بين "عمر وعلي".. فراسة تفوق الخيال

الجمعة، 18 يناير 2019 02:48 م
بين عمر وعلي..فراسة تفوق الخيال


اشتهر الكثير من القضاة والأمراء والسلاطين بالفراسة وحسن القضاء، لكن يبقي الفاروق عمر والإمام علي نسيجًا مختلفًا بل ملهمًا للآخرين، في الحكم بالأمارات والفراسة

ومن ذلك:

أن غلامًا من الأنصار خاصم أمه إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فجحدته، فسأله البينة، فلم تكن عنده، وجاءت المرأة بنفر، فشهدوا أنها لم تتزوج وأن الغلام كاذب عليها، وقد قذفها.

فأمر عمر - رضي الله عنه - بضربه، فلقيه علي - رضي الله عنه - فسأل عن أمرهم، فأخبر فدعاهم، ثم قعد في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - وسأل المرأة فجحدت، فقال للغلام: اجحدها كما جحدتك، فقال: يا ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنها أمي، قال: اجحدها، وأنا أبوك والحسن والحسين أخواك، قال: قد جحدتها، وأنكرتها.

 فقال علي لأولياء المرأة: أمري في هذه المرأة جائز؟ قالوا: نعم، وفينا أيضًا، فقال علي: أشهد من حضر أني قد زوجت هذا الغلام من هذه المرأة الغريبة منه، يا قنبر- خادم الإمام علي-  ائتني بدراهم، فأتاه بها، فعد أربعمائة وثمانين درهما، فدفعها مهرًا لها.

وقال للغلام: خذ بيد امرأتك، ولا تأتنا إلا وعليك أثر العرس، فلما ولى، قالت المرأة: يا أبا الحسن، الله الله هو النار، هو والله ابني.

قال: وكيف ذلك؟ قالت: إن أباه كان زنجيًا، وإن إخوتي زوجوني منه، فحملت بهذا الغلام، وخرج الرجل غازيًا فقتل، وبعثت بهذا إلى حي بني فلان، فنشأ فيهم، وأنفت أن يكون ابني، فقال علي: أنا أبوالحسن، وألحقه بها، وثبت نسبه.

ومن المواقف النادرة أيضًا، أن عمر بن الخطاب سأل رجلاً: كيف أنت؟ فقال: ممن يحب الفتنة، ويكره الحق، ويشهد على ما لم يره، فأمر به إلى السجن، فأمر علي برده، وقال: صدق، قال: كيف صدقته؟ قال: يحب المال والولد، وقد قال تعالى: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة}، ويكره الموت، وهو حق، ويشهد أن محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يره، فأمر عمر - رضي الله عنه - بإطلاقه، قال: "الله أعلم حيث يجعل رسالته".

وجاء رجل إلى مجلس علي - والناس حوله - فجلس بين يديه، ثم التفت إلى الناس، فقال: يا معشر الناس، إن للداخل حيرة، وللسائل روعة، وهما دليل السهو والغفلة، فاحتملوا زلتي إن كانت من سهو نزل بي، ولا تحسبوني من شر الدواب عند الله الذين لا يعقلون.

فتبسم علي - رضي الله عنه - وأعجب به، فقال: يا أمير المؤمنين، إني وجدت ألفًا وخمسمائة درهم في خربة بالسواد، فما علي؟ وما لي؟ فقال له علي: إن كنت أصبتها في خربة تؤدي خراجها قرية أخرى عامرة بقربها فهي لأهل تلك القرية، وإن كنت وجدتها في خربة ليست تؤدي خراجها قرية أخرى عامرة فلك فيها أربعة أخماس، ولنا خمس.

قال الرجل: أصبتها في خربة ليس حولها أنيس، ولا عندها عمران، فخذ الخمس، قال: قد جعلته لك.

وأتى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رجل أسود، ومعه امرأة سوداء، فقال: يا أمير المؤمنين، إني أغرس غرسًا أسود، وهذه سوداء على ما ترى، فقد أتتني بولد أحمر، فقالت المرأة: والله يا أمير المؤمنين ما خنته، وإنه لولده.

فبقي عمر لا يدري ما يقول، فسئل عن ذلك علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فقال للأسود: إن سألتك عن شيء أتصدقني؟ قال: أجل والله، قال: هل واقعت امرأتك وهي حائض؟ قال: قد كان ذلك، قال علي: الله أكبر، إن النطفة إذا خلطت بالدم فخلق الله عز وجل منها خلقًا كان أحمر، فلا تنكر ولدك، فأنت جنيت على نفسك.

وقال جعفر بن محمد: أتي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بامرأة قد تعلقت بشاب من الأنصار، وكانت تهواه، فلما لم يساعدها احتالت عليه، فأخذت بيضة فألقت صفارها، وصبت البياض على ثوبها وبين فخذيها، ثم جاءت إلى عمر صارخة، فقالت: هذا الرجل غلبني على نفسي، وفضحني في أهلي، وهذا أثر فعاله.

 فسأل عمر النساء فقلن له: إن ببدنها وثوبها أثر المني،  فهم بعقوبة الشاب فجعل يستغيث، ويقول: يا أمير المؤمنين، تثبت في أمري، فوالله ما أتيت فاحشة وما هممت بها، فلقد راودتني عن نفسي فاعتصمت.

فقال عمر: يا أبا الحسن ما ترى في أمرهما، فنظر علي إلى ما على الثوب،  ثم دعا بماء حار شديد الغليان، فصب على الثوب فجمد ذلك البياض، ثم أخذه واشتمه وذاقه، فعرف طعم البيض وزجر المرأة، فاعترفت.

اضافة تعليق