"قلت لا أجد ما أحملكم عليه".. النية أبلغ من عمل فكيف تستفيد بالأجر؟

السبت، 24 نوفمبر 2018 12:52 م
قلت لا أجد ما أحملكم عليه




في غزوة "تبوك" قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن في المدينة أناسًا سبقت سهامهم سهامكم.. قالوا: كيف يا رسول الله؟.. قال: بدعائهم".


وعن أبي عبد الله بن جابر الأَنْصاري رضِيَ اللهُ عنْهُمَا قَالَ: كُنَّا مَع النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم في غَزَاة فَقَالَ: إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالاً مَا سِرْتُمْ مَسِيراً، وَلاَ قَطَعْتُمْ وَادِياً إِلاَّ كانُوا مَعكُم حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ وَفِي روايَةِ: إِلاَّ شَركُوكُمْ في الأَجْر رَواهُ مُسْلِمٌ.

يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم، من خلال هذا الحديث عظم شأن النية، وأنها تبلغ صاحبها مبلغ العاملين إذا عجز عن العمل، فربما كنت تجاهد من أجل مشاركة إخوانك العمل الصالح، لكن منعك العذر الشديد أو المرضي،  ولم تستطع العمل، فتكن بنيتك الصالحة مشاركا لهم في الأجر والجهاد.


والعمل الصالح يبدأ بالنية الصالحة، والدعاء من أجل التوفيق فيه، وعلى الله قصد السبيل، فمن الصحابة من دعا بأن يكون مثل جبل أحد ذهبا ينفقه في سبيل الله، فكتبها الله في حسناته كأنه تصدق بها.



فالنية لها شأن كبير؛ ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم، إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فالأعمال تجعل القاعد مع العاملين بنيته الطيبة عند عجزه وتجعل عمله نافعًا ومفيدًا أينما كان، وإذا تخلفت النية عن العمل صار العمل لغير الله وما نفع صاحبه.



وروي أن يزيد بن الأخنس قال: تصدق أبي بدراهم جعلها عند إنسان في المسجد للفقراء، فجاء معن وهو محتاج فأخذها فقال له أبوه: ما أردتك! أردت فقراء آخرين! فخاصمه إلى النبي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لك ما أخذت يا معن، ولك ما نويت يا يزيد، ولو ما نويت ولدك، ما دام ولدك محتاج فهو أولى بالصدقة؛ فالصدقة على القريب صدقة وصلة.


النية أبلغ من عمل


وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى في سورة "التوبة": " وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ (92).


ونزلت هذه الأية في سبعة نفرٍ سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحملهم على الدَّوابِّ فقال: ﴿ لا أجد ما أحملكم عليه ﴾ فانصرفوا باكين شوقاً إلى الجهاد وحزناً لضيق ذات اليد.


وقال البغوي في "معالم التنزيل": قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ﴾، مَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَا سَبِيلَ عَلَى الْأَوَّلِينَ وَلَا عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَتَوْكَ وَهُمْ سَبْعَةُ نَفَرٍ سُمُّوا الْبَكَّائِينَ: معقل بن يسار وصخر بن خَنْسَاءَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَعُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَسَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ الْمُزْنِيُّ، أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَدَبَنَا إِلَى الْخُرُوجِ مَعَكَ فَاحْمِلْنَا. وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ: لِتَحْمِلَهُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَأَلُوهُ أَنْ يَحْمِلَهُمْ عَلَى الدَّوَابِّ. وَقِيلَ: سَأَلُوهُ أَنْ يحملهم على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة، ليغزوا معه فأجابهم النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا ﴾، وَهُمْ يَبْكُونَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ ﴾.



وسئل الامام ابن تيمية، عن قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ نية المرء ابلغ من عمله ‏)‏ ‏، فأجاب‏:‏ أن من نوى الخير، وعمل منه مقدوره، وعجز عن اكماله، كان له اجر عامل‏.‏ كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال‏:‏ ‏(‏ان بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديا، الا كانوا معكم‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ وهم بالمدينة‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏وهم بالمدينة، حبسهم العذر‏)‏



وعن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه ذكر أربعة رجال‏:‏ ‏(‏رجل اتاه اللّه مالًا وعلمًا، فهو يعمل فيه بطاعة اللّه‏.‏ ورجل اتاه اللّه علمًا ولم يؤته مالًا، فقال‏:‏ لو ان لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان‏.‏ قال‏:‏ فهما في الاجر سواء‏.‏ ورجل اتاه اللّه مالًا ولم يؤته علمًا، فهو يعمل فيه بمعصية اللّه‏.‏ ورجل لم يؤته اللّه مالًا ولا علمًا، فقال‏:‏ لو ان لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان‏.‏ قال‏:‏ فهما في الوزر سواء‏)‏‏.‏



وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏من دعا الى هدى، كان له من الاجر مثل اجور من اتبعه، من غير ان ينقص من اجورهم شيء، ومن دعا الى ضلالة، كان عليه من الوزر مثل اوزار من اتبعه، من غير ان ينقص من اوزارهم شيء‏)‏‏.‏ وفي الصحيحين عنه انه قال‏:‏ ‏(‏اذا مرض العبد او سافر، كتب له من العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم‏)‏، وشواهد هذا كثيرة‏.‏

اضافة تعليق