حكايات لا تصدق عن البذل والعطاء.. ومن مثل "عبد الله بن جعفر" أشهر الكرماء؟

السبت، 29 ديسمبر 2018 10:04 ص
لن تسمع مثل كرم عبد الله بن جعفر.. هذه قصته


لا تملّ النفس من حب الكرم والكرماء، وليس أحب إلى الخلق من رجل كريم، وقد امتلأت كتب التاريخ بأخبار الكرماء، ونالوا المديح الأكبر من المؤرخين.

وكان الكرماء حريصين على بذل الكرم، لأنهم يعرفون قيمة ذلك، وأنه أنفع للذكر، ولذلك كان يقول الأحنف بن قيس أحلم العرب: "ما تركت الموات للأحياء مثل بذل المعروف عند ذوي الحاجات والآداب".

وكان القائد الإسلامي الشهير "المهلب بن أبي صفرة" يقول: "ما أود أن أرجع إلة الحياة إلا لأسمع رجلاً يثني عليّ خيرًا، كنت قد أسديت له معروفًا".

حكايات غريبة:

ومن جميل أخبار الكرماء أن المنكدر دخل على عائشة رضي الله عنها قال لها: يا أم المؤمنين أصابتني فاقة، فقالت: ما عندي شيء، فلو كان عندي عشرة آلاف درهم لبعثت بها إليك.

 فلما خرج من عندها جاءتها عشرة آلاف درهم من عند خالد بن أسيد، فأرسلت بها إليه في أثره، فأخذها ودخل بها السوق، فاشترى جارية بألف درهم، فولدت له ثلاثة أولاد، فكانوا عبّاد المدينة، وهم: (محمد وأبو بكر، وعمر) بنو المنكدر.

وأكرم العرب في الإسلام، طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه، جاء إليه رجل، فسأله برحم بينه وبينه، فقال: هذا بستاني بمكان كذا وكذا، وقد بذل لي فيه مائة ألف درهم، ، فإن شئت فالمال، وإن شئت فالبستان.

 وقال رجل: رأيت طلحة بن عبيد الله فرّق مائة ألف في مجلس وإنه ليخيط إزاره بيده.

وجاء رجل إلى معاوية رضي الله تعالى عنه، فقال له: سألتك بالرحم التي بيني وبينك إلّا ما قضيت حاجتي، فقال له معاوية: أمن قريش أنت؟ قال: لا، قال: فأي رحم بيني وبينك؟ قال: رحم آدم عليه السلام، قال: رحم جفاها الناس والله لأكونن أول من وصلها، ثم قضى حاجته.

وروي أن الأشعث بن قيس أرسل إلى عدي بن حاتم يستعير منه قدورًا كانت لأبيه حاتم، فملأها مالاً وبعث بها إليه، وقال: إنا لا نعيرها فارغة.

وكان أحد الأجواد، لا يناول أحدًا شيئًا وإنما كان يطرحه في الأرض، فيتناوله الآخذ من الأرض، وكان يقول: الدنيا أقل خطرًا من أن ترى من أجلها يد فوق يد أخرى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اليد العليا خير من اليد السفلى».

وسأل معاوية الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهم، عن الكرم فقال: هو التبرع بالمعروف قبل السؤال، والرأفة بالسائل مع البذل.

وقدم رجل من قريش من سفر، فمر على رجل من الأعراب على قارعة الطريق قد أقعده الدهر وأضرّ به المرض، فقال له: يا هذا أعنّا على الدهر، فقال لغلامه: ما بقي معك من النفقة، فادفعه إليه، فصب في حجره أربعة آلاف درهم فهمّ ليقوم، فلم يقدر من الضعف فبكى، فقال له الرجل: ما يبكيك لعلك استقللت ما دفعناه إليك؟ فقال: لا والله ولكن ذكرت ما تأكل الأرض من كرمك فأبكاني.

وقصد رجل إلى صديق له فدّق عليه الباب، فخرج إليه وسأله عن حاجته، فقال: علي دين كذا وكذا، فدخل الدار وأخرج إليه ما كان عليه، ثم دخل الدار باكيًا، فقالت له زوجته: هلا تعللت حيث شقّت عليك الإجابة ، فقال: إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى احتاج إليّ أن سألني.

ويروى أن عبد الله بن أبي بكر، وكان من أجود الأجواد، عطش يومًا في طريقه، فاستسقى من منزل امرأة، فأخرجت له كوزًا، وقامت خلف الباب وقالت: تنحوا عن الباب، وليأخذه بعض غلمانكم، فإنني امرأة مات زوجي منذ أيام، فشرب عبدالله الماء، وقال: يا غلام احمل إليها عشرة آلاف درهم، فقالت: سبحان الله أتسخر مني؟ فقال: يا غلام احمل إليها عشرين ألفًا، فقالت: أسأل الله العافية، فقال: يا غلام احمل إليها ثلاثين، فما أمست، حتى كثر خطابها.

 وكان رضي الله تعالى عنه ينفق على أربعين دارًا من جيرانه عن يمينه، وأربعين عن يساره، وأربعين أمامه، وأربعين خلفه، ويبعث إليهم بالأضاحي والكسوة في الأعياد، ويعتق في كل عيد مائة مملوك رضي الله تعالى عنه.

ولما مرض الصحابي قيس بن سعد بن عبادة استبطأ إخوانه في العيادة، فسأل عنهم فقيل له: إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين، فقال: أخزى الله مالا يمنع عني الإخوان من الزيارة، ثم أمر مناديًا ينادي من كان لقيس عنده مال، فهو منه في حل، فكسرت عتبة بابه بالعشي لكثرة الزائرين.

كرم عبد الله بن جعفر:

وكان عبد الله بن جعفر بن أبي طالب من الجود بالمكان المشهود وله فيه أخبار يكاد سامعها ينكرها لبعدها عن المعهود، وكان معاوية يعطيه مليون درهم في كل سنة، فيفرقها في الناس ولا يرى إلا وعليه دين.

ومن جميل ما روي عنه أن رجل سمّن بهيمة ثم خرج بها ليبيعها، فمر بعبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنه، فقال: يا صاحب البهيمة أتبيعها؟، قال: لا، ولكنها هي لك هبة، ثم تركها له، وانصرف إلى بيته، فلم يلبث إلا يسيرًا، وإذا بالحمّالين على بابه عشرين نفرًا.

عشرة منهم يحملون حنطة، وخمسة لحما وكسوة، وأربعة يحملون فاكهة ونقلاً، وواحد يحمل مالاً، فأعطاه جميع ذلك، واعتذر إليه رضي الله تعالى عنه.

ولما مات معاوية رضي الله تعالى عنه، وفد عبد الله بن جعفر على يزيد ابنه، فقال: كم كان أمير المؤمنين معاوية يعطيك، فقال: كان رحمه الله يعطيني ألف ألف، فقال يزيد قد زدناك لترحمك عليه ألف ألف.

فقال: بأبي وأمي أنت، فقال، ولهذه ألف ألف، فقال: أما إني لا أقولها لأحد بعدك، فقيل ليزيد: أعطيت هذا المال كله من مال المسلمين لرجل واحد، فقال: والله ما أعطيته إلا لجميع أهل المدينة، ثم وكّل به يزيد من صحبه وهو لا يعلم لينظر ما يفعل، فلما وصل المدينة فرّق جميع المال حتى احتاج بعد شهر إلى الدين.

وخرج رضي الله تعالى عنه وهو والحسن والحسين، وأبو دحية الأنصاري رضي الله تعالى عنهم من مكة إلى المدينة، فأصابتهم السماء بمطر، فلجئوا إلى خباء أعرابي، فأقاموا عنده ثلاثة أيام حتى سكنت السماء ، فذبح لهم الأعرابي شاة، فلما ارتحلوا قال عبدالله للأعرابي: إن قدمت المدينة، فسل عنا، فاحتاج الأعرابي بعد سنين، فقالت له امرأته: لو أتيت المدينة، فلقيت أولئك الفتيان، فقال: قد نسيت أسماءهم، فقالت: سل عن ابن الطيار، فأتى المدينة، فلقي سيدنا الحسن رضي الله تعالى عنه، فأمر له بمائة ناقة بفحولها ورعاتها، ثم أتى الحسين رضي الله تعالى عنه، فقال: كفانا أبو محمد مؤونة الإبل، فأمر له بألف شاة، ثم أتى عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنه، فقال: كفاني أخواني الإبل والشياه، فأمر له بمائة ألف درهم.

ثم أتى أبا دحية رضي الله تعالى عنه، فقال: والله ما عندي مثل ما أعطوك، ولكن ائتني بإبلك، فأوقرها لك تمرًا. فلم يزل اليسار في عقب الأعرابي من ذلك اليوم.

وقال الحسن والحسين يومًا لعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم: إنك قد أسرفت في بذل المال، فقال: بأبي وأمي أنتما، إن الله عز وجل عوّدني أن يتفضّل عليّ، وعودته أن أتفضل على عباده، فأخاف أن أقطع العادة، فيقطع عني المادة.

 وامتدحه نصيب، فأمر له بخيل، وأثاث، ودنانير ودراهم. فقال له رجل: مثل هذا الأسود تعطي له هذا المال؟ فقال: إن كان أسود فإن ثناه أبيض، ولقد استحق بما قال أكثر مما نال، وهل أعطيناه إلا ثيابا تبلى ومالا يفنى، وأعطانا مدحا يروى وثناء يبقى؟

وخرج رضي الله تعالى عنه يومًا إلى ضيعة له، فنزل على حائط به نخيل لقوم، وفيه غلام أسود يقوم عليه، فأتي بقوته ثلاثة أقراص، فدخل كلب، فدنا من الغلام، فرمى إليه بقرص، فأكله، ثم رمى إليه بالثاني والثالث، فأكلهما. وعبد الله ينظر إليه.

فقال: يا غلام، كم قوتك كل يوم؟ قال: ما رأيت؟ قال: فلم آثرت هذا الكلب؟ قال: أرضنا ما هي بأرض كلاب، وأنه جاء من مسافة بعيدة جائعا، فكرهت أن أرده، قال: فما أنت صانع اليوم؟ قال: أطوي يومي هذا، فقال عبد الله بن جعفر: ألام على السخاء، وإن هذا لأسخى مني، فاشترى الحائط، وما فيه من النخيل والآلات واشترى الغلام، ثم أعتقه، ووهبه الحائط بما فيه من النخيل، والآلات.

 فقال الغلام: إن كان ذلك لي فهو في سبيل الله تعالى، فاستعظم عبد الله ذلك منه، فقال: يجود هذا وأبخل أنا؟ لا كان ذلك أبدًا.

اضافة تعليق