أنت "متوكل" ولست "متواكلاً".. تعلّم من هؤلاء

الخميس، 10 يناير 2019 10:03 ص
أنت متوكل ولست متواكلا.. تعلّم من هؤلاء


 كل ما يجري في العالم من حركة وسكون وخير وشر ونفع وضر وإيمان وكفر وطاعة ومعصية، هو بقضاء الله وقدره، فلا طائر يطير بجناحيه ولا حيوان يدب على بطنه ورجليه، ولا تطن بعوضة ولا تسقط ورقة إلا بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته.


كما لا يجري شيء من ذلك إلا وقد سبق علمه به، فمن رام أمرًا من الأمور ليس الطريق في تحصيله أنه يغلق بابه عليه ويفوض أمره لربه، وينتظر حصول ذلك الأمر، بل الطريق أن يشرع في طلبه على الوجه الذي شرعه له فيه.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم من أكمل الناس توكلاً على الله، ومع ذلك في غزوة أحد كان الصحابة يضعون درعًا يتقون به ضربات السيوف، وكان يضع درعين، من حسن التوكل وتمام الأخذ بالأسباب.

واتخذ خندقًا حول المدينة حين تحزبت عليه الأحزاب يحترس به من العدو وأقام الرماة يوم أحد ليحفظوه من خالد بن الوليد، وكان يلبس لأمة الحرب- خوذة من حديد-  ويهيىء الجيوش ويأمرهم وينهاهم لما فيه من مصالحهم، وتداوى وأمر بالمداواة، وقال: الذي أنزل الداء أنزل الدواء.

 فإن قيل: قد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من استرقى أو اكتوى فهو بريء من التوكل، قلنا: أليس قد قال: اعقلها وتوكل.

فإن قيل: فما الجمع بين ذلك؟ قلنا: معناه من استرقى- أي طلب الرقية والعلاج-  أو اكتوى متكلا على الرقية أو الكي، وإن البرء من قبلهما خاصة،فهذا يخرجه عن التوكل، وإنما يفعله كافر يضيف الحوادث إلى غير الله، وقد أمرنا بالكسب والتسبب.

 ألا ترى أن الله قال لمريم عليها السلام: وهزي إليك بجذع النخلة، فهلا أمرها بالسكون وحمل الرطب إلى فمها.

وضرب العارفون في الجمع بين التوكل وضرورة الأخذ بالأسباب مثالا عجيبا، فقالوا: إن أعمى ومقعدا كانا في قرية بفقر وضر لا قائد للأعمى ولا حامل للمقعد.

 وكان في القرية رجل يطعمهما قوتهما في كل يوم احتسابا لله تعالى، فلم يزالا بنعمة إلى أن هلك ذلك الرجل فلبثا أيامًا، واشتد جوعهما وبلغ الضر منهما جهده، فأجمع رأيهما على أن الأعمى يحمل المقعد فيدله المقعد على الطريق ببصره، فاشتغل الأعمى بحمل المقعد ويدور به ويرشده إلى الطريق وأهل القرية يتصدقون عليهما، فنجح أمرهما ولولا ذلك لهلكًا.

 فكذلك القدر سببه الطلب، والطلب سببه القدر وكل واحد منهما معين لصاحبه، ألا ترى أن من طلب الرزق والولد ثم قعد في بيته لم يطأ زوجته، ولم يبذر أرضه معتمدًا في ذلك على الله واثقًا به أن تلد امرأته من غير مواقعة، وأن ينبت الزرع من غير بذر، كان عن المعقول خارجا ولأمر الله كارها.

وقال الإمام الغزالي: أما المعيل فلا يخرج عن حد التوكل بادخار قوت سنة لعياله جبرًا لضعفهم وتسكينًا لقلوبهم، وقد ادخر رسول الله صلى الله عليه وسلم قوت سنة، ونهى أم أيمن وغيرها أن تدخر شيئا، وقال: انفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالاً.

ومن أخبار الأولين، أن رجلاً احتاج إلى أن يقترض ألف دينار، فجاء إلى رجل من الأغنياء فسأله في ذلك وقال له: تمهل علي بدينك إلى أن أسافر إلى البلد الفلاني فإن لي مالا آتيك به، وأوفيك منه، وتكون مدة الأجل بيني وبينك كذا وكذا، فقال له: هذا غرر، فأنا ما أعطيك مالي إلا أن تجعل لي كفيلاً إن لم تحضر طلبته منه. فقال الرجل: الله كفيل بمالك وشاهد على أن لا أغفل عن وفائك، فإن رضيت فافعل، فداخل الرجل خشية الله تعالى، وحمله التوكل على أن دفع المال للرجل فأخذه ومضى إلى البلد الذي ذكر.

فلما قرب الأجل الذي بينه وبين صاحبه جهز المال وقصد السفر في البحر فعسر عليه وجود مركب، ومضت المدة وبعدها أيام وهو لا يجد مركبا، فاغتم لذلك، وأخذ الألف دينار وجعلها في خشبة وسمر عليها ثم قال: اللهم إني جعلتك كفيلا بإيصال هذه إلى صاحبها، وقد تعذر علي وجود مركب وعزمت على طرحها في البحر وتوكلت عليك في إيصالها إليه، ثم نقش على الخشبة رسالة إلى صاحبها بصورة الحال، وطرحها في البحر بيده وأقام في البلدة مدة بعد ذلك، إلى أن جاءت مركب فسافر فيها إلى صاحب المال، فابتدأه وقال: أنت سيرت الألف دينار في خشبة صفتها كيت وكيت وعليها منقوش كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: قد أوصلها الله تعالى إلي، والله نعم الكفيل،  فقال: فكيف وصلت إليك؟

قال: لما مضى الأجل المقدر بيني وبينك بقيت أتردد إلى البحر لأجدك أو أجد من يخبرني عنك، فوقفت ذات يوم إلى الشط وإذا بالخشبة قد استندت إليّ ولم أر لها طالبا، فأخذها الغلام ليجعلها حطبًا.

فلما كسرها وجد ما فيها، فأخبرني بذلك، فقرأت ما عليها، فعلمت أن الله تعالى حقق أملك لما توكلت عليه حق التوكل.

 وقد قيل: إن سبب بداية ذي النون المصري رحمه الله تعالى أنه رأى طيرا أعمى بعيدا عن الماء والمرعى، فبينما هو يتفكر في أمر ذلك الطائر، فإذا بإنائين في أحدهما ماء،  والآخر فيها قمح، فلقط القمح وشرب الماء، ثم غابا بعد ذلك فذهل ذو النون، وانقطع إلى الله تعالى من ذلك الوقت.

اضافة تعليق