حوار مع العقل .. لماذا نترك اللذات المحرمة!

الأربعاء، 05 ديسمبر 2018 10:18 ص
حوار مع العقل .. لماذا نترك اللذات المحرمة!


الإنسان يسير دائمًا بين طريقين هما: النشاط والكسل، هذه طبيعته، لكن الخطأ أن يستمر في طريق الكسل، ويزين له الشيطان السير فيه، فينقلب لديه الكسل إلى هوى ويثبت بعد ذلك عنده، ويستسهل اللذات المحرمات، فيغلق عليه ذلك باب العقل واستحسان الشرع.


واللذات صنفان: مباحة ومحظورة؛ فالمباحة لا يكاد يحصل منها شيء إلا بضياع ما هو مهم من الدين، فإذا حصلت منها حبة يسيرة، قارنها قنطار من الهم.

ودائمًا ترى المنكبّ الذي يجري وراء اللذات، كلما نال لذة؛ طلب أختها، وقد عرف جناية الأولى وخيانتها -وهذا مرض العقل، وداء الطبع- فلا يزال هذا كذلك إلى أن يختطف بالموت، فيلقى على بساط ندم لا يستدرك.

فالعجب ممن همته هكذا مع قصر العمر، ثم لا يهتم بآخرته، التي لذتها سليمة من الشوائب، منزهة عن المعايب، دائمة إلى الأمد، باقية ببقاء الأبد.

فالعجب لعاقل حصيف حسن التدبير، فاته النظر في هذه الأحوال، وغفل عن التمييز بين هذين الأمرين.

أما إن كانت اللذة معصية، انضم إلى ما ذكرناه: عار الدنيا، والفضيحة بين الخلق، وعقوبة الحدود، وعقاب الآخرة، وغضب الحق سبحانه وتعالي.

وإذا كانت المباحات تشغل عن تحصيل الفضائل، ويذم ذلك لأجل أن يعتاد الإنسان الحزم، فكيف بالمحرمات التي هي غاية الرذائل؟

نسأل الله -عز وجل- يقظة تحركنا إلى منافعنا، وتزعجنا عن خوادعنا، إنه قريب مجيب الدعاء.

وإذا تأملت الخلق، فإذا هم في حالة عجيبة، يكاد يقطع معها بفساد العقل! وذلك أن الإنسان يسمع المواعظ، وتذكر له الآخرة، فيعلم صدق القائل، فيبكي وينزعج على تفريطه، ويعزم على الاستدراك، ثم يتراخى عمله بمقتضى ما عزم عليه، فإذا قيل له: أتشك فيما وعدت به؟ قال: لا والله، فيقال له: فاعمل! فينوي ذلك، ثم يتوقف عن العمل، وربما مال إلى لذة محرمة، وهو يعلم النهي عنها!

 ومن هذا الجنس، تأخر الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك، ولم يكن لهم عذر، وهم يعلمون قبح التأخر، وكذلك كل عاص ومفرط.
 وإذا تأملت السبب ، فإذا له ثلاثة أسبابٍ:

أحدها: رؤية الهوى العاجل، فإن رؤيته تشغل عن الفكر فيما يحصّله المرء.

والثاني: التسويف بالتوبة، فلو حضر العقل، لحذر من آفات التأخير، فربما هجم الموت ولم تحصل التوبة، والعجب ممن يجوز سلب روحه قبل مضي ساعة، ولا يعمل على الحرام! غير أن الهوى يطيل الأمد.

وقد قال صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم: "صل صلاة مودع" ، وهذا نهاية الدواء لهذا الداء؛ فإنه من ظن أنه لا يبقى إلى صلاة أخرى، جد واجتهد.

والثالث: رجاء الرحمة، فيرى العاصي، يقول: ربي رحيم، وينسى أنه شديد العقاب، ولو علم أن رحمته ليست رقة؛ إذ لو كانت كذلك؛ لما ذبح عصفورًا ولا آلم طفلًا -وعقابه غير مأمون- فإنه شرع قطع اليد الشريفة، بسرقة القليل من الفضة؛ لجد وأناب.

كما أن من نظر أحاديث الزهد والنهي عن الزخرفة في الدنيا، وجدها تحثّ النفس أن تكون ذليلة للخالق، وقد كان قدماء الأخيار في بني إسرائيل يمشون على العصي، لئلا يقع منهم بطر في المشي.

ولبست أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها درعًا لها، فأعجبت به، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينظر إليك في حالتك هذه".

ولما لبس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثيابًا مزركشًا، قال: "ألهتني هذه عن صلاتي".

وهذا كله يوجب الإعراض عن الزينة، وما يحرك إلى الفخر والزهو والعجب، ولهذا حرّم الحرير.

وكذلك ما يلبس حتي في أمور العبادة والتصوف، ربما أوجبت زهو اللابس: إما لحسنها في ذاتها، أو لعلمه أنها تنبئ عنه بحسن العبادة، وكذلك الخاتم في اليد، وطول الأكمام، والنعال، وليس لأن هذه الأشياء تحرم، بل ربما جلبت ما يحرم من الزهو، فينبغي للعاقل أن يتنبه بما يدفع كل ما يحذر من شره.

اضافة تعليق