ما هي "الفتنة" التي حذر الله منها المسلمين؟

الثلاثاء، 15 يناير 2019 03:31 م
ماهي الفتنة التي تجلب على المسلمين استحلال الدماء والأموال والفروج



أرشد الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم إلى الاعتصام بحبل الله، وعدم الفرقة، ونبذ الخلاف والتفرق: "واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا".

هذه الآية وغيرها من آيات مشابهة تدعو للوحدة، والتآلف بين المسلمين، وأن يستمسكوا بحبل الله المتين، فضلاً عن الأحاديث النبوية.

إلا أنه مع ذلك يتحارب المسلمون في كل مكان، حتى أن بأسهم بينهم شديد.

ويعد هذا من بين السنن الكونية التي أجراها الله سبحانه وتعالى على الأمم السابقة، فقد كانت سنة الإهلاك والأخذ بالذنب تطال المكذبين بالرسل في الحياة الدنيا قبل عذاب الآخرة.

وهذا الأخذ بالذنب قد يصل لدرجة الاستئصال؛ وشاملاً للجميع، مثلما حدث في الطوفان بعد دعاء سيدنا نوح حينما قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾[نوح: 26].



وتنوعت أشكال الإهلاك، في قوله تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾[العنكبوت: 40].


ومع أن الله سبحانه وتعالى قد نجا المسلمين من هذه السنن الكونية التي تختص بالعقاب الشامل، من الهلاك والعذاب في الدنيا، إلا أنه أجرى عليها سنة كونية أخرى، وهي وقوع الفتن بينهم والفرقة والاختلاف والانقسام والتقاتل، يقول -تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾[الأنعام: 65].



وعن جابر رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعوذ بوجهك".



قال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: "أعوذ بوجهك".



﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا أهون" أو "هذا أيسر".



ودعا النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجنب الله عز وجل هذه الأمة سنة الاستئصال فيها، أو الافتراق الذي حدث في الأمم السابقة، فاستجاب الله في بعضها ولم يستجب له في الأخرى.



فعن عامر بن سعد، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل ذات يوم من العالية حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربه طويلاً، ثم انصرف إلينا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني ثنتين، ومنعني واحدة.



سألت ربي أن لا يُهلك أمتي بالسَّنة فأعطانيها.



وسألته أن لا يُهلك أمتي بالغرق فأعطانيها.



وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها".



وإن ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها -أو قال: من بين أقطارها- حتى يكون بعضهم يُهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا.


وقد رأى ابن مسعود أن الفرقة والخلاف أسوأ ما ينزل بهذه الأمة؛ فقد كان "يصيح وهو في المجلس -أو على المنبر: ألا أيها الناس، إنه نزل بكم.



إن الله يقول: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، لو جاءكم عذاب من السماء لم يبق منكم أحد.



﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، لو خسف بكم الأرض أهلككم، لم يبق منكم أحد.



﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾، ألا إنه نزل بكم أسوأ الثلاث.



وكان لابن عباس تأويل لهذه الآية، ورد عنه من وجه صحيح؛ فكان يقول: “﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، فأما العذاب من فوقكم، فأئمة السوء، وأما العذاب من تحت أرجلكم، فخدم السوء”([5]).



وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: “أربع فتن تكون بعدي:



الأولى: تسفك فيها الدماء.



والثانية: يستحل فيها الدماء والأموال.



والثالثة: يستحل فيها الدماء والأموال والفروج.



والرابعة: عمياء صماء تُعرك فيها أمتي عرك الأديم”([6]).



وتعد فتنة الاختلاف بين الأمة الإسلامية مقدمة لفتنة الدماء؛ وتذهب الأموال وتزهق الأنفس والأرواح.





اضافة تعليق