باهلي .. وقبيلته كانت تزدريها العرب

أدخل الإسلام إلي حدود الصين.. وهذه نهايته

الأحد، 23 ديسمبر 2018 10:20 ص
د. عمرو خالد
د. عمرو خالد

قبيلة "باهلة" كانت وضيعة عند العرب، حتي رُوي أن الأشعث بن قيس قال: يا رسول الله أتتكافأ دماؤنا؟ قال: «نعم ولو قتلت رجلا من باهلة لقتلتك» .
 وقيل لبعض العرب: أيسرك أن تدخل الجنة وأنت باهلي؟ قال: بشرط أن لا يعلم أهل الجنة أني من باهلة.
وسأل بعض الأعراب رجلا ممن أنت؟ فقال: من باهلة، فجعل يرثي له قال: وأزيدك أني لست من الصميم وإنما أنا من مواليهم.
فجعل يقبل يديه ورجليه، فقال: ولم تفعل هذا؟ فقال: لأن الله تعالى ما ابتلاك بهذه الرزية في الدنيا إلا ليعوضك الجنة في الآخرة.
وشاء الله أن يخرج من هذه القبيلة  "قتيبة بن مُسْلِم الباهلي"  الذي يعتبر من أعظم القادة في التاريخ الإسلامي، حيث أدخل الإسلام  ووصل به إلى حدود الصين، ولولا الخلافات السياسية لدخل به إلي عمق هذه البلاد، ولكن الخلافات السياسية لم توقف الفتوحات فقط، بل تسببت في مقتل " قتيبة"، وذلك بسبب رفضه لمبايعة الخليفة الأموي "سليمان بن عبد الملك بن مروان".
أصل الخلاف:

 كان سليمان بن عبد الملك ولي العهد من بعد أخيه عن وصية أبيهما عبد الملك وقد كان الوليد قد عزم قبل موته على خلع أخيه سليمان، وأن يجعل ولاية العهد من بعده لولده "عبد العزيز بن الوليد"، وقد كان الحجاج طاوعه على ذلك وأمره به، وكذلك قتيبة بن مسلم وجماعة.
لكن لم ينتظم ذلك له حتى مات، وانعقدت البيعة إلى سليمان، فخافه قتيبة بن مسلم وعزم على أن لا يبايعه، فعزله سليمان وولى على إمرة العراق ثم خراسان "يزيد بن المهلب"، فأعاده إلى إمرتها بعد عشر سنين، وأمره بمعاقبة آل الحجاج بن يوسف، وكان الحجاج هو الذي عزل يزيد عن خراسان.
وقد كان قتيبة بن مسلم حين بلغه ولاية سليمان الخلافة كتب إليه كتابا يعزيه في أخيه، ويهنئه بولايته، ويذكر فيه بلاءه وقتاله وهيبته في صدور الأعداء، وما فتح الله من البلاد والمدن والأقاليم الكبار على يديه، وأنه له على مثل ما كان للوليد من الطاعة والنصيحة، إن لم يعزله عن خراسان، ونال في هذا الكتاب من يزيد بن المهلب، ثم كتب كتابا ثانيا يذكر ما فعل من القتال والفتوحات وهيبته في صدور الملوك والأعاجم، ويذم يزيد بن المهلب أيضا، ويقسم فيه لئن عزله وولى يزيد ليخلعن سليمان عن الخلافة، وكتب كتابا ثالثا فيه خلع سليمان بالكلية.

وبعث قتيبة بهذه الرسائل الثلاثة مع البريد وقال له: ادفع إليه الكتاب الأول، فإن قرأه ودفعه إلى يزيد بن المهلب فادفع إليه الثاني، فإن قرأه ودفعه إلى يزيد بن المهلب فادفع إليه الثالث، فلما قرأ سليمان الكتاب الأول- واتفق حضور يزيد عند سليمان- دفعه إلى يزيد فقرأه، فناوله البريد الكتاب الثاني فقرأه ودفعه إلى يزيد، فناوله البريد الكتاب الثالث فقرأه فإذا فيه التصريح بعزله وخلعه، فتغير وجهه، ثم ختمه وأمسكه بيده ولم يدفعه إلى يزيد، وأمر بإنزال البريد في دار الضيافة، فلما كان من الليل بعث إلى البريد فأحضره ودفع إليه ذهبا وكتابا فيه ولاية قتيبة على خراسان، وأرسل مع ذلك البريد بريدا آخر من جهته ليقرره عليها، فلما وصلا بلاد خراسان بلغهما أن قتيبة قد خلع الخليفة، فدفع بريد سليمان الكتاب الذي معه إلى بريد قتيبة، ثم بلغهما مقتل قتيبة قبل أن يرجع بريد سليمان.

مقتل قتيبة بن مسلم :

جمع قتيبة بن مسلم  الجند والجيوش وعزم على خلع سليمان بن عبد الملك من الخلافة وترك طاعته، وذكر لهم همته وفتوحه وعدله فيهم، ودفعه الأموال الجزيلة إليهم، فلما فرغ من مقالته لم يجبه أحد منهم إلى مقالته، فشرع في تأنيبهم وذمهم، قبيلة قبيلة، وطائفة طائفة، فغضبوا عند ذلك ونفروا عنه وتفرقوا، وعملوا على مخالفته، وسعوا في قتله، وكان القائم بأعباء ذلك رجل يقال له "وكيع بن أبي سود"، فجمع جموعا كثيرة، ثم ناهضه فلم يزل به حتى قتله، وقتل معه أحد عشر رجلا من إخوته وأبناء إخوته.
وقد كان قتيبة الباهلي، من سادات الأمراء وخيارهم، وكان من القادة النجباء الكبراء، والشجعان وذوي الحروب والفتوحات السعيدة، والآراء الحميدة، وقد هدى الله على يديه خلقا لا يحصيهم إلا الله، فأسلموا ودانوا لله عز وجل،وفتح من البلاد والأقاليم الكبار والمدن العظام شيئا كثيرا، والله سبحانه لا يضيع سعيه ولا يخيب تعبه وجهاده.
ولكن زل زلة كان فيها حتفه، وفعل فعلة رغم فيها أنفه، وخلع الطاعة فبادرت إليه المنية، وفارق الجماعة فمات ميتة جاهلية، لكن سبق له من الأعمال الصالحة ما قد يكفر الله به سيئاته، ويضاعف به حسناته، والله يسامحه ويعفو عنه، ويتقبل منه ما كان يكابده من مناجزة الأعداء، وكانت وفاته بفرغانة من أقصى بلاد خراسان، وله من العمر ثمان وأربعون سنة، وكان أبوه أبو صالح مسلم فيمن قتل مع مصعب بن الزبير، وكانت ولايته على خراسان عشر سنين، واستفاد وأفاد فيها خيرا كثيرا.

اضافة تعليق