كيف تغلب الصحابة على "العصبية".. نماذج فريدة

الإثنين، 31 ديسمبر 2018 10:47 ص
كيف تغلب الصحابة


نزول الإسلام في قوم كانوا يعبدون الأصنام من دون الله، وحيث كانت العصبية تسيطر على شبه الجزيرة العربية، وكان هذا من أعظم وأشد الاختبارات التي صار فيها الصحابة مثالاً فريدًا وضربوا أمثلة منقطعة النظير في ذلك.

وكانت معركة بدر من أشد المعارك التي تجلت فيها مواقفهم رضوان الله، وبرزت فيها قوة العقيدة وثبات المبدأ، ففيها تواجه الأب بابنه، والأخ بأخه، اختلفا في المبادئ، ففصلت بينهما السيوف، والتقى المقهور بقاهره، فشفي منه غيظه.

عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: إني قد عرفت أن رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهًا، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي "أبا البختري بن هشام"- واستثني من ذلك لأنه سعي في نقض الصحيفة الظالمة التي وضعت ضد الرسول-  فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرهًا.

 فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة – أخو هند بنت عتبة- : "أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس، والله لئن لقيته لأضربنّه بالسيف، فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لعمر بن الخطاب: "يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف؟!".

فقال عمر: يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه بالسيف، فو الله لقد نافق. فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفًا إلا أن تكفرها عني الشهادة،  فقتل يوم اليمامة شهيدًا.

وكان النهي عن قتل أبي البختري، لأنه كان منع القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، وكان لا يؤذيه ولا يبلغ عنه شيء يكرهه، وكان ممن قام في نقض صحيفة مقاطعة بني هاشم وبني المطلب.

لكن أبا البختري قتل على الرغم من هذا كله، حيث لقيه أحد الصحابة في المعركة، ومعه زميل له، يقاتلان سويًا، فقال له: يا أبا البختري إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن قتلك، فقال: وزميلي؟ فقال: لا والله ما نحن بتاركي زميلك، فقال: والله إذن لأموتن أنا وهو جميعًا، ثم اقتتلا، فاضطر الصحابي إلى قتله.

ومن ذلك ما كان من الصحابي عبد الرحمن بن عوف وأمية بن خلف، حيث كانا صديقين في الجاهلية بمكة، فلما كان يوم بدر مر به عبدالرحمن، وهو واقف مع ابنه علي بن أمية، آخذًا بيده، ومع عبد الرحمن أدراع قد استلبها، وهو يحملها، فلما رآه قال: هل لك فيّ؟ فأنا خير من هذه الأدراع التي معك، ما رأيت كاليوم قط، أما لكم حاجة في اللبن؟ - يريد أن من أسرني افتديت منه بإبل كثيرة اللبن- فطرح عبد الرحمن الأدراع، وأخذها يمشي بها.

قال عبد الرحمن: قال لي أمية بن خلف وأنا بينه وبين ابنه: من الرجل منكم المعلم بريشة النعامة في صدره؟ قلت: ذاك حمزة بن عبد المطلب، قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل.

قال عبد الرحمن: فو الله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي، وكان أمية هو الذي يعذب بلالاً بمكة، فقال بلال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا قلت: أي بلال، أسيري قال: لا نجوت إن نجا.

قلت: أتسمع يا ابن السوداء. قال: لا نجوت إن نجا،  ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا.

 قال: فأحاطوا بنا وأنا أدفع عنه، قال: فوضع رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط، فقلت أنج بنفسك، ولا نجاة بك، فو الله ما أغني عنك شيئًا.

قال فقطعوهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما، فكان عبد الرحمن يقول: يرحم الله بلالاً، ذهبت أدراعي، وفجعني بأسيري.

وقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يومئذ خاله العاص بن هشام بن المغيرة.

ونادى أبو بكر الصديق رضي الله عنه ابنه عبد الرحمن- وهو يومئذ مع المشركين- فقال: أين مالي يا خبيث؟

وإذا كان الصحابة قد ضربوا الأمثلة الرائعة في التخلي عن العصبية، فهناك قصة أخرى أدت بصاحبها إلى الهلاك وهو "جَبَلَة بن الأَيْهَم" ملك نصارى العرب.

أسلم في أيام خلافة الفاروق عمر، فاتفق أنه داس على رداء لرجل من مزينة  في دمشق، فلطمه ذلك المزني، فدفعه أصحاب جبلة إلى أبي عبيدة، وكان أمير الشام فقالوا: هذا لطم جبلة.

قال أبو عبيدة: فيلطمه جبلة، فقالوا: أو ما يقتل، قال: لا. قالوا: فما تقطع يده، قال: لا، إنما أمر الله بالقصاص بالمثل. فقال جبلة: أترون أني جاعل وجهي بدلاً لوجه مازني جاء من ناحية المدينة؟ بئس الدين هذا.

ثم ارتد نصرانيًا، وترحل بأهله حتى دخل أرض الروم، فبلغ ذلك عمر فشق عليه، وقال لحسان: إن صديقك جبلة ارتد عن الإسلام.

وقد ترك جبلة الشام سرًا، ودخل بلاد الروم ودخل على هرقل في مدينة القسطنطينية، فرحب به هرقل وأقطعه بلادًا كثيرة، وأجرى عليه أرزاقًا جزيلة، وأهدى إليه هدايا جميلة، وجعله من سمّاره، فمكث عنده دهرًا، حتي مات على غير الإسلام.

اضافة تعليق