انتحار.. ونجاح.. من قصص ضحايا "التنمر".. كيف نقاوم السخرية والإهانة؟

تسنيم محمود السبت، 22 ديسمبر 2018 09:57 ص
التنمر-


"لم يكن ذنبي أنني ولدت سمراء البشرة، فهكذا خلقني ربي ولكنكم لا تدركون ذلك، فسأذهب إليه لأنني علي يقين أنني لن أجد من يسخر مني هناك"، هذه الكلمات كانت آخر ما سطرته الطالبة "أ.م" قبل إقدامها على الانتحار عقب تعرضها للتنمر.

تفاصيل الواقعة التي لم تنشر في الصحف ووسائل الإعلام ترجع إلى ما قبل عامين، عندما أقدمت الطالبة "أ.م" على الانتحار، نتيجة تعرضها للتنمر، وللعديد من المضايقات بسبب لون بشرتها.

لم يقتصر الأمر على زملاء في الدراسة فقط، بل تعدى إلى أهلها الذين سخروا منها على الرغم من تفوقها الدراسي، إذ بدأوا بمضايقتها عقب ظهور نتيجة الثانوية العامة والتي على إثرها تم ترشيحها لكلية الصيدلة بقولهم: "بقى أنتِ هتدخلي صيدلة أنتِ مش شايفة نفسك عاملة إزاي؟"،  وغيرها من عبارات السخرية، ما دفعها إلى الدخول في حالة من الاكتئاب الحاد، دفعها للانتحار عن طريق تناول إحدى أقراص حبوب "الغلة السامة".

والتنمر عند علماء النفس يعرف بأنه "سلوك عدواني متكرر يهدف إلي إلحاق الضرر بشخص آخر، ويكون بشكل متكرر ومتعمد، سواء كان الضرر جسديًا، عن طريق الاعتداء بالضرب على شخص يكون في الغالب ضعيف البنية والشخصية، أو نفسيًا عبر السخرية والاستهزاء، وتوجيه الكلمات المسيئة إلى الشخص الأضعف".

وحالات التنمر لا تقتصر فقط على ذوي البشرة السمراء فقط، بل حتى ذوي البشرة البيضاء قد يتعرضن لها، كما تروي الكاتبة مي عبدالسلام ذلك في مقال نشرته مؤخرًا، تقول فيه:
"نشأت في طفولتي في إحدى دول الخليج التي يتميز أبناءها بسمرة البشرة، وقد كنت بين زميلاتي في المدرسة كالبقعة المضيئة وسط العتمة بحكم لون بشرتي الأفتح فأطلقوا علي لقب ( البيضا)... قد ترى أيها القارئ أنه لقب حميد، لكنهن لم يلفظنه أبدًا بشكلٍ ودي".
تضيف: حتى اسمي( مي) فقد حرفوه قد يصبح ( مويه) أي ماء حسب لكنتهم البدوية، فبغضت اسمي وأمسيت شهورًا بل أعوامًا ألح على والدي بتغييره كي لا أسمع سخريتهن السمجة وأنا عالقة بين أنيابهن"

وتابعت: "اختنق قلبي بشعورٍ ذليل لم أسلاه إلى الآن، وإنطويت على نفسي في المدرسة والبيت وآثرت الصمت أياماً عديدة، حاولت أمي فهم ما يحدث لي بعد ما بدى على محياي من ذبول وكآبة، فعبرت بدموعٍ غلبتني عما بصدري من مرار ... فواستني أمي ببعض الكلمات الطيبة وأنهت حوارها بأني ... (حساسة زيادة) ...ويجب الا آخذ تلك السخريات على محمل الجد".

واستدركت: "فما كان مني إلا أن استسلمت لسخريتهن دون اي رد فعل ظاهري ... فالخطأ لم يكن منهن أبدًا ... الخطأ مني أنا ... فأنا ( حساسة زياة) ... ملحوظة : انا لا ألوم على أمي أبدًا طريقتها في التخفيف عني، فهي لم تر وسيلة لجبر كسري الا بتلك الكلمات الطيبة، لكن تأثيرها علي لم يكن طيبًا... فتمادت الفتيات في تنمرهن لاني لم ألم عليهن قط ولو حتى بنظرة عتاب، فالعيب عيبي أنا... فطالت تهكماتهن لكنتي وطريقة مشيتي ... حتى وجبة إفطاري من سندوتشات الجبن واللحوم المختلفة عن وجباتهم... حتى شغفي وتفوقي في مادتي العلوم والرياضيات اللاتي لم يفقههن إحداهن ... واستحالت حياتي في هذا المجتمع المدرسي الذي لم أصنع فيه صداقات الا مع ٣ فتيات إحداهن مصرية والثانية سورية والأخيرة فلسطينية ... كنت ألاحظ عدم تعرضهن لهذا النوع من التنمر رغم بشرتهن البيضاء... فالثلاثة كن يجدن فن الرد السريع الحاضر والجدل طويل النفس بثقة وثبوت... فتفر من أمامهن المتنمرات كالجرذان... أما أنا فكنت شديدة الخجل، تتورد وجنتي وتقفز ضربات قلبي مع اول مواجهة لأي من المتنمرات".

وتابعت: "رحلت أمي من تلك البلاد معي أنا وأختي أملاً في توفير حياة سوية لكلانا، وبالفعل كان استقبال زميلاتي في مدرستي بمصر يبشر بحال مختلف عما عشته (هناك)، وانتخبوني كرئيسة للفصل في اول انتخابات برلمانية اقامتها زميلاتي في وجودي، تعددت صداقاتي وتغيرت نظرتي وتقديري لنفسي في فترة زمنية قصيرة جداً ، فقد أحببت نفسي بعد أن كدت أبغضها... لكني لا أنكر أن وجوه المتنمرات الصغيرات مازالت تلاحقني، أراها في اي موقف أتعرض فيه للسقوط أو الخيبة ... أراهن يضحن وقهقهن مشيراتٍ إلي... وبدأت المرحلة الجامعية ...محتفلةً بانضماني لهذا العالم بملابسي الجديدة التي اشترتها لي أمي فرحةً بدخولي كلية الصيدلة، كنت فتاة مميزة بمظهرها الأنيق البسيط وبقصة شعري المعبرة عن طفلة تأبى دخول عالم النساء، ولكني لم أستطع التخل عن خجلي الشديد الطابع على وجنتي بحمرة لفتت نظر الجميع... وها أنا مرة أخرى أواجه التنمر من بعض الفتيات، فواجهتهن بنفس القناعة... العيب ليس عيبهن... بل عيبي أنا لإني شديدة الحساسية... وظهرت من جديد تلك الطفلة المقهورة شديدة الحياء، فهي لم تختف، لأنها لم تثأر لقبها الصغير... بل اشتد بها الأسى لتفكر جديًا في الهروب من تلك الكلية بطلب تقل لمحافظة بعيدة ... أو الانتحار ... ولكنها لم تجرؤ على مواجهة والديها برغبتها في الهروب من هذا العالم، فأتمت دراستها وهي بها ما بها... وأنهت اعوامها الدراسية السبعة العشر ليهنئها الجميع بالحصول على الشهادة الجامعية ، وتهنئ هي بالانعزال مرة اخرى بعيدًا عن المواجهة ... لم أثأر لنفسي في كل مرة تعرضت فيها للتنمر، لم أجادل ... لم أواجه ... لم أثور أو أغضب ... رغم الحريق في صدري ... لم أثأر إلى الأن... لم أنس تلك الوجوه القبيحة الساخرة... لم أستطيع التخلص من خيالاتهم الراقصة في كل مرة أخذل فيها نفسي وأخسر التحدي أمام صعوبة من صعوبات الحياة... فهم معي أين ما ذهبت، لسبب واحد ... أن العيب عيبي أنا ... هل بدأت الانتقام منهم؟ نعم ... أنا الآن أنتقم ... وانا مشرفة على سن الأربعين أنتقم ... أنتقم حين ربيت أبنائي على التمسك بحقوقهم في كل موقف وكل محفل دون التعدي على حقوق الغير، حتى ولو لم ينالوه الا بعد عمر طويل ... أنتقم في كل موقف يروي لي ولدي عن زميله الذي اضحى فريسة للتنمر، فأواجه الجميع وأرفض تلك الجريمة حاملة هذا الصغير على كتفي حتى أطمئن أنه يحيا في سلام ... أنتقم في كل مرة أرى فيها مسكين أو ضعيف قد هدر حقه لانه لا حيلة له، فأظل سنده حتى يسترد حقه مجبور الخاطر ... أنتقم في كل مرة أروي فيها لأبنائي قصص الشجعان من الصحابة والتابعين الذين أبوا أن يظلم أو يقهر ضعيف في زمانهم .... أنتقم في كل مرة كنت فيها صوتًا لمن لا يسمع صوته ... فأنم هنيئة البال راضية، بعد أن ذبلت وتجعدت أمام ناظري وجوه المتنمرات كمدًا وحقدًا... أيها المتنمرات ... شكرًا ... فلولاكن لو أكن كما أنا الآن".
كما يتعرض مهاجرون مسلمون في أوروبا إلى التنمر بشكل مستمر مما يدفع بعضهم إلى العودة هربًا من هذه الظاهرة، وبعضهم يعتبرها تحديًا له فيصر على البقاء، وإثبات نفسه ليصل إلى ما يتمنى.

فتقول سارة ماجد، وهي مسلمة من أصل سوري ومهاجرة إلى الولايات المتحدة بسبب ظروف الحرب: "هاجرت أنا وأسرتي من سوريا إلى الولايات المتحدة قبل خمس سنوات، تعرضنا فيهم للكثير من المضايقات، تكاد تصل إلي حد التنمر بسبب الدين، وتمسكي أنا وأخواتي بارتداء الحجاب رغم المعوقات التي تعرضنا لها بسببه".

تضيف: "ولشدة اقتناعي بديني وبمبادئي قررت عدم الالتفات إلى كل هذه المضايقات وتجاهلها، واعتبرت أن إثبات نفسي في هذا البلد الغريب هو بمثابة تحد لي، ومن هنا كانت بدايتي إذ كنت كلما تعرضت للتنمر أو للسخرية في الجامعة اعتبرت هذا دافعًا جديدًا لي لأنجح رغم كثرة المضايقات، وبالفعل بعد أربع سنوات من الإقامة هنا استطعت إنهاء دراستي الجامعية بتفوق ملحوظ أذهل من كانوا يسخرون مني وها أنا الآن عاكفة على البحث عن عمل يناسبني واستكمال دراستي العليا".

وحالات التنمر في الغالب ترجع إلي عدة عوامل تدفع المتنمر إلتى مثل هذا السلوك من أهمها :
-الإدمان على السلوكيات العدوانية
-الاضطرابات النفسية
-التعرض للتنمر والسخرية من قبل
-العيش في جو أسري مشحون بالتوتر والعصبية، ما يدفع المتنمر إلي ممارسة مثل هذا السلوك رغبة في فرض سيطرته على الأفراد الأضعف منه

فيما ترى هالة يحيي –الخبيرة التربوية- أن "التنمر هو ثالث سبب قد يدفع المراهقين إلى الانتحار مما يدفعنا إلى النظر في هذا السلوك وتحليله ومعرفة أسبابه، فالتنمر إذ دل فإنه يدل على اضطراب السلوك والنفسية غير السوية والرغبة في فرض السيطرة بالقوة على الأشخاص الآخرين، وهي ظاهرة تزداد نسبتها في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا، بسبب تزايد أعداد المهاجرين المختلفين كليًا عن سكان البلاد، من ناحية الدين، والشكل، والأصل، ما يدفع المتنمرين إلى استغلال هذا الأمر، وممارسة التنمر بحق المهاجرين، وذلك يرجع وبسبب كبير إلي ما يبثه الإعلام الغربي في عقول هؤلاء بأن المهاجرين أقل منهم ولا قيمة لهم".
وأضافت: "الشخص الذي يتعرض للتنمر سواء في الدراسة أو في العمل يصاب بحالة نفسية سيئة، إذ لم يجد الدعم الكافي له لمواجهة مثل هذه الظاهرة والخروج من هذه الأزمة".
وأكدت أن "المتنمرين ما هم إلا مرضى نفسيين تعرضوا لأسباب بدورها دفعتهم إلى مثل هذه الأساليب العدوانية ويجب على المجتمع إيجاد حل لهم".



اضافة تعليق