هل نزل القرآن الكريم بلغات قبائل عديدة أم لغة قبيلة واحدة؟

الإثنين، 24 ديسمبر 2018 01:43 م
هل نزل القرآن الكريم بلغات قبائل عديدة أم لغة قبيلة واحدة



ذهب بعض المستشرقين، أن العربية الفصحى هي حصيلة لغات قبائل، لا قبيلة بعينها، وهي نفس الفكرة التي قالها بعض علماء المسلمين، الثقة عند أهل السنة والجماعة، من مثل الحافظ ابن كثير، فإن هذا العالم في علوم الحديث وتاريخ الإسلام والرواية، وعلى الرغم من أنه يميل للقول بأن القرآن نزل بلغة قريش، وباعتبار الأخيرة مهد الفصحى، إلا أن سعة علمه وموضوعيته، فتحا الباب له واسعاً، ليقول للناس ما روي في غير ما يراه هو ويعتقد به.

نقل ابن كثير في كتابه (فضائل القرآن) عشرات الأقوال التي ترى أن القرآن ما نزل بلغة قبيلة بعينها. فينقل في أولى تلك الروايات المنسوبة إلى أشخاص بعينهم: "... قال الله تعالى (قرآناً عربياً) ولم يقل (قرشياً). واسم العرب يتناول جميع القبائل تناولاً واحداً، يعني حجازها ويَمَنها".

كما نقل ابن كثير عن أحد أشهر علماء العربية، وهو أبو عبيد القاسم بن سلام، والمتوفى سنة 224 للهجرة، ما مختصره عن اللغات التي نزل بها القرآن: "ولكنه عندنا أنه نزل سبع لغاتٍ متفرقة في جميع القرآن من لغات العرب، فيكون الحرف الواحد منها بلغة قبيلة والثاني بلغة أخرى سوى الأولى".

وكشف تقرير نشرته "قناة العربية" إن العلاقة تبدو وثيقة، بين ما يراه مستشرقون في أن اللغة العربية الفصحى (مزيج من لهجات تكلم بها أهل نجد والمناطق المجاورة لها) برأي بعض المستشرقين الذين قالوا إن الفصحى هي كل لهجات الحجاز ونجد والبادية المتاخمة لنهر الفرات، وبين ما يعتقد به لغويون عرب قدامى لهم مكانتهم التي جعلت واحداً حافظاً كابن كثير ينقل عنهم فيقولون باللغات التي نزل بها القرآن، وليس باللغة الواحدة وبالتالي، ليس بالقبيلة الواحدة.

وأضافت أن أصل اللغة العربية الفصحى، نفسه والذي كانت أرض العراق المكان الذي ولدت فيه الغالبية الساحقة من المصنفات اللغوية والنحوية المدوّنة لهذا الأصل، لا يزال يحتاج إلى الكثير من البحوث في هذا السياق، لأنه يعتبر من أصعب المسائل المطروحة أمام اللغويين والباحثين. فحتى لو تم التحقق من أن الفصحى هي لغة قريش، فمن "أين جاءت لغة قريش نفسها؟".

ونقلت عن عميد الأدب العربي الراحل  طه حسين، قوله بنزول القرآن الكريم بلغة قريش، وردّ عليه الدكتور جواد علي، في المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، وعلى جميع القائلين بالأصل القرشي للغة العربية الفصحى فيقول: "من يقول إن لغة القرآن هي لغة قريش، وإن لغة قريش هي العربية الفصحى، وإنها لغة الأدب عند الجاهليين، قولٌ بعيد عن الصواب، ولا يمكن أن يأخذ به من له أي إلمام بتاريخ الجاهلية".

وأوضحت "العربية" أنه وضِع في لغات القرآن، أكثر من مصنّف في تاريخ العربية منذ القرن الثاني للهجرة، فهو موضوع أثير له قيمته الكبرى عند أهل اللغة. وأحد الكتب التي تم تحقيقها في هذا المجال، هو كتاب (اللغات في القرآن) الذي رواه المصري إسماعيل بن عمرو بن راشد الحداد، والمتوفى سنة 429 للهجرة، وحقّقه الدكتور صلاح الدين المنجّد في العام 1946م.

وكي يسهّل المنجد على القارئ، رسم مخططاً يجمل فيه لغات القبائل العربية، في القرآن الكريم، استمدّه من كتاب إسماعيل بن عمرو، فتظهر نسبة لغات القبائل العربية في القرآن الكريم على الشكل التالي: قريش 124 مفردة، هذيل 45، كنانة 36، حمير 23، جرهم 21، تميم وقيس عيلان 13، أهل عُمان وأزد شنوءة وخثعم 6، طيء ومذحج ومدين وغسان 5، بنو حنيفة وحضرموت 4، خزاعة وعامر ولخم وكندة 2، العمالقة وسدوس وسعد العشيرة 1. لتكون قريش صاحبة النسبة الأكبر، بالإطلاق، قياساً بباقي القبائل.

وكشفت أن هذا التقسيم، على الرغم من كونه يوضح عدد مفردات القبائل في القرآن الكريم، فهو يشير من حيث لا يسمّي إلى نقطة غاية في الأهمية: وهي أن الكلمات التي لم تحسب على قبيلة عربية بعينها، هي الكلمات الأكبر عدداً! أي أن لغة القرآن الكريم لغة العرب كافة، بدون تمييز. بدليل أن ما يحسب للقبائل من مفردات داخلة في آياته، يكاد لا يذكر أمام شموليته العربية الفصحى التامة، مع الإشارة إلى أن جميع من ألف في "لغات" القرآن الكريم، أو حقّق، كالمنجد، يذكر أن تلك الأعداد غير نهائية، نظراً لعدم الإحاطة الكاملة بلغات العرب أصلا.

وأضافت أنه بالنظر إلى رأي الإخباريين العرب القدامى القائلين بقريش مهداً لفصاحة الفصحى، وإلى صنْفهم من تابعين في الإخبار والرواية واللغة والقائلين بأكثر من حرف نزل به القرآن الكريم، ثم إلى استنتاجات المستشرقين الكبار التي مفاد أغلبها الإشارة إلى شمولية أصل الفصحى، لا اقتصاره الجغرافي على رقعة معينة، فإن هناك أصلين للغة العربية الفصحى، الأصل الأول يتمثل بالأصل الأعظم وهو نص القرآن الكريم، إلا أنه الأصل الذي يسعى النحويون والباحثون لاكتشاف أغواره دائماً لمحاولة الإحاطة بالكيفية التي أصبحت فيها هذه اللغة فصحى وكيف ميّزت عن العامية، والأصل الثاني أو البعيد، هو ما اتجه إليه كبار لغويي العربية، في ذهابهم إلى بطون البوادي وأهل "الوَبر" لاقتناص المفردات الصافية الفصيحة من أفواه حامليها.

وعللت لهذا بأن الفراهيدي الخليل بن أحمد، 100-170 للهجرة، واضع اول قاموس في اللغة العربية، عندما سئل عن المكان الذي أخذ منه عِلمه، فقال: "من بوادي الحجاز ونجْد وتهامة".

وبحسب العلاّمة فؤاد حمزة، فإنه قد أجرى مسحاً لغوياً في الجزيرة العربية، في مطالع القرن الماضي وضمّنه في كتابه المرجعي (قلب جزيرة العرب)، وتحادث مع أشخاص من قبيلة (فَهْم) التي تقع منازلها بين ثقيف شمالاً والجحادلة غرباً، وهي من أقرب الأنساب إلى قريش، ويعمل أبناؤها في الماشية والجِمال، فوجد أن لهجتهم "أقرب اللهجات الحاضرة، إلى العربية الفصحى". كما قال في كتابه المرجعي.

اضافة تعليق