"حجة الإسلام".. من رئيس جامعة إلى الزهد والتصوف

الخميس، 06 ديسمبر 2018 01:59 م
«حجة الإسلام».. من رئيس جامعة إلي الزهد والتصوف

نسمع الكثير عن حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، لكن لا نعرف كيف كانت حياته وزهده، ورحلته العلمية.

اسمه أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي، لقب بـ"حجة الإسلام" وكان على مذهب الإمام الشافعي، ولم يكن للطائفة الشافعية في آخر عصره مثله، اشتغل في مبدأ أمره بطوس، ثم قدم نيسابور واختلف إلى دروس إمام الحرمين أبي المعالي الجويني.

اجتهد في طلب العلم والاشتغال بالدروس حتى تخرج في مدة قريبة، وصار من الأعيان المشار إليهم في زمن أستاذه، وصنف في ذلك الوقت، وكان أستاذه يفتخر به، ولم يزل ملازمًا له إلى أن توفي، فخرج من نيسابور إلى العسكر.

ولقي الوزير نظام الملك، فأكرمه وعظمه وبالغ في الإقبال عليه، وكان بحضرة الوزير جماعة من الأفاضل، فجرى بينهم الجدال والمناظرة في عدة مجالس، فظهر عليهم واشتهر اسمه وسارت بذكره الركبان.

وصف بأنه الإمام، البحر، حجة الإسلام، أعجوبة الزمان، صاحب التصانيف، والذكاء المفرط.

وعظم جاه الرجل، وازدادت حشمته، حتى صار في رتبة أمير، ورئيس كبير، فأداه نظره في العلوم، وممارسته لأفانين الزهديات إلى رفض الرئاسة، والإنابة إلى دار الخلود، والتأله، والإخلاص، وإصلاح النفس، فحج من وقته، وزار بيت المقدس.

وراضى نفسه وجاهدها، وطرد شيطان الرعونة، ولبس زي الأتقياء، ثم بعد سنوات سار إلى وطنه، لازمًا لسننه، حافظًا لوقته، مكبًا على العلم.

وكانت خاتمة أمره إقباله على طلب الحديث، ومجالسة أهله، ومطالعة "الصحيحين"، ولو عاش، لسبق الكل في ذلك الفن بيسير من الأيام.

ولم يتفق له أن يروي، ولم يعقب إلا البنات، وكان له من الأسباب إرثًا وكسبًا ما يقوم بكفايته، وقد عرضت عليه أموال، فما قبلها.

وكان يعترض به عليه وقوع خلل من جهة النحو في أثناء كلامه، وروجع فيه، فأنصف، واعترف أنه ما مارسه، واكتفى بما كان يحتاج إليه في كلامه، مع أنه كان يؤلف الخطب، ويشرح الكتب بالعبارة التي يعجز الأدباء والفصحاء عن أمثالها.

وفوض إليه الوزير نظام الملك، تدريس مدرسته النظامية بمدينة بغداد، فجاءها وباشر إلقاء الدروس بها، وأعجب به أهل العراق وارتفعت عندهم منزلته، ثم ترك جميع ما كان عليه وسلك طريق الزهد والانقطاع وقصد الحج، وناب عنه أخوه أحمد في التدريس.

 فلما رجع توجه إلى الشام فأقام بمدينة دمشق مدة يذكر وانتقل منها إلى البيت المقدس، واجتهد في العبادة وزيارة المشاهد والمواضع المعظمة، ثم قصد مصر وأقام بالإسكندرية مدة، ويقال إنه قصد منها الركوب في البحر إلى بلاد المغرب على عزم الاجتماع بالأمير يوسف بن تاشفين أمير دولة المرابطين، فبينما هو كذلك بلغه نعي يوسف بن تاشفين المذكور، فصرف عزمه عن تلك الناحية.

ثم عاد إلى وطنه بطوس واشتغل بنفسه وصنف الكتب المفيدة في عدة فنون، منها ما هو أشهرها كتاب "الوسيط" و "البسيط" و"الوجيز" و"الخلاصة" في الفقه.
 وأبرز مصنفاته كتاب "إحياء علوم الدين"، وهو من أنفس الكتب وأجملها، وله في أصول الفقه "المستصفى" وله المنتحل في علم الجدل، وله "تهافت الفلاسفة" و"المنقذ من الضلال"، وكتبه كثيرة وكلها نافعة.

ثم ألزم بالعود إلى نيسابور والتدريس بها بالمدرسة النظامية، فأجاب إلى ذلك بعد تكرار المعاودات، وترك ذلك وعاد إلى بيته في وطنه، واتخذ مبنى للصوفية ومدرسة للمشتغلين بالعلم في جواره، ووزع أوقاته على وظائف الخير: من ختم القرآن ومجالسة أهل القلوب والقعود للتدريس، إلى أن انتقل إلى ربه.

 وكانت ولادته سنة أربعمائة وخمسين، وتوفي يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة من الهجرة.

اضافة تعليق