الظلم وشؤمه.. نهايات أغرب من الخيال

الإثنين، 03 ديسمبر 2018 03:09 م
الظلم وشؤمه.. نهايات أغرب من الخيال


الظلم ظلمات يوم القيامة، والله تعالى يقول: "وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ"، وهذا تسلية للمظلوم ووعيد للظالم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «رحم الله عبدًا كان لأخيه قِبله مظلمة في عرض أو مال فأتاه فتحلله منها قبل أن يأتي يوم القيامة وليس معه دينار ولا درهم».

ويقول صلى الله عليه وسلم أيضًا: «من اقتطع حق امرئ مسلم أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة»، فقال له رجل: يا رسول الله ولو كان شيئًا يسيرًا، قال: «ولو كان قضيبًا من أراك»- أي عودًا من أراك (وهو ما يصنع منه السواك).

وجاء في الأثر: أن الظلم ثلاثة، ظلم لا يغفر، وظلم لا يترك، وظلم مغفور لا يطلب، فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله والعياذ بالله تعالى، قال الله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ".

وأما الظلم الذي لا يترك، فظلم العباد بعضهم بعضًا ، وأما الظلم المغفور الذي لا يطلب فظلم العبد نفسه.

ومر رجل برجل قد صلبه الحجاج، فقال: يا رب إن حلمك على الظالمين قد أضر بالمظلومين، فنام تلك الليلة فرأى في منامه أن القيامة قد قامت، وكأنه قد دخل الجنة، فرأى ذلك المصلوب في أعلى عليين، وإذا مناد ينادي حلمي على الظالمين أحل المظلومين في أعلى عليين.

وسمع أحد الصالحين، رجلاً يدعو على من ظلمه، فقال له دع الظالم إلى ظلمه فهو أسرع فيه من دعائك.

ويقال: من طال عدوانه زال سلطانه. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم.

ولذلك كان يقول معاوية: إني لأستحي أن أظلم من لا يجد عليّ ناصرًا إلا الله.

وقال مجاهد إمام التفسير: يسلط الله على أهل النار الجرب فيحكّون أجسادهم حتى تبدو العظام، فيقال لهم: هل يؤذيكم هذا فيقولون: إي والله فيقال لهم هذا بما كنتم تؤذون المؤمنين.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لما كشف الله العذاب عن قوم يونس عليه السلام ترادوا المظالم بينهم، حتى كان الرجل ليقلع الحجر من أساسه فيرده إلى صاحبه.
وقد قيل: الحجر في البنيان من غير حلّه عربون على خرابه، وقيل أيضًا: لو أن الجنة وهي دار البقاء أسست على حجر من الظلم لأوشك أن تخرب.

قصص عجيبة:
وروي أن كسرى أنوشروان كان له معلم حسن التأديب يعلمه حتى فاق في العلوم، فضربه المعلم يومًا من غير ذنب، فأوجعه فحقد أنوشروان عليه، فلما ولي الملك، قال للمعلم: ما حملك على ضربي يوم كذا وكذا ظلمًا؟ فقال له: لما رأيتك ترغب في العلم رجوت لك الملك بعد أبيك، فأحببت أن أذيقك طعم الظلم لئلا تظلم، فقال أنوشروان: نعم نعم.
وفي أخبار الأولين في زمان موسى صلوات الله وسلامه عليه، أن رجلاً من ضعفاء بني إسرائيل كان له عائلة وكان صيادًا يصطاد السمك ويقوت منه أطفاله وزوجته؛ فخرج يومًا للصيد فوقع في شبكته سمكة كبيرة، ففرح بها ثم أخذها.

ومضى إلى السوق ليبيعها ويصرف ثمنها في مصالح عياله، فلقيه بعض رجل قوي، فرأى السمكة معه، فأراد أخذها منه فمنعه الصياد، فرفع الرجل القوي خشبة كانت بيده فضرب بها رأس الصياد ضربة موجعة وأخذ السمكة منه غصبًا بلا ثمن.

 فدعا الصياد عليه، وقال: إلهي جعلتني ضعيفًا وجعلته قويًا عنيفًا، فخذ لي بحقي منه عاجلاً فقد ظلمني ولا صبر لي إلى الآخرة، ثم إن ذلك الغاصب الظالم انطلق بالسمكة إلى منزله وسلمها إلى زوجته، وأمرها أن تشويها، فلما شوتها قدمتها له، ووضعتها بين يديه على المائدة، ليأكل منها، ففتحت السمكة فاها ونكزته في أصبع يده نكزة طار بها عقله، وصار لا يقر بها قراره فقام وشكا إلى الطبيب ألم يده وما حل به.

 فلما رآها قال له: دواؤها أن تقطع الأصبع، لئلا يسري الألم إلى بقية الكف، فقطع أصبعه، فانتقل الألم والوجع إلى الكف واليد وازداد التألم، وارتعدت من خوفه فرائصه، فقال له الطبيب ينبغي أن تقطع اليد إلى المعصم لئلا يسري الألم إلى الساعد فقطعها، فانتقل الألم إلى الساعد، فما زال هكذا كلما قطع عضوًا انتقل الألم إلى العضو الآخر الذي يليه.

فخرج هائمًا على وجهه مستغيثًا إلى ربه، ليكشف عنه ما نزل به، فرأى شجرة فقصدها، فأخذه النوم عندها، فنام فرأى في منامه قائلاً يقول له: يا مسكين إلى كم تقطع أعضاءك، امض إلى خصمك الذي ظلمته فأرضه، فانتبه من النوم، وفكر في أمره فعلم أن الذي أصابه من جهة الصياد.

 فدخل المدينة وسأل عن الصياد، وأتى إليه فوقع بين يديه يتمرغ على رجليه، وطلب منه الإقالة مما جناه، ودفع إليه شيئًا من ماله، وتاب من فعله، فرضي عنه خصمه الصياد فسكن في الحال ألمه وبات تلك الليلة فرد الله تعالى عليه يده كما كانت.

ونزل الوحي على موسى عليه السلام وقال له: يا موسى وعزتي وجلالي لولا أن ذلك الرجل أرضى خصمه لعذبته مهما امتدت به حياته.

ومما تضمنته أخبار الأخيار، ما رواه أنس رضي الله عنه قال: بينما أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قاعد، إذ جاءه رجل من أهل مصر، فقال: يا أمير المؤمنين هذا مقام العائذ بك.
فقال عمر رضي الله عنه: لقد عذت بمجير فما شأنك؟، فقال: سابقت بفرسي ابنا لعمرو بن العاص، وهو يومئذ أمير على مصر، فجعل يضربني بسوطه ويقول أنا "ابن الأكرمين"، فبلغ ذلك عمرًا أباه فخشي أن آتيك، فحبسني في السجن فانفلتّ منه، فهذا الحين أتيتك.

فكتب إلى عمرو بن العاص إذا أتاك كتابي هذا، فاشهد الموسم أنت وولدك فلان.

وقال للمصري: أقم حتى يأتيك، فأقام حتى قدم عمرو وشهد موسم الحج، فلما قضى عمر الحج، وهو قاعد مع الناس وعمرو بن العاص وابنه إلى جانبه، قام المصري فرمى إليه عمر رضي الله عنه بالدرة، قال أنس رضي الله عنه: فلقد ضربه ونحن نشتهي أن يضربه فلم ينزع، حتى أحببنا أن ينزع من كثرة ما ضربه، وعمر يقول: اضرب ابن الأكرمين، قال: يا أمير المؤمنين قد استوفيت واشتفيت.

قال: ضعها على صلعة عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين: لقد ضربت الذي ضربني، قال: أما والله لو فعلت ما منعك أحد حتى تكون أنت الذي تنزع؛ ثم أقبل على عمرو بن العاص وقال: يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟، فجعل عمرو يعتذر إليه ويقول: إني لم أشعر بهذا.
السيدة نفيسة وأحمد بن طولون:
لما ظلم أحمد بن طولون قبل أن يعدل، استغاث الناس من ظلمه وتوجهوا إلى السيدة نفيسة يشكونه إليها فقالت لهم: متى يركب؟ قالوا: في غد.

فكتبت رقعة ووقفت بها في طريقه وقالت: يا أحمد يا ابن طولون فلما رآها عرفها ونزل عن فرسه وأخذ منها الرقعة وقرأها فإذا فيها: "ملكتم فأسرتم وقدرتم فقهرتم، وردت إليكم الأرزاق فقطعتم، هذا وقد علمتم أن سهام الأسحار نافذة غير مخطئة لا سيما من قلوب أوجعتموها وأكباد جوعتموها وأجساد عريتموها، فمحال أن يموت المظلوم ويبقى الظالم، اعملوا ما شئتم فإنا صابرون وجوروا فإنا بالله مستجيرون واظلموا فإنا إلي الله متظلمون "وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ"، قال: فعدل لوقته.

اضافة تعليق