في اختبار الإيمان.. كيف تعرف أنك تحب الرسول أكثر من نفسك؟

الإثنين، 14 يناير 2019 02:45 م
كلنا نعظم النبي لكن كيف نحبه أكثر من أنفسنا ولماذا


عن عبدالله بن هشام رضي الله عنه قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك"، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الآن يا عمر"؛ رواه البخاري.


ربما تندهش لماذا نصح النبي صلى الله عليه وسلم "الفاروق عمر" بأن يكون أحب إليه من نفسه؟ هل في هذا المطلب أنانية من؟ - حاشاه ذلك - أو أنه أراد أن يؤثر عمر على نفسه، وهو سلوك إنساني صعب، أم أنه طلب هذا منه من قبيل أنه أفضل منه كونه نبيًا.


إذا وضعت حديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: " والله لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" بجوار هذا الحديث، فضلا عن قراءة هذه الآية: ""قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ"، ستعرف لماذا طلب النبثي صلى الله عليه وسلم أن يحبه عمر أكثر من نفسه.



فحب النبي صلى الله عليه وسلم يأتي هنا من خلال شرح هذين الحديثين ليس استعلاءً على عمر، ولا كون النبي صاحب السبق أو الأفضلية، أو لأنه نبي وغير ما عداه بشر عاديون.

لكن حب النبي هنا معبر عن شريعته التي جاء بها، وأمر الله تعالى عباده بأن يتبعوا كل ما جاء به، فحبك هنا هو ليس حبًا في شخصه، وإن كان سيد العالمين وخير من ضرب الأرض بقدميه، بقدر ما هو حب للشريعة التي جاء بها لينقذك من الضلال ويأخذ بيدك للجنة.

فالإيمان ما هو إلا اعتقاد بالقول والعمل، وهو أمر مفهوم ومقدور، فالاعتقاد والقول والعمل بيد الإنسان لا بيد غيره، لكن ما هو غير مفهوم أن يناط الإيمان بأمر من أمور العاطفة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين"، فمَن الذي يملك أن يعطي نفسه قرارًا بحب فلان حتى لو كان هذا الشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم!.


فهنا لم يُرِد النبي صلى الله عليه وسلم بالحب حب الطبع، بل أراد به حب الاختيار المسند إلى الإيمان؛ لأن حب الإنسان أهله وماله طبع جبل عليه، خارج عن حد الاستطاعة، ولا سبيل إلى قلبه.



يقول القاضي عياض: "إن المقصود بالمحبة هنا التعظيم والإجلال، فقد قال: "فلا يصحُّ الإيمانُ إلاَّ بتحقيق إنافةِ قَدرِ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – ومنزلتِهِ، على كلِّ والدٍ وولد، ومُحسِنٍ ومُفضِل، ومن لم يعتقد هذا واعتقَدَ سواه، فليس بمؤمنٍ".


يقول العلماء إن عمر كان يعظم رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسه لا محالة، فدل ذلك على أن الحب غير التعظيم، فبقي الإشكال على أصله: كيف يناط الإيمان بالحب؟ وكيف يحقق الإنسان هذه المحبة؟ وما حيلته إذا لم يستطع ذلك؟ وما هي معايير قياس هذا الحب؟.

 يقول "الحافظ ابن حجر"، فذهب إلى أن المقصود بالحب هنا الحب العقلي لا حب العاطفة، وفسر الحب العقلي: بأنه الذي يأتي بعد التفكر والنظر، فالإنسان يحب ما ينفعه، ويوفر له المتعة واللذة والنفع، ويبعد عنه الألم والنغص والكدر والضر، فإذا تفكر المسلم قليلاً فسيجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفر له كل هذه المتع وباعده من كل هذه المضار، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم الواسطة المباشرة، أو الواسطة المسببة لذلك كله، فما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا لينقذ الناس من النار وعذابها، ويأخذ بنواصيهم إلى الجنة ونعيمها، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله، جعل الفراش  وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل ينزعهن ويغلبنه، فيقتحمن فيها فأنا آخذ بحجزكم عن النار وهم يقتحمون فيها".





وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما السبب في وجوب محبته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتعظيمه أكثر من أي شخص فلأن أعظم الخير في الدنيا والآخرة لا يحصل لنا إلا على يد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالإيمان به واتباعه ، وذلك أنه لا نجاة لأحد من عذاب الله ، ولا وصول له إلى رحمة الله إلا بواسطة الرسول ؛ بالإيمان به ومحبته وموالاته واتباعه ، وهو الذى ينجيه الله به من عذاب الدنيا والآخرة ، وهو الذى يوصله إلى خير الدنيا والآخرة".


كيف تعرف أنك تحب النبي أكثر من نفسك؟


تقديم محبة الرسول على محبة كل مخلوق، بمعنى أنه إذا تعارض طاعته في أوامره وداع آخر يدعو إلى غيرها من هذه الأشياء المحبوبة، فإن قدم المرء طاعة الرسول وامتثال أوامره على ذلك الداعي: كان دليلاً على صحة محبته للرسول وتقديمها على كل شيء، وإن قدم على طاعته وامتثال أوامره شيئًا من هذه الأشياء المحبوبة طبعًا: دل ذلك على عدم إتيانه بالإيمان التام الواجب عليه.

اضافة تعليق