"النيل" و"الأمازون" أطولهما.. تعرف على الأنهار شرايين الحياة

الجمعة، 11 يناير 2019 03:38 م
تعرف على الأنهار شرايين الحياة


الأنهار هي شرايين الحياة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فعلى ضفاف الأنهار قامت المجتمعات البشرية الأولى منذ ما قبل العصر الحجري القديم وحتى اليوم، ولا تزال هذه الضفاف من أبرز مقوّمات الحياة في معظم عواصم العالم وأحدث مدنه، للشرب، للصيد، للزرع، للسفر، للبناء، للصناعة.

وورد في القرآن الكريم وصف الجنَّات في الآخرة بأنها "جنّاتٍ تَجري من تحتِها الأنهارُ"، وفي هذا أبلغ تعبير عن مكانة الأنهار في الوجدان الإنساني كمكوّن ثابت من مكوّنات الجنة.

ويتعذَّر إحصاء عدد الأنهار في العالم. فالمصادر المعروفة تتحدَّث عن وجود ما بين 165 و170 نهراً عظيما، فضلاً عن مئات آلاف الأنهار الأصغر حجماً، التي مكّنت الحياة من أن تنتشر على أكثر من 170 رقعة جغرافية.

وتختلف تصنيفات الأنهار باختلاف زوايا التطلع إليها: فهناك الأنهار المحلية التي تنبع وتصب ضمن الدولة الواحدة مثل نهر المسيسيبي في الولايات المتحدة، وهناك الأنهار الدولية، أي العابرة لحدود أكثر من دولة مثل نهر النيل.

خمسة أنهار عظمى

أولها نهر النيل

ويتنازع نهرا النيل والأمازون لقب أطول نهر في العالم، بفارق كيلومترات قليلة تعود إلى طرق احتساب التعرجات وأبعد منبع لروافده عن المصب.

يبلغ طول النيل نحو 6670 كيلومتراً. وهو يتألَّف كما هو معروف من رافدين أساسيين هما النيل الأبيض الذي ينبع من بحيرة فيكتوريا، والنيل الأزرق الذي ينبع من بحيرة تانا في إثيوبيا. ويلتقي هذان الرافدان العظيمان بالقرب من العاصمة السودانية الخرطوم، ويتابع النيل الموحّد مجراه حتى البحر المتوسط، حيث يشكِّل بالقرب من الساحل دلتا في غاية الأهمية الاقتصادية والبشرية.

منذ العصر الحجري، كان النيل عصب الحياة الرئيس في السودان وجنوب مصر، وتجمعت المستوطنات البشرية الأولى على ضفافه، وتركَّزت بشكل خاص شمالي أسوان. وذلك لأن مجرى النيل كان ينعطف في مكان قريب من أسيوط صوب الغرب، ليصب في خليج سدرة في ليبيا. غير أنه في أواخر أحدث عصر جليدي (10000 سنة ق.م.)، أدَّى ارتفاع مستوى البحار إلى تعزيز المجرى الفرعي في أسيوط باتجاه الشمال، ليصبح في منتصف الألف الرابع قبل الميلاد مجرى النيل الحالي، وعلى ضفاف المجرى الجديد نمت الحضارة الفرعونية وتوسعت، ونشأت معظم المدن المصرية الكبرى.

ولم يخطئ المؤرخ العالمي هيرودوت حينما قال  مصر "هبة النيل" وحوض النيل يتوزَّع على ثمانية بلدان غير مصر والسودان، وهي: جنوب السودان، إثيوبيا، أوغندا، كينيا، تانزانيا، رواندا، بوروندي، وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

ونتيجة لأهمية النهر بالنسبة لاقتصادات هذه الدول وللحياة فيها، وللاضطراب السياسي الذي تسببت به أكثر من مرة مشروعات إقامة سدود عليه، تم توقيع اتفاقية دولية في عام 1999م، عرفت باسم "مبادرة حوض النيل"، لدعم التعاون بين هذه الدول واستغلال النهر بشكل عادل ومتوازن في ما بينها.

الأمازون

ليس تاريخ الأمازون هو ما يستدعينا إلى التوقف أمامه هنا، بل حاضره.

ثمة خلافات حول طول هذا النهر. فبعض الحسابات تقول إنه نحو 6400 كيلومتر، أي أقصر بقليل من النيل، وبعض الحسابات الأخرى تعطيه نحو 500 كيلومتر إضافية ليصبح أطول من النيل.

ولا مثيل له في العالم بضخامة تدفّقه البالغ 209,000 متر مكعب في الثانية، أي أكثر بنحو خمسة أضعاف من ثاني أغزر نهر في العالم، وهو نهر الكونغو الذي يبلغ تدفّقه 41,000 متر مكعب في الثانية. ويمكن أن يصل تدفق الأمازون إلى 340,000 في موسم الأمطار. أما مساحة حوضه فتبلغ نحو 7 ملايين كيلومتر مربع، القسم الأكبر منها في البرازيل، ويتوزع الباقي على البيرو وكولومبيا والإكوادور وبوليفيا وفنزويلا. ويحتضن هذا الحوض أكبر غابة مدارية في العالم، تعيش فيها ثلث أنواع الكائنات الحية المعروفة في العالم. ومنها على سبيل المثال 3000 نوع من الأسماك فقط. وفيها يُسجّل سنوياً اكتشاف أنواع جديدة من الحياة الفطرية غير المعروفة سابقاً.

ومنذ سبعينيات القرن العشرين، أصبح وضع حوض الأمازون شأناً عالمياً، بفعل تزامن أمرين متناقضين تماماً: ازدياد الوعي البيئي في العالم من جهة، ومشروعات الحكومة البرازيلية للإسكــان في حوض الأمازون واستغــلال موارده الطبيعية، ومنها شق ثلاث طرق سريعة عبر الغابة المطيرة. وفيما تلقى هذه المشروعات قبولاً عند الرأي العـام البرازيلي لما لها من عوائد اقتصادية على البلاد، فإنها تثير حفيظة البيئيين، خاصة بعد تكاثر الدراسات التي تؤكد أثر هذه الغابة المطرية على حال المنـاخ العالمي.

النهر الأصفر


ليس أطول أنهار الصين (طوله 5464 كيلومتراً مقابـل 6300 كيلومتر لنهر يانغتسي)، ولكنه الأهم لجهة الدور الذي لعبه في نشوء الحضارة الصينية. فهو الذي صاغ تاريخ الصين وحاضرها، كما أنه مصدر قوتها الاقتصادية وأيضاً مصدر أكبر مشكلاتها.

ينبع هذا النهر من هضبة التيبت ويصب في بحر بوهاي بشمال شرق الصين. وقد شهد القسم الأوسط من حوضه قيام أقدم الحضارات البشرية في الصين بين عامي 12000 و10000 ق.م. وثبت أن المستوطنين هناك عرفوا الزراعة منذ الألف السابع قبل الميلاد، ومن هؤلاء المزارعين ظهرت أولى الممالك الصينية المعروفة باسم "الباليغانغ".

 ومنذ ذلك الزمن الغابر وحتى اليوم، بقي النهر الأصفر عصب الحياة الزراعية والصناعية، غير أن فيضاناته التي تأتي للأراضي الزراعية بالغرين والطمي المخصّب (34 كلغ في المتر المكعب من المياه، مقابل كيلوغرام واحد في النيل)، تسببت أيضاً في وقـوع عدد من أكبر الكوارث الطبيعيـة المسجّلـة في تاريخ البشرية.

فما بين العامين 595 ق.م. و1946م، فاض النهر الأصفر 1593 مرة. وأكبر هذه الفيضانات على الإطلاق كان فيضان عام 1332-1333م، الذي تسبَّب بمقتل 7 ملايين نسمة. وفي عام 1344م، أدَّى فيضان إلى تغير مجرى النهر عند جنوبي مقاطعة شاندونغ، ونتجت عن ذلك ظروف اقتصادية وأمنية رهيبة أدت إلى زوال حكم سلالة يوان، وبروز سلالة مينغ. وحتى في العصر الحديث، فقد أدَّى فيضان هذا النهر في عام 1931م إلى مقتل ما يُراوح بين المليون والأربعة ملايين نسمة.

نهر الغانج

بطوله البالغ 2525 كيلومتراً فقط، يحتل هذا النهر المرتبة الخامسة عشرة في آسيا والتاسعة والثلاثين في العالم، غير أن أهميته التاريخية والحضارية تضعه في مرتبة أكثر تقدّماً من ذلك بكثير.

ينبع هذا النهر من ولاية أوتاراخاند في شمال الهند، وفي اتجاهه شرقاً تنضم إليه روافد ضخمة مثل كانداكي وكوشي اللذين ينبعان من النيبال وغيرهما الكثير، مما يرفع معدل تدفّقه إلى نحو 15,000 متر مكعب في الثانية، ويمكن لهذا المعدل أن يتضاعف في مواسم الأمطار الصيفية. وقبل مصبه في خليج البنغال، ينقسم الغانج إلى نهرين، يصب أحدهما في هذا الخليج عند ساحل ولاية البنغال الغربية، والثاني يخترق بنغلادش وصولاً إلى دكا، حيث يصب في الخليج نفسه.

تبلغ مساحة المسطح المائي لنهر الغانج مع روافده نحو 350,000 كيلومتر مربع، ومساحة الحوض الذي يرويه نحو مليون كيلومتر مربع، ويعيش في هذا الحوض نحو 400 مليون نسمة (أي نحو 5 في المئة من مجمل سكان العالم) يعتمدون في عيشهم على الغانج بشكل أو بآخر.

بدأ الاستيطان في حوض الغانج في بدايات الألف الثاني قبل الميلاد، عند انهيار حضارة الهارابان التي قامت أولاً في حوض نهر السند، وهجرة بقاياها شرقاً للاستيطان على ضفاف الغانج الجنوبية والغربية من دون اجتيازه.

غير أن "قداسة" نهر الغانج، لم تحمه من التلوث، إذ إنه يُعدّ اليوم واحداً من أكثر الأنهار تلوثاً في العالم بالنفايات الصناعية، ومعدل البكتيريا الناجمة عن مجاري الصرف الصحي فيه تبلغ مئة مرة الحد المسموح به. وكل مساعي حمايته باءت بالفشل.

نهر دجلة والفرات وما بينهما

ينبع نهر دجلة من جبال طوروس في تركيا، ويبلغ طول مجراه نحو 1718 كيلومتراً، معظمها في الأراضي العراقية. أما الفرات الذي ينبع من جبال طوروس نفسها، فهو ثاني أكبر نهر عربي بعد النيل، ويبلغ طوله 2800 كيلومتر، وتدفُّقه 356 متراً مكعباً في الثانية. وبعد أن يجري الفرات في شمال شرق سوريا يدخل العراق، حيث يلتقي بدجلة بالقرب من مدينة القرنة ليشكلا شط العرب الذي يجري لمسافة 120 كيلومتراً قبل أن يصب في الخليج العربي. وما بين هذين النهرين وعلى ضفافهما قامت أولى الحضارات الإنسانية بالمفهوم الذي نعرفه في العصر الحديث، وهي حضارات سومر وأكاد وبابل وأشور وكلدان.

ففي هذه المنطقة قامت القرى الزراعية المسوّرة منذ الألف السادس قبل الميلاد. وقبل أن يحل الألف الرابع قبل الميلاد، كانت هذه القرى قد أصبحت مدناً وممالك ابتكرت الكتابة المسمارية، وطورت علوم الطب والفلك والرياضيات، ووضعت التشريعات القانونية، وازدهرت فيها كافة أشكال الفنون، حتى أصبحت عبارة "بلاد ما بين النهرين" مرادفاً للقول "نشوء الحضارات".

اضافة تعليق