"مراعاة للخواطر".. لهذا حذر الإسلام من النجوى؟.. وهكذا كانت مناجاة الرسول؟

الجمعة، 28 ديسمبر 2018 10:36 ص
ما هي شروط جواز النجوى



كان المنافقون يتناجون سرًا، في حق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حتى أن القرآن تحدث عن صفات المنافقين ومناجتهم، في آيات عديدة، لتحذير المؤمنين من الوقوع في هذه الأفعال.

وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من أنه "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث حتى تختلطوا بالناس"، لأن النجوى عادة تسبب الأذى للغير والإحساس بالخيانة أو نبذ الآخرين، لذلك نهى عنها النبي، وهي حديث اثنين أو المجموعة دون مشاركة المحيطين بهم في الحديث.


وجاءت النجوى في سورة  "المجادلة"، حيث يقول الله تعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8)".


وقال ابن العربي في "أحكام القرآن" عند قوله تعالى: " لا خير في كثير من نجواهم" الآية [114] في سورة النساء: إن الله تعالى أمر عباده بأمرين عظيمين: أحدهما: الإِخلاص وهو أن يستوي ظاهر المرء وباطنه، والثاني: النصيحة لكتاب الله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فالنجوى خلاف هذين الأصلين وبعدَ هذا فلم يكن بدًا للخلق من أمر يختصون به في أنفسهم ويَخُص به بعضهم بعضاً فرخص في ذلك بصفة الأمر بالمعروف والصدقة وإصلاح ذات البين".


وفي "الموطأ" جاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد"، زاد في رواية مسلم "إلا بإذنه فإن ذلك يُحزنه".


وفهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المسألة، فروى الإمام مالك في "الموطأ" عن عبد الله بن دينار قال: "كنت أنا وابن عمر عند دار خالد بن عقبة في السوق، فجاء رجل يريد أن يناجيه - جاء رجل عند ابن عمر وابن عمر يريد أن يناجيه – وليس مع ابن عمر أحد غيري، فدعا ابن عمر رجلاً آخر من السوق، قال لرجل رابع: تعال، دعاه، حتى كنا أربعة، ثم قال لي وللرجل الثالث الذي دعا: استأخرا شيئًا، واستأخرا من التأخر، حتى يبلغ المناجي مراده، أي تأخر أنت والرابع شيئًا حتى أتمكن من كلام هذا الرجل الذي معي، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يتناجى اثنان دون واحد".


 شروط جواز التناجي



أن تكون هناك مصلحة راجحة على مفسدة التناجي


أن يكون بإذن الشخص الثالث، ويجب أن يراعى ألا يكون الشخص الثالث مكرهًا.


أن يكون هناك حاجة فعلاً، ومصلحة راجحة مؤكدة تتغلب على مفسدة مشكوك بها وهي إحزانه، فإذا كانت المصلحة قوية جدًا وإحزان الشخص هذا مشكوك فيه عند ذلك يجوز التناجي.



مناجاة الرسول


يقول الله تعالى آمرًا عباده المؤمنين إذا أراد أحدهم أن يناجي النبي صلى اللّه عليه وسلم أي يساره فيما بينه وبينه، أن يقدم بين يدي ذلك صدقة تطهره وتزكيه وتؤهله لأن يصلح لهذا المقام.

قال تعالى‏:‏ "ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ"‏، ثم قال تعالى‏:‏ "{فَإِن لَّمْ تَجِدُوا"، أي إلا من عجز عن ذلك لفقره، "فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"‏.



 فما أمر بها إلا من قدر عليها، ثم قال تعالى‏:‏ "أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ"،  أي أخفتم من استمرار هذا الحكم عليكم من وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول، "فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ"،  فنسخ وجوب ذلك عنهم، وقد قيل‏:‏ إنه لم يعمل بهذه الآية قبل نسخها سوى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه.

 وقال مجاهد‏:‏ نهوا عن مناجاة النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى يتصدقوا فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب، قدم ديناراً صدقة تصدق به، ثم ناجى النبي صلى اللّه عليه وسلم فسأله عن عشر خصال، ثم أنزلت الرخصة، وقال علي رضي اللّه عنه‏:‏ آية في كتاب اللّه عزّ وجلَّ لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم، فكنت إذا ناجيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تصدقت بدرهم، فنسخت، ولم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، ثم تلا هذه الآية‏:‏ "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً"،‏‏ وقال ابن عباس "فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً".


وذلك أن المسلمين أكثروا المسائل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى شقوا عليه، فأراد اللّه أن يخفف عن نبّيه عليه السلام، فلما قال ذلك جبن كثير من المسلمين، وكفوا عن المسألة، فأنزل اللّه بعد هذا‏:‏ ‏{ أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ }‏ فوسع اللّه عليهم ولم يضيق.


وقال قتادة ومقاتل‏:‏ سأل الناس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة، ففطمهم اللّه بهذه الآية، فكان الرجل منهم إِذا كانت له الحاجة إلى نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلا يستطيع أن يقضيها، حتى يقدم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك عليهم، فأنزل اللّه الرخصة بعد ذلك‏:‏ "{ لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"‏‏.‏


اضافة تعليق