهب أهل السنة، سمع عبد الله بن المبارك وسفيان بن عيينة.
ووصف بأنه أحد أعلام الدنيا، وقد اشتهر أمره وعرف خبره، ولم يستتر عن الكبير والصغير، فضله وعلمه ورياسته لأمره وأمر أهل زمانه من الخلفاء والملوك، واسع العلم بالفقه كثير الأدب حسن العارضة قائم بكل معضلة، وغلب على المأمون حتى لم يتقدمه أحد عنده من الناس جميعًا.

وكان المأمون ممن برع في العلوم، فعرف من حال يحيى بن أكثم وما هو عليه من العلم والعقل ما أخذ بمجامع قلبه، حتى قلده قضاء القضاة وتدبير أهل مملكته، فكانت الوزراء لا تعمل في تدبير الملك شيئًا إلا بعد مطالعته، ولا نعلم أحدًا غلب على سلطانه في زمانه، إلا يحيى بن أكثم، وأحمد بن أبي داؤد- صاحب الفتنة بالقول بخلق القرآن- .

 ذكاؤه:

من مخايل ذكاء يحيي بن أكثم وهو طفل، أن الإمام سفيان بن عيينة خرج يومًا إلى من جاءه يسمع منه وهو ضجر، فقال: أليس من الشقاء أن أكون جالست ضمرة بن سعيد وجالس هو أبا سعيد الخدري، وجالست عمرو بن دينار وجالس هو ابن عمر رضي الله عنهما، وجالست الزهري وجالس هو أنس بن مالك، حتى عد جماعة، ثم أنا أجالسكم.


 فقال له حدث في المجلس: أتنصف يا أبا محمد قال: إن شاء الله تعالى، فقال: والله لشقاء أصحاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بك أشد من شقائك بنا؛ فأطرق.. فتفرق الناس وهم يتحدثون برجاحة الحدث، وكان ذلك الحدث يحيى بن أكثم التميمي، الذي تولي القضاء للخليفة المأمون.
فقال سفيان: هذا الغلام يصلح لصحبة هؤلاء، فكان كما قال، حيث صار يحيى بن أكثم الطفل الصغير هو القاضي المشهور في دولة المأمون.

ويحيى بن أكثم التميمي الأسيدي المروزي، هو من ولد أكثم بن صيفي التميمي حكيم العرب، وكان عالمًا بالفقه بصيرًا بالأحكام، ذكره الدارقطني في أصحاب الشافعي، رضي الله عنه.

وذكر الخطيب في تاريخه، أن يحيى بن أكثم ولي قضاء البصرة وعمره عشرون سنة ونحوها، فاستصغره أهل البصرة، فقالوا: كم سن القاضي فعلم أنه استصغر، فقال: أنا أكبر من عتاب بن أسيد الذي وجه به النبي صلى الله عليه وسلم قاضيًا على مكة يوم الفتح، وأنا أكبر من معاذ بن جبل الذي وجه به النبي صلى الله عليه وسلم قاضيًا على أهل اليمن، وأنا أكبر من كعب بن سور الذي وجه به عمر بن الخطاب رضي الله عنه قاضيًا على أهل البصرة، فجعل جوابه احتجاجًا.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولى عتاب بن أسيد مكة بعد فتحها وله إحدى وعشرون سنة، وقيل ثلاث وعشرون، وكان إسلامه يوم فتح مكة، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أصحبك وأكون معك، فقال: أو ما ترضى أن أستعملك على آل الله تعالى فلم يزل عليهم حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وسئل رجل من البلغاء عن يحيى بن أكثم وابن أبي داود: أيهما أنبل فقال: كان أحمد يجد مع جاريته وابنته، ويحيى يهزل مع خصمه وعدوه.

"وكان يحيى سليمًا من البدعة ينتحل مذهب أهل السنة، بخلاف أحمد بن أبي داود، حيث كان يعتقد أن القرآن مخلوق، متعصبًا للمعتزلة، وكان يحيى يقول: القرآن كلام الله، فمن قال إنه مخلوق يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه".

كيف أبطل نكاح المتعة؟

حدث محمد بن منصور قال: كنا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة، فقال يحيى بن أكثم لي ولأبي العيناء: بكّرا غدًا إليه، فإن رأيتما للقول وجهًا فقولا، وإلا فاسكتا إلى أن أدخل، قال: فدخلنا عليه وهو يستاك، ويقول وهو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عهد أبي بكر رضي الله عنه وأنا أنهي عنهما، ومن أنت يا جعل – يعني الفاروق عمر-  حتى تنهي عما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه فأومأ أبو العيناء إلى محمد بن منصور وقال: رجل يقول في عمر بن الخطاب، ما يقول نكلمه نحن فأمسكنا.

فجاء يحيى بن أكثم فجلس وجلسنا، فقال المأمون ليحيى: ما لي أراك متغيرًا فقال: هو غم يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام، قال: وما حدث فيه قال: النداء بتحليل الزنا، قال: الزنا قال: نعم، المتعة زنا، قال: ومن أين قلت هذا؟

قال: من كتاب الله عز وجل، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: (قد أفلح المؤمنون) إلى قوله (والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون).

يا أمير المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين قال: لا، قال: فهي الزوجة التي عند الله ترث وتورث وتلحق الولد ولها شرائطها قال: لا، قال: فقد صار متجاوز هذيْن من العادين.


وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنيفة عن أبيهما عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها بعد أن كان أمر بها، فالتفت إلينا المأمون فقال: أمحفوظ هذا من حديث الزهري، فقلنا: نعم يا أمير المؤمنين، رواه جماعة منهم مالك رضي الله عنه، فقال: أستغفر الله، نادوا بتحريم المتعة، فنادوا بها.

اضافة تعليق