بعيدًا عن السياسة.. عمرو بن العاص" الشاعر" و"الإنسان"

الأربعاء، 19 ديسمبر 2018 10:46 ص
بعيدا عن السياسة.. عمرو بن العاص الشاعر والإنسان


اشتهر الصحابي الجليل عمرو بن العاص بالسياسة والدهاء، وكان معروفًا بين الناس بأنه داهية العرب، لذا اختاره الفاروق عملا رضي الله عنه في خلافته لفتح مصر، وكان إلي جانب حسه السياسي والعسكري شاعرًا لبيًبا، مفرط الذكاء عالمًا بالواقع من حوله، بالإضافة إلى جوانب كثيرة أخرى تكشف شخصيته الملهمة، بعيدًا عن اختزالها في السياسة.

عمرو بن العاص بن وائل السهمي

 أبو عبد الله كانداهية قريش، ورجل العالم، ومن يضرب به المثل في الفطنة، والدهاء، والحزم.


هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلمًا في أوائل سنة ثمان، مرافقًا لخالد بن الوليد، وحاجب الكعبة عثمان بن طلحة، ففرح النبي بقدومهم وإسلامهم، وأمّر عمرًا على بعض الجيش، وجهزه للغزو.

نزل المدينة، ثم سكن مصر، وبها مات، ولما جاء مسلمًا إلى النبي صلي الله عليه وسلم قال في حقه: "ابنا العاص مؤمنان، عمرو وهشام".

وروي عن النبي صلي الله وسلم أنه قال: "عمرو بن العاص من صالحي قريش؛ نعم أهل البيت أبو عبد الله، وأم عبد الله، وعبدالله".

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن عمرو بن العاص لرشيد الأمر" . وكان  الرسول يقول: "أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص".

وعن قبيصة بن جابر قال: "قد صحبت عمرو بن العاص، فما رأيت رجلا أبين، أو أنصع رأيًا، ولا أكرم جليساً منه، ولا أشبه سريرة بعلانية منه".

وكان عمر إذا رأى الرجل يتلجلج في كلامه، يقول: "خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد". ونظر الفاروق عمر إليه، فقال: "ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميرًا".

كلامه الحسن:


ومن جميل كلامه: "والله لا أملُّ ثوبي ما وسعني، ولا أملُّ زوجتي ما أحسنت عشرتي، ولا أمل دابتي ما حملتني، إن الملال من سيئ الأخلاق".

وكان يقول: "ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكن هو الذي يعرف خير الشرّين".

وقال رجل لعمرو بن العاص: صف لي الأمصار، فقال: أهل الشام: أطوع الناس لمخلوق، وأعصاهم للخالق، وأهل مصر: أكيسهم صغارا، وأحمقهم كبارا، وأهل الحجاز: أسرع الناس إلى الفتنة، وأعجزهم عنها، وأهل العراق: أطلب الناس للعلم، وأبعدهم منه.

وكان الشعبي، يقول: دهاة العرب أربعة: معاوية، وعمرو، والمغيرة، وزياد، فأما معاوية: فللأناة والحلم؛ وأما عمرو: فللمعضلات؛ والمغيرة: للبديهة؛ وأما زياد: فللصغير والكبير.

وكان عمرو من فرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية، مذكورًا بذلك فيهم، وكان شاعًرا، حسن الشعر، حفظ عنه منه الكثير في مشاهد شتى، وهو القائل:

إذا المرء لم يترك طعاما يحبّه * ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما
قضى وطرا منه وغادر سبة * إذا ذكرت أمثـالها تملأ الفمــا

وكان أسن من عمر بن الخطاب، فكان يقول: إني لأذكر الليلة التي ولد فيها عمر رضي الله عنه .

افتتح إقليم مصر، وولي إمرته زمن عمر، وصدرًا من دولة عثمان. ثم أعطاه معاوية الإقليم، وأطلق له حاصلته ست سنين لكونه قام بنصرته، فلم يل مصر من جهة معاوية إلا سنتين ونيفًا، ولقد خلف من الذهب قناطير مقنطرة.

وكان من رجال قريش رأيًا، ودهاءً، وحزمًا، وكفاءة، وبصرًا بالحروب، ومن أشراف ملوك العرب، ومن أعيان المهاجرين، والله يغفر له ويعفو عنه، ولولا حبه للدنيا، ودخوله في أمور، لصلح للخلافة، فإن له سابقة ليست لمعاوية.
وقد تأمر على مثل أبي بكر وعمر؛ لبصره بالأمور ودهائه.

حسّه السياسي:


قال: لما انصرفنا من غزوة الخندق- وكان يومئذ على الشرك-  جمعت رجالاً من قريش، فقلت: والله إن أمر محمد يعلو علوًا منكرًا، والله ما يقوم له شيء، وقد رأيت رأيًا.

قالوا: وما هو؟ قلت: أن نلحق بالنجاشي على حاميتنا، فإن ظفر قومنا، فنحن من قد عرفوا نرجع إليهم، وإن يظهر محمد، فنكون تحت يدي النجاشي أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد.

قالوا: أصبت.

قلت: فابتاعوا له هدايا، وكان من أعجب ما يهدى إليه من أرضنا الأَدَم- الجلود- ، فجمعنا له أدما كثيرا، وقدمنا عليه، فوافقنا عنده عمرو بن أمية الضمري، قد بعثه النبي -صلى الله عليه وسلم - في أمر جعفر وأصحابه لكي يعودوا إلي المدينة.

فلما رأيته، قلت: لعلي أقتله، وأدخلت الهدايا، فقال: مرحبًا وأهلاً بصديقي.

وعجب بالهدية، فقلت: أيها الملك، إني رأيت رسول محمد عندك، وهو رجل قد عادانا، وقتل أشرافنا، فأعطنيه أضرب عنقه.

فغضب، وضرب أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، فلو انشقت لي الأرض دخلت فيها، وقلت: لو ظننت أنك تكره هذا لم أسألكه.

فقال: سألتني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر – الوحي-  الذي كان يأتي موسى لكي تقتله؟!

فقلت: وإن ذاك لكذلك؟ قال: نعم، والله إني لك ناصح فاتبعه، فوالله ليظهرن كما ظهر موسى وجنوده.

قلت: أيها الملك! فبايعني أنت له على الإسلام.

فقال: نعم.

فبسط يده، فبايعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، وخرجت على أصحابي وقد حال رأي.

فقالوا: ما وراءك؟

فقلت: خير، فلما أمسيت، جلست على راحلتي، وانطلقت، وتركتهم، فوالله إني لأهوي إذ لقيت خالد بن الوليد، فقلت: إلى أين يا أبا سليمان؟

قال: أذهب -والله - أسلم، إنه -والله - قد استقام الطريق، إن الرجل لنبي ما أشك فيه.

فقلت: وأنا والله.

فقدمنا المدينة، فقلت: يا رسول الله! أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولم أذكر ما تأخر.

فقال لي: يا عمرو! بايع، فإن الإسلام يجبُّ ما كان قبله.

وشهد عمرو يوم اليرموك، وأبلى يومئذ بلاءً حسنًا.

وقيل: بعثه أبو عبيدة، فصالح أهل حلب وأنطاكية، وافتتح سائر قنّسرين عنوة.
وكان عمرًا يسرد الصوم، وقلما كان يصيب من العشاء أول الليل، وكان يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن فصلاً بين صيامنا وصيام أهل الكتاب: أكلة السحر".

وفاته:


لما احتضر عمرو بن العاص، قال: كيلوا مالي، فكالوه، فوجدوه اثنين وخمسين مدا، فقال: من يأخذه بما فيه؟ يا ليته كان بعرًا.

وقيل: إنه نظر إلي صناديق، فقال: من يأخذها بما فيها؟ يا ليته كان بعرا، ثم أمر الحرس، فأحاطوا بقصره.

فقال بنوه: ما هذا؟ فقال: ما ترون هذا يغني عني شيئًا.

وكان يقول:عجبًا لمن نزل به الموت وعقله معه، كيف لا يصفه؟

فلما نزل به الموت، ذكره ابنه بقوله، وقال: صفه؟

قال: يا بني، الموت أكبر من أن يوصف، ولكني سأصف لك؛ أجدني كأن جبال رضوى على عنقي، وكأن في جوفي الشوك ، وأجدني كأن نفسي يخرج من إبرة.

وجعل يقول:  اللهم إنك أمرت بأمور، ونهيت عن أمور، تركنا كثيرًا مما أمرت، ورتعنا في كثير مما نهيت، اللهم لا إله إلا أنت، وما زال يقولها حتي مات.

وقد توفي ليلة عيد الفطر، سنة ثلاث وأربعين من الهجرة، وله نحو من مائة سنة.

اضافة تعليق