التكافؤ بين الزوجين.. كيف ينظر إليه الإسلام؟

الخميس، 06 ديسمبر 2018 03:08 م
التكافؤ بين الزوجين


عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر، وإذنها سكوتها".


دائمًا ما يتبادر إلى الأب أو الأم عند رغبة الابن في التقدم لخطبة فتاة، أو عندما يتقدم شاب للزواج من ابنتهما إلى ذهنهما سؤال حول مدى كفاءة الشاب أو الفتاة للزواج، وهل بالفعل هناك نوع من التكافؤ، الأمر الذي يؤدي في العديد من الأحوال إلى رفض الأهل، أو فرض شخص بعينه على الفتاة للزواج بها رغمًا عنها.


 فما هو التكافؤ المطلوب تحقيقه بين الزوجين؟

الكفاءة في الزواج تعني المساواة بين الزوج والزوجة في أمور معينة، وقد اختلف الفقهاء في تحديد هذه الأمور، فيرى الحنفية أن المعتبر في الكفاءة الدِّين، والنسب، والحرية، والديانة، والحرفة، والمال؛ بينما يرى الشافعية اعتبارها في النسب، والسلامة من العيوب، والدين، والصلاح، والحرفة، والحرية.

أما الحنابلة فقد وردت عنهم روايتان عن الإمام أحمد؛ إحداهما كالمذهب الشافعي -ما عدا السلامة من العيوب- والأخرى اعتبرت الكفاءة في الدين والنسب واختلفت فيما عداها؛ فيما يرى المالكية أن الكفاءة هي المماثلة في الدين والسلامة من العيوب.

ويأتي اختلاف أئمة المذاهب حول خصال الكفاءة، واختلاف أئمة المذهب الواحد حول هذه الخصال، كدليل على أن ما يُعتَبَر في الكفاءة نسبي مختلف فيه، يعود تقديره إلى العرف، أي يتأثر بالزمان والمكان؛ ولذلك لم تحدد خصال الكفاءة، كما حددت مثلًا مصارف الزكاة، وبالتالي كانت مثار خلاف بين الفقهاء، وتحديد بعض ما يعتبر منها كان مصدره ما تعارف عليه الناس، ولذا اختلفت بعض أحكام الكفاءة باختلاف البقاع والأزمان.

والغرض من اعتبار الكفاءة هو تحقيق المساواة في أمور اجتماعية من أجل توفير استقرار الحياة الزوجية، وتحقيق السعادة بين الزوجين؛ بحيث لا تُعَيَّر المرأة وأولياؤها بالزوج بحسب العرف.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الفقهاء اختلفوا في تأثير هذه الغاية والغرض بحيث تصبح الكفاءة شرطًا في الزواج على رأيين، أولهما أن الكفاءة لا مدخل لها في شروط الزواج، فيصح الزواج ويلزم ولو انعدمت الكفاءة.

وهذا رأي سفيان الثوري والحسن البصري وحماد، وابن حزم؛ وثانيهما وهو رأي جمهور الفقهاء، أن الكفاءة شرط معتبرٌ في الزواج، وهذا ما عليه المذاهب الأربعة، وإن اختلفوا فيما بينهم هل هو شرط صحة أم لزوم، والفرق بين اللزوم والصحة أن كون الكفاءة شرطًا للزوم العقد معناه أن المرأة إذا تزوجت غير كفءٍ كان العقد صحيحًا، وكان لأوليائها حق الاعتراض عليه وطلب فسخه دفعًا لضرر العار عن أنفسهم، إلا أن يسقطوا حقَّهم في الاعتراض فيلزم.

ولو كانت الكفاءة شرطًا للصحة لما صح العقد أصلًا؛ واستدل من لا يرى الكفاءة في الزواج بقوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، وقوله تعالى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3].

وقد أمر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، وهي قرشية، أن تنكح أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وهو من الموالي.

ويقول الإمام ابن حزم "وأهل الإسلام كلهم إخوة لا يحرم على ابنٍ مِن زنجية لِغِيَّةٍ نكاحُ ابنةِ الخليفة الهاشمي، والفاسق الذي بلغ الغاية من الفسق المسلم -ما لم يكن زانيًا- كفء للمسلمة الفاضلة، وكذلك الفاضل المسلم كفء للمسلمة الفاسقة ما لم تكن زانية"؛ كما أن الكفاءة غير معتبرة فيما هو أهم وأخطر من الزواج وهو الدماء؛ حيث لم تعتبر الكفاءة بين المجني والمجني عليه في القصاص، فلأن لا تعتبر في الزواج أولى.

وقد استدل الجمهور على اشتراط الكفاءة عمومًا في النكاح بقوله -صلى الله عليه وآله وسلم- "لَا تنْكِحُوا النِّسَاءَ إِلَّا الْأَكْفَاءَ، وَلَا يُزَوِّجُهُنَّ إِلَّا الْأَوْلِيَاءُ" أخرجه الدارقطني والبيهقي؛ وعن السيدة عائشة -رضي الله عنها- قالت قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ، وَانْكِحُوا الْأَكْفَاءَ، وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ".

كذلك فإن تزويج الولي موليته مع فقد الكفاءة تصرف في حق الغير بغير إذنه، فلم يصح كما لو زوجها بغير إذنها؛ كذلك انتظام المصالح يكون عادة بين المتكافئين، والزواج شرع لانتظامها، ولا تنتظم المصالح بين غير المتكافئين، فالشريفة تأبى أن تكون مستفرشة للخسيس، وتعيَّر بذلك؛ لأن دناءة الفراش تغيضها وتجلب لها ولأوليائها العار، إضافة إلى ذلك فالولد سوف يتسمَّى باسم الأب وهو ما يزيد العار عارًا.

وما استدل به ابن حزم ومن معه ليس في قوة أدلة الجمهور، ولا يقاوم أدلة الجمهور، فأُخُوَّة المؤمنين الثابتة بنص القرآن المستلزمة مساواتهم إنما هي المساواة في الحقوق والواجبات، ولا ريب أن هذا التساوي لا ينافي التفاضل فيما جرت الأعراف بالتفاضل به كالعلم والرزق والحرف.

ولا يعارض ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- في خطبة الوداع "أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى"، فإن التفاضل الثابت في الحديث محمول على الفضل الأخروي.

كما أن عدم اعتبار الكفاءة في القصاص لا يقاس عليه؛ لأن عدم اعتبارها فيه من حيث إن القصاص شرع لحفظ حق الحياة الذي يتساوى فيه الناس غنيهم وفقيرهم، ولأجل هذا الحق قامت حروب ومعارك سالت فيها الدماء بلا مراعاة لكفاءة من عدمها بين القاتل والمقتول، واعتبارها فيه يفوِّت هذه المصلحة، بخلاف النكاح، فإنه شرع لدوام العشرة وتكوين الأسرة، وعدم اعتبار الكفاءة فيه مفوِّت لهذا المقصد.

أما من الناحية القانونية، فإن القانون المصري لم يُصَرِّح في مواده بهذه المسألة بخصوصها، إلا أن الفقه القانوني سار على مذهب الجمهور؛ وقد جاء في المذكرة الإيضاحية لتعديلات قانون الأحوال الشخصية، رقم 100 لسنة 1985، أن الأحكام القانونية الخاصة بالأحوال الشخصية إن لم يُنَص عليها فإنه يُحكَم فيها بأرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة، ما عدا ما استثني مِن ذلك، وهو ما ينطبق على مسألة الكفاءة في الزواج.

ونلاحظ أنه إذا كان مذهب أبي حنيفة، الذي أخذ به القانون، أن للمرأة تزويج نفسها بدون الولي، إلا أنه احتاط للأولياء "فتوسعوا في الأمور التي تعتبر فيها الكفاءة في النكاح حتى لا تسيء المرأة استعمال هذا الحق فتتخذه تكأة لتزويج نفسها لمن تريد غير عابئة بما يحيط هذا الزواج، وما يترتب عليه من مشاكل اجتماعية لا ينفك عنها أمثال هذه الزيجات غالبًا.

فلهذا احتاط الفقه الحنفي في هذه المسألة وأجازوا للولي طلب الفسخ إن زوَّجت المرأة نفسها بدون إذنه حال كون الزوج غير كفء لها، إلا إن زالت الكفاءة أو اختلت بعد العقد، وهذا من محاسن الفقه الحنفي الذي يسد بابًا كبيرًا من الخلل والنزاعات المترتبة على كثير من الزيجات التي تنفرد المرأة فيها بإرادتها دون إذن الولي وهو ما نشاهده في عصرنا، لا سيما في الزواج العرفي بين شباب الجامعة.

وعليه فللولي حق طلب فسخ الزواج إذا زوَّجت موليته نفسها لغير كفء بدون إذنه، أما إذا زوَّجت نفسها لكفء مع اكتمال شروط العقد، فالزواج صحيح نافذ ليس للولي حق طلب الفسخ، ولو كان بدون إذنه، على ما هو المعمول به في قانون الأحوال الشخصية، ومدار الأمر كله على تقدير القضاء في هذه المسألة؛ حيث إن أمر الكفاءة مما تختلف فيه الأنظار، وما كان كذلك فلا بد فيه من تدخل ة إلى أن القضاء.


اضافة تعليق