"الزلّاقة".. ملحمة بطولية لن تتكرر.. هذه قصتها

الأحد، 06 يناير 2019 01:51 م
« الزلّاقة».. ملحمة بطولية لن تتكرر..هذه قصتها


كانت العلاقة دائمًا بين الأندلس وسلاطين المغرب الإسلامي علاقة استغاثات، كلما هزمهم العدو وضيق عليهم سلطانهم في الأندلس فزعوا إلى سلاطين المغرب على الرغم من تخوفهم منهم ونظرتهم الدونية ، والتي كانت دائمًا تحوطها الريبة والحذر، حيث كان يتخوف سلاطين بلاد الأندلس من دخول المغاربة إلى بلادهم فيعجبهم ثراؤها فلا يخرجون منها.

لكن ضاقت بهم السبل، حينما ضيّق عليهم العدو ،وأذلهم وأرهبهم، فلما يجدوا بدّا إلا أن يتصلوا بسلطان المغرب وإفريقيا في ذلك الوقت أمير المرابطين يوسف بن تاشفين، الذي عبر بكتائبه ليصنع أعظم المعارك في التاريخ الإسلامي، والتي كانت نقطة تحول كبير في بلاد الأندلس، وأعطت الإسلام دفعة من الزمن ليستقر على هذه الأراضي، حينما كان على وشك الأفول منها.

موقعة الزلاقة:
كان يوسف بن تاشفين رجلاً شجاعًا عادلاً مقدامًا، اختط بالمغرب مدينة مراكش، وكان موضعها مكمنًا للصوص، فلما تمهدت له البلاد تاق إلى العبور إلى جزيرة الأندلس.

وكانت محصنة بالبحر، فأنشأ مراكب وأراد العبور إليها، فلما علم ملوك الأندلس بما يروم من ذلك أعدوا له عدة من المراكب والمقاتلة وكرهوا إلمامه بجزيرتهم، إلا أنهم استهولوا جمعه واستصعبوا مدافعته وكرهوا أن يصبحوا بين عدوين: الفرنج من شماليهم والملثمون من جنوبيهم.

وكانت الفرنج تشد وطأتها عليهم، إلا أن ملوك الأندلس كانت تخوّف الفرنج بإظهار موالاتهم لملك المغرب يوسف بن تاشفين، وكان له اسم كبير لنقله دولة زناتة وملك الغرب إليه في أسرع وقت، وكان قد ظهر لأبطال الملثمين في المعارك ضربات بالسيوف وطعنات، فكان لهم بذلك شهرة ورعب في قلوب المنتدبين لقتالهم.

وكان ملوك الأندلس يفيئون إلى ظل يوسف بن تاشفين ويحذرونه على ملكهم مهما عبر إليهم وعاين بلادهم، فلما رأوا عزيمته متقدمة على العبور أرسل بعضهم إلى بعض، وكاتبوهم يستنجدون آراءهم في أمره، وكان مفزعهم في ذلك إلى المعتمد بن عباد لأنه كان أشجع القوم وأكبرهم مملكة، فوقع اتفاقهم على مكاتبته، وقد تحققوا أنه يقصدهم، يسألونه الإعراض عنهم وأنهم تحت طاعته.


فلما جاءه الكتاب رد عليهم بكتاب لطيف، فلما وصلهم كتابه أحبوه وعظموه وفرحوا بولايته ملك المغرب، وتقوّت نفوسهم على دفع الفرنج، وأجمعوا إن رأوا من ملك الفرنج ما يريبهم أن يجيزوا إليه يوسف بن تاشفين ويكونوا من أعوانه على ملك الفرنج، فتحصل ليوسف بن تاشفين برأي وزيره ما أراد من محبة أهل الأندلس له، وكفاه الحرب لهم.

في ذات الوقت قام صاحب طليطلة قاعدة ملك الفرنج بالإفساد في بلاد الأندلس واشتطّ على ملوكهم بطلب البلاد منهم، وخصوصًا المعتمد بن عباد، فإنه كان مقصودًا فيه، فنظر المعتمد في أمره فرأى أن الأذفونش قد داخله طمع فيما يلي بلاده، فأجمع أمره على استدعاء يوسف بن تاشفين على العبور، على ما فيه من الخطر، وعلم أن مجاورة غير الجنس مؤذنة بالبوار، وأن الفرنج والملثمين ضدان له، إلا أنه قال: إن دهينًا من مداخلة الأضداد لنا فأهون الأمرين أمر الملثمين، ولأن يرعى أولادنا إبلهم أحب إلينا من أن يرعوا خنازير الفرنج، ولم يزل هذا الرأي نصب عينيه مهما اضطر إليه.

 وخرج الأذفونش ملك الفرنج في بعض السنين يتخلل بلاد الأندلس في جمع كبير من الفرنج، فخافه ملوك الأندلس على البلاد، وأجفل أهل القرى والبساتين من بين يديه ولجأوا إلى المعاقل، فكتب المعتمد بن عباد إلى يوسف بن تاشفين يقول له: إن كنت مؤثرًا للجهاد فهذا أوانه، فقد خرج الأذفونش إلى البلاد، فأسرع في العبور إليه، ونحن معاشر أهل الجزيرة بين يديك.

التقاء الجيشين:

 وكان يوسف بن تاشفين على أتم أُهْبة، فشرع في عبور عساكره، فلما أبصر ملوك الأندلس عبور أهل المغرب يطلبون الجهاد، وكانوا قد وعدوا من أنفسهم بالمساعدة، أعدوا أيضًا للخروج، فلما رأى الأذفونش اجتماع العزائم على مناجزته علم أنه عام نطاح، فاستنفر الفرنجية للخروج فخرجوا في عدد لا يحصيه إلا الله تعالى.

 ولم تزل الجموع تتألف وتتدارك إلى أن امتلأت جزيرة الأندلس خيلاً ورجلاً من الفريقين، كل أناس قد التفوا على ملكهم.

 فلما عبرت جيوش يوسف بن تاشفين عبر في آخرها وأمر بعبور الجمال، فعبر منها ما أغص الجزيرة وارتفع رغاؤها إلى عنان السماء، ولم يكن أهل الجزيرة رأوا قط جملاً ولا كانت خيلهم قد رأت صورها ولا سمعت أصواتها، وكانت تذعر منها وتقلق، وكان ليوسف بن تاشفين في عبورها رأيٌ مصيب، كان يحدق بها معسكره، وكان يحضرها الحرب، فكانت خيل الفرنج تحجم عنها.


 فلما تكاملت العساكر بالجزيرة قصدت الأذفونش، وكان نازلاً بمكان يسمى «الزلاّقة».

 وقدّم يوسف بن تاشفين قبل حربه كتابًا على مقتضى العادة يعرض عليه الدخول في الإسلام أو الحرب أو الجزية، ومن فصول كتابه: وبلغنا يا أذفونش أنك دعوت في الاجتماع بك، وتمنيت أن يكون لك فلكٌ تعبر البحر عليها إلينا، فقد أجزناه إليك، وجمع الله في هذه الساحة بيننا وبينك، وسترى عاقبة دعائك (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال).
فلما سمع الأذفونش ما كتب إليه جاش بحر غيظه وزاد في طغيانه وأقسم أنه لا يبرح من موضعه حتى يلقاه. ثم إن ابن تاشفين ومن معه قصدوا الزلّاقة، فلما وافاها المسلمون نزلوا تجاه الفرنج بها، فاختار المعتمد بن عباد أن يكون هو المصادم لهم أولاً، وأن يكون يوسف بن تاشفين إذا انهزم المعتمد بعسكره بين أيديهم وتبعوه، يميل عليهم بعساكره، وتتألف معه عساكر الأندلس، فلما عزموا على ذلك وفعلوه خذل الفرنج وخالطتهم عساكر المسلمين واستحرّ القتل فيهم، فلم يفلت منهم غير الأذفونش في دون الثلاثين من أصحابه، فلحق ببلده على أسوأ حال، فغنم المسلمون من أسلحته وخيله وأثاثه ما ملأ أيديهم خيرًا.


وكانت الوقعة في يوم الجمعة الخامس عشر من رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وقيل في شهر رمضان في العشر الأواخر من السنة.

وحكي أن موضع المعترك على اتساعه ما كان فيه موضع قدم إلا على جسد أو دم، وأقامت العساكر بالموضع أربعة أيام حتى جمعت الغنائم، فلما حصلت عف عنها يوسف بن تاشفين وآثر بها ملوك الأندلس، وعرفهم أن مقصوده إنما كان الغزو لا النهب، فلما رأت ملوك الأندلس إيثار يوسف ابن تاشفين لهم بالمغانم استكرموه وأحبوه وشكروا له.

اضافة تعليق