لا تقتل موهبة ابنك.. هكذا يقدر الإسلام الإبداع

الجمعة، 07 ديسمبر 2018 01:32 م
هكذا نظر الإسلام للإبداع الذي تمنعه ابنك وتعتبره إفسادا لأخلاقه وتعليمه


كثيرا ما يقف الآباء أمام مواهب وإبداعات أبنائهم، حيث يعتبر البعض أن الموهبة هي نقيض الإسلام، وأن كل ما أبدع فيه الأطفال أو الكبار فهو بدعة بالنسبة لهم، فيكون النتيجة دائمًا هي فشل الأطفال في أن ينجزوا أي شيء في حياتهم، على الرغم من أن الإسلام أولى الشخصية الإنسانية عناية فائقة، وجعل بناءها وتطويرها من أولوياته التي تقوم على مقاييس محددة في غاية الدقة والإتقان.

فربما ينحاز بعض الأطفال إلى الإنشاد أو يبدع في فن الرسم، أو العزف على الآلات الموسيقية، أو حتى التميز في أحد الألعاب الرياضية، لكن دائمًا ما يكون نظرة الأسرة هي أن هذه الموهبة ما هي إلا تضييع وقت، وأنها سوف تفسد طفلهم، وتتجه به بعيدًا عن مذاكرة دروسه، وستكون سببًا في فشله بالتعليم، فيكون دائمًا العقاب هو السلوك الإجرائي لمواجهة هذه الموهبة التي وهبها الله سبحانه وتاعلى لطفلهم.

ويقول المتخصصون في مجال التربية الإبداعية، إنها تنشئة الناشئين وإعدادهم على نحو يستطيعون في مجال تخصصاتهم الإيجاد والابتكار والإتقان.

وقد اهتمت التربية الإسلامية بالإبداع ودفعت عقول المسلمين إليه، حتى يتمكنوا من تدبر آيات الكون وما فيه ويستخرجوا من تأملهم وتفكرهم وإعمال عقولهم، ما يعود على البشرية جميعًا بالنفع والتقدم.

يقول الله تعالى: "إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" [يونس:24].

وقال تعالى: "اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" [الحديد:17].

وجاءت أغلب آيات القرآن تدعو إلى التأمل والتفكر ويحث الآباء والأمهات على أن يتخذوا من الإبداع منهجًا في تربية أبناء الإسلام وآمال الأمة.

وجاء الإسلام والناس في جاهلية جهلاء، في عباداتهم واعتقاداتهم وأخلاقهم، وفي علومهم ومعارفهم، حتى إن عدد الذين يقرءون ويكتبون في قريش هم سبعة عشر رجلًا، منهم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي ابن أبي طالب رضي الله عنهم، وجاء الإسلام وفي الأوس والخزرج عدد يكتبون، منهم: سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، فكان يكتب العربية والعبرية رضي الله عنهم.

ولما جاء الإسلام تفتقت تلك العقول وأبدعت فتولدت علوم ومعارف، ما كان لأحد قبلهم بها معرفة، ومن ذلك: علم أصول الفقه، الذي أول من صنف فيه الإمام الشافعي.

وأول من صنف في الفقه الإمام مالك بن أنس، وأول من صنف في غريب القرآن الكريم أبو عبيدة معمر بن المثنى، وأول من عمل العَرُوض هو الخليل بن أحمد، وأول من وضع الإعراب أبو الأسود الدؤلي، وأول من صنف في صنعة الشعر عبد الله بن المعتز.

الإبداع يساعد على الاعتزاز بالنفس وعدم التبعية

حث الإسلام الفرد المسلم على الاعتداد بنفسه، وعدم الركون للذلة والمسكنة، وعدم التبعية، وأن تكون للمسلم شخصيته المستقلة المتميزة، وأرشد إلى مخالفة أهل الكتاب وغيرهم من أصحاب الملل والنِّحل الأخرى في أمور كثيرة مثل: استقبال القبلة، والصلاة بالنعال، والترغيب في السحور، وتعجيل الفطر، وتغيير الشيب، والنهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، ... قال عليه الصلاة والسلام: " لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا" [رواه الترمذي].

وكثيرًا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع من شأن الفرد ويعلي من معنوياته بأسلوب يدفعه لإتقان العمل والمواظبة على الإتيان بالمزيد، ومن ذلك ما رواه أبو هريرة أنه قال: قيل يا رسول الله : من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه" [البخاري].

 وأذكت السنة روح التنافس حين سمحت للطاقات العقلية الإبداعية بالتفجر ولم تحجر عليها، بل إنها استلهمتها لاستخراج المكنون من كنوزها؛ والدليل العملي على ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يدلون بآرائهم في المواقف كلها وبين ظهرانيهم قائد ينزل عليه وحي السماء فتفتقت أذهانهم عن أمور إبداعية كثيرة.

فهذا الحباب بن المنذر يشير على النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر الكبرى بأن المنزل الذي نزل به الجيش ليس بمنزل، وأن المكان الأنسب هو ماء بدر، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الرأي، ومن هذا الباب موافقات عمر رضي الله عنه، وإشارة سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق ... وغيرها.

الإبداع يحقق الحرية بمعناها الصحيح

العلاقة بين الحرية والإبداع علاقة متكاملة والحرية قيمة من القيم الأساسية التي تعمل بمثابة إطار مرجعي ينظم سلوك المبدعين ويحركه، فالرسول صلى الله عليه وسلم يعلن الرفض لكّل أنواع العبودية لغير الله ابتداءً من الأوثان البشرية ومروراً بالمعشوقات الحجرية، وانتهاءً بالتعلقات الخفية كعشق الهوى والمال والمرأة، ولقد مكث صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاماً من دعوته يرسخ مفهوم التوحيد ويجذره في نفوس المسلمين، يقول صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به".

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد القطيفة، وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعطى لم يف".

فالعبودية للسالف ذكره استلاب لحرية العقل ودفن لطاقاته الإبداعية، يقع المرء من خلالها تحت سطوة اللذة العاجلة واللحظة الراهنة، بيد أن التحرر من العبودية لغير الله دعوة مفتوحة لالتحام بالكتلة العمرانية لنعيد للأمة تميزها ودورها الفاعل، وما التحول المذهل في العقل الجاهلي وإعادة تشكيله إلا من صناعة التوحيد.

اضافة تعليق