"عجائب النجاشي".. يعرف العربية.. وبيع عبدًا.. وصلى النبي عليه

الثلاثاء، 08 يناير 2019 12:38 م
«عجائب النجاشي».. يعرف العربية..وأقام حفل زفاف لزوج الرسول


النجاشي هو الأكثر ذكرًا من الملوك في عصر الرسالة وبعدها، لما قام به من جميل وحسن السياسة من إكرام أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم، ثم إسلامه بعد ذلك وقيامه على حمايتهم، على الرغم أنه تعرض لتقلبات سياسية كبيرة، كادت أن تطيح به من ملك الحبشة.


وكان النجاشي إلى جانب صفة العدل التي كان يشتهر بها في هذه العصور، صفات أخرى يتمتع بها.

يفهم العربية:

كان النجاشي يفهم لغة العرب، وذلك أنه بيع عبدًا في أول حياته، وعاش فترة عند أحد أسياد العرب، والذي استعبده طويلاً.


ومن ذلك أنه لما وقعت غزوة بدر، وانتهى خبرها إلى النجاشي علم بها قبل من عنده من المسلمين، فأرسل إليهم، فلما دخلوا عليه إذا هو قد لبس مسحًا، وقعد على التراب والرماد، فقالوا له: ما هذا أيها الملك؟

 فقال: إنا نجد في الإنجيل أن الله سبحانه إذا أحدث بعبده، وجب على العبد أن يحدث لله تواضعًا، وإن الله قد أحدث إلينا وإليكم نعمة عظيمة، وهي أن النبي محمدًا- صلى الله عليه وسلم- بلغني أنه التقى هو وأعداؤه بواد يقال له: "بدر" كثير الأراك، كنت أرعى فيه الغنم على سيدي، وهو من بني ضمرة، وأن الله قد هزم أعداءه فيه، ونصر دينه، فدل هذا الخبر على طول مكثه في بلاد العرب.

يقول الإمام السهيلي: فمن هنا تعلم من لسان العرب ما فهم به سورة مريم حين تليت عليه، حتى بكى، وابتلّت لحيته، وروي عنه أنه قال: إنا نجد في الإنجيل أن اللعنة تقع في الأرض إذا كانت إمارة الصبيان.

أصل القصة:

وقد فسرت السيدة عائشة عبارة النجاشي حينما قال: "فو الله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد عليّ ملكي، ولا أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه"، وذلك أن أباه كان ملك قومه، وكان له أخ له من صلبه اثنا عشر رجلاً، ولم يكن لأب النجاشي ولد غير النجاشي فأدارت الحبشة رأيها بينها، فقالوا: لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملكنا أخاه فإن له اثنا عشر رجلاً من صلبه فتوارثوا الملك، لبقيت الحبشة عليهم دهرًا طويلاً لا يكون بينهم اختلاف، فعدوا عليه فقتلوه وملكوا أخاه.

 فدخل النجاشي بعمه، حتى غلب عليه فلا يدبر أمره غيره، وكان لبيبًا حازمًا من الرجال، فلما رأت الحبشة مكانه من عمه قالوا قد غلب هذا الغلام على أمر عمه، فما نأمن أن يملكه علينا وقد عرف أنا قتلنا أباه، فلئن فعل لم يدع منا شريفًا إلا قتله، فكلموه فيه فليقتله أو ليخرجنه من بلادنا، فمشوا إلى عمه، فقالوا: قد رأينا مكان هذا الفتى منك، وقد عرفت أنا قتلنا أباه وجعلناك مكانه، وإنا لا نأمن أن يملك علينا فيقتلنا، فإما أن تقتله وإما أن تخرجه من بلادنا.

 قال عم النجاشي: ويحكم قتلتم أباه بالأمس وأقتله اليوم،  بل أخرجه من بلادكم، فخرجوا به فوقفوه في السوق وباعوه لتاجر من التجار، قذفه في سفينة بستمائة درهم أو بسبعمائة فانطلق به، فلما كان العشي هاجت سحابة من سحائب الخريف، فخرج عمه تحتها فأصابته صاعقة فقتلته، ففزعوا إلى ولده فإذا هم "محمقون" ليس في أحد منهم خير فمرج على الحبشة أمرهم.

 فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله أن ملككم الذي لا يصلح أمركم غيره للذي بعتم الغداة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه قبل أن يذهب، فخرجوا في طلبه فأدركوه فردوه فعقدوا عليه تاجه وأجلسوه على سريره وملكوه.

 فقال التاجر: ردوا علي مالي كما أخذتم مني غلامي، فقالوا: لا نعطيك، فقال: إذا والله لأكلمنه، فمشى إليه فكلمه، فقال أيها الملك إني ابتعت غلامًا فقبض منى الذي باعوه ثمنه، ثم عدوا على غلامي فنزعوه من يدي ولم يردوا علي مالي، فكان أول ما خبر به من صلابة حكمه وعدله أن قال: لتردن عليه ماله، أو لتجعلن يد غلامه في يده فليذهبن به حيث شاء.

 فقالوا: بل نعطيه ماله فأعطوه إياه، فلذلك يقول: ما أخذ الله مني الرشوة فآخذ الرشوة حين رد علي ملكي، وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه.

ومن عجائبه أيضا أنه معدود في الصحابة - رضي الله عنهم -. وكان ممن حسن إسلامه، ولم يهاجر، ولا له رؤية، فهو تابعي من وجه، صاحب من وجه.
وقد توفي في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- فصلى عليه بالناس صلاة الغائب.

عجائب أخرى:


ومن محاسن النجاشي: أن أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب الأموية أم المؤمنين أسلمت مع زوجها عبيد الله بن جحش الأسدي قديما، فهاجر بها زوجها،فدخل بها إلى أرض الحبشة، فولدت له حبيبة ربيبة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ثم إنه أدركه الشقاء، فأعجبه دين النصرانية، فتنصر، فلم ينشب أن مات بالحبشة.


فلما وفّت العدة، بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخطبها، فأجابت، فنهض في ذلك النجاشي، وشهد زواجها بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وأعطاها الصداق عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من عنده أربع مائة دينار، فحصل لها شيء لم يحصل لغيرها من أمهات المؤمنين، ثم جهزها النجاشي.

وكان الذي وفد على النجاشي بخطبتها: عمرو بن أمية أضمري. وكان الذي زوجها، وخطب إليه النجاشي: خالد بن سعيد بن العاص الأموي، وكان عمرها لما قدمت المدينة بضعًا وثلاثين سنة .

وقالت السيدة أم حبيبة رضي الله عنها عن زوجها الأول: رأيت في النوم كأن عبيد الله بن جحش بأسوأ صورة وأشوهه، ففزعت، فإذا هو يقول حين أصبح: يا أم حبيبة، إني نظرت في الدين، فلم أر دينًا خيرًا من النصرانية، وكنت قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد، فقد رجعت إليها.

فأخبرته بالرؤيا، فلم يحفل بها، وأكب على الخمر حتى مات.

فأرى في النوم كأن آتيًا يقول لي: يا أم المؤمنين، ففزعت، فأولتها أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتزوجني.

فما هو إلا أن انقضت عدتي، فما شعرت إلا ورسول النجاشي على بابي يستأذن، فإذا جارية له يقال لها: البرهة، كانت تقوم على ثيابه ودهنه، فدخلت علي، فقالت: إن الملك يقول لك: إن رسول الله كتب إلي أن أزوجك، فقلت: بشرك الله بخير.

قالت: يقول الملك: وكلي من يزوجك، فأرسلت إلى خالد بن سعيد، - من بني أمية- وكان مهاجرًا إلى الحبشة فوكلته، وأعطت البرهة سوارين من فضة، وخواتيم كانت في أصابع رجليها، وخدمتين كانتا في رجليها.

فلما كان أتعشي، أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين، فحضروا.

فخطب النجاشي، فقال: الحمد لله الملك القدوس السلام، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنه الذي بشر به عيسى -صلى الله عليه وسلم-، ثم خطب خالد بن سعيد، وزوجها، وقبض أربع مائة دينار، ثم دعا بطعام، فأكلوا.

قالت: فلما وصل إليّ المال، عزلت خمسين دينارًا البرهة، فأبت، وأخرجت حقًا فيه كل ما أعطيتها، فردته، وقالت: عزم علي الملك أن لا أرزأك شيئًا، وقد أسلمت لله، وحاجتي إليك أن تقرئي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مني السلام.

ثم جاءتني من عند نساء الملك بعود، وعنبر، وزبادي كثير.

وأصحمة بالعربي: عطية، ولما توفي، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- للناس: "إن أخًا لكم قد مات بأرض الحبشة".

فخرج بهم إلى الصحراء، وصفهم صفوفًا، ثم صلى عليه، ونقل بعض العلماء: أن ذلك كان في شهر رجب، سنة تسع من الهجرة.

اضافة تعليق