أبشِر بخيرٍ فإنَّ الفارج الله.. من جميل الفأل الحسن

الأربعاء، 09 يناير 2019 09:55 ص
أبشِر بخيرٍ فإنَّ الفــارج الله



مع سيطرة الاكتئاب على البعض، فإن الفأل وحسن الظن بالله من الأمور التي ينبغي للمؤمن أن يحافظ عليها، لأنه يعطيه دافعًا للعمل والتقدم إلى الأمام، فالمتفائل يتمسك بالأمل في أن حاله ومستقبله خيرًا من يومه، وبأن يستطيع أن يعوض فيه ما فاته، وأن يتجاوز العقبات والمحن، وأن يحقق المصالح والمنافع التي ليست في حوزته اليوم.


كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ"، وهي كلمات تكشف عن منهج نبوي كريم في التفاؤل بالخير، ورجائه، والتبشير به؛ فالمتأمل لحياته صلى الله عليه وسلم وسيرته وأقواله وأفعاله؛ يلحظ أنه كان يحب التفاؤل بالخير، والاستبشار والتبشير به.


فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحسَنَ، وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ".

 والطِّيَرَةَ: هي التشاؤم بالشيء.


وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عاد مريضًا يقول له: "لاَ بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ الله" رواه البخاري.


وكان من هديه صلى الله عليه وسلم، إذا أتاه رجل وله اسم لا يحبه؛ لكراهة لفظه أو معناه عقلاً أو شرعًا غيّره إلى ما يحبه؛  كما فعل في اسم حرب، ومُرّة، وغيرهما.


ويقول ابن بطال رحمه الله: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه تغيير الاسم القبيح بالاسم الحسن على وجه التفاؤل والتيمن؛ لأنه كان يعجبه الفأل الحسن، وقد غيّر رسول الله عدة أسامي".


وفي صلح الحديبية لما أرسل المشركون سهيلَ بنَ عمرو مفاوضًا، قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "سَهَّلَ الله أَمْرَكُمْ"، وكان يقول: "غِفَارُ غَفَرَ الله لهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا الله".



 ولما جاءته امرأة من أهل المدينة قد رأت رؤيا محزنة؛ إذْ فيها إشارة إلى وفاة زوجها في سفره، وإلى ولادتها غلامًا فاجرًا ـ وكانت حاملاً ـ فبشرها النبي صلى الله عليه وسلم، وأوّلها لها تأويلاً حسنًا؛ فقال: "خَيْرٌ؛ يَرْجِعُ زَوْجُكِ عَلَيْكِ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى صَالِحًا، وَتَلِدِينَ غُلاَمًا بَرًّا, فَكَانَتْ تَرَاهَا مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاَثًا كُلُّ ذَلِكَ تَأْتِي رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَيَقُولُ ذَلِكَ لَهَا, فَيَرْجِعُ زَوْجُهَا وَتَلِدُ غُلاَمًا".



ويقول النبي صلى الله عليه وسلم "إِذَا عَبَرْتُمْ لِلْمُسْلِمِ الرُّؤْيَا فَاعْبُرُوهَا عَلَى الخيْرِ، فَإِنَّ الرُّؤْيَا تَكُونُ عَلَى مَا يَعْبُرُهَا صَاحِبُهَا".


وفي أصعب اللحظات والمواقف التي مرّت على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه، تراه متفائلاً بالخير، مؤملاً له ومستبشرًا به، ومبشرًا أصحابه به، يربّيهم ويعلّمهم أن مع العسر يسرًا، وأن الفرج مع الشدة، وأن رحمة الله قريب من المحسنين، ولك أن تتأمل موقفه في الهجرة، وهو مع صاحبه في الغار، وقد أحاط بهما كفار قريش؛ ووقفوا على المكان الذي يختبئان فيه؛ حتى قال الصدّيق للنبي صلى الله عليه وسلم: "لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا" فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم بكل ثقة ويقين وحسن ظن في الله عز وجل قائلاً: "مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا".


وفي غزوة الأحزاب، لما رمتهم العرب عن قوس واحدة؛ فجمعوا جموعهم، وحزّبوا أحزابهم، والتفوا حول المدينة، عازمين على إبادتها، واجتثاث أهلها، والقضاء على بيضة الإسلام فيها، وكان الحال كما وصف الله عز وجل: ﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِالله الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 10،11]. كان صلى الله عليه وسلم-والحال هذه- يبشر أصحابه بمُلْك الشام وفارس واليمن؛ فيقول -وهو يكسر الصخرة التي عرضت لهم في حفر الخندق-: "الله أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ،  والله إِنِّي لأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحمْرَ مِنْ مَكَانِي هَذَا. ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللهِ وَضَرَبَ أُخْرَى فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحجَرِ فَقَالَ: الله أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ، وَالله إِنِّي لأُبْصِرُ الْمدَائِنَ، وَأُبْصِرُ قَصْرَهَا الأَبْيَضَ مِنْ مَكَانِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللهِ وَضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَقَلَعَ بَقِيَّةَ الْحجَرِ فَقَالَ : الله أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَالله إِنِّي لأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا".


وفي ذلك يقول الإمام الشافعي:

يا صاحب الهمِّ إنَّ الهم منفرجٌ       أبشِر بخيرٍ فإنَّ الفــارج الله



اليأس يقطع أحيانًا بصاحبـه        لا تيأسنَّ فإنَّ الكافـــي الله



الله يُحدِث بعد العسر ميسـرة       لا تجزعنَّ فإن القاســـم الله



 إذا بُليت فثِقْ بالله وارضَ بـه       إنَّ الذي يكشف البلوى هو الله


واللهِ ما لكَ غير الله من أحـدٍ        فحسبُــك الله في كـلٍ لك الله



وحينما أرسل يعقوب أبناءه للبحث عن يوسف وأخيه في مصر قال لهم:  ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ الله إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ الله إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87].



 ولما أتبع فرعون وجنوده موسى عليه السلام وقومه، وقال قومه له: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ كان جوابه قاطعاً؛ حيث قال: ﴿ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 61،62]. وكانت العاقبة أيضًا كما هو معلوم، وصدق الله العظيم إذْ يقول في الحديث القدسي: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي" [رواه البخاري ومسلم].


وأم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي اللهُ عنها، لما نزل الوحي على النبي صلى اللهُ عليه وسلم ورجع إليها خائفًا يقول: "زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي. قَالَتْ: كَلَّا وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ".

فوائد الفأل وحسن الظن بالله:



يجلب السعادة والسرور إلى القلب، ويذهب عنه الهم والحزن.


تقوية للعزائم، ومعونة على الظفر، وباعث على الجد والعمل، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ﴾ [التوبة: 105].


اقتداء بالسنة النبوية، فقد حثَّ النبي صلى اللهُ عليه وسلم على ذلك.



اضافة تعليق