عبقرية "الإمام علي" في الكشف عن الجريمة.. هكذا فعل بالمتهمين

الجمعة، 08 فبراير 2019 02:56 م
حكم الإمام علي عليهم بالإعدام..عبقرية القاضي


القضاء فهم، وهو سر المسألة في تقلد وتولي المنصب، لذلك قال الله تعالى: "ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكمًا وعلمًا".

ومن أذكي الذين تولوا منصب القضاء الإمام علي – رضي الله عنه- فقد كان أهلاً لذلك، وصارت أقضيته مثالاً يحتذى، وحكمًا يقتدى به في ذلك.

ومن ذلك أن شابًا شكا إليهأن نفًرا، خرجوا مع أبيه في سفر، فعادوا ولم يعد، فسألتهم عنه، فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله؟ فقالوا: ما ترك شيئًا، وكان معه مال كثير، وترافعنا إلى القاضي شريح، فاستحلفهم وخلى سبيلهم.

فدعا الإمام علي بالشرط، فوكّل بكل رجل رجلين، وأوصاهم ألا يمكنوا بعضهم أن يدنو من بعض، ولا يدَعَوا أحدًا يكلمهم، ودعا كاتبه، ودعا أحدهم.

فقال: أخبرني عن أبي هذا الفتى: في أي يوم خرج معكم؟ وفي أي منزل نزلتم؟ وكيف كان سيركم؟ وبأي علة مات؟ وكيف أصيب بماله؟ وسأله عمن غسله ودفنه؟ ومن تولى الصلاة عليه؟ وأين دفن؟ ونحو ذلك، والكاتب يكتب، ثم كبر علي فكبر الحاضرون، والمتهمون لا علم لهم إلا أنهم ظنوا أن صاحبهم قد أقر عليهم.

 ثم دعا آخر، بعد أن غيب الأول عن مجلسه، فسأله كما سأل صاحبه، ثم الآخر كذلك، حتى عرف ما عند الجميع، فوجد كل واحد منهم يخبر بضد ما أخبر به صاحبه.

وأمر الإمام علي برد الأول، فقال: يا عدو الله، قد عرفت غدرك وكذبك بما سمعت من أصحابك، وما ينجيك من العقوبة إلا الصدق، ثم أمر به إلى السجن، وكبر، وكبر معه الحاضرون.

فلما أبصر القوم الحال لم يشكوا أن صاحبهم أقر عليهم، فدعا آخر منهم، فهدده، فقال: يا أمير المؤمنين، والله لقد كنت كارهًا لما صنعوا، ثم دعا الجميع فأقروا بالقصة، واستدعي الذي في السجن، وقيل له: قد أقر أصحابك ولا ينجيك سوى الصدق، فأقر بمثل ما أقر به القوم، فأغرمهم المال، وأقاد منهم بالقتيل.

ورفع إلى بعض القضاة رجل، ضرب رجلاً على هامته، فادعى المضروب: أنه أزال بصره وشمه، فقال: يمتحن، بأن يرفع عينيه إلى قرص الشمس، فإن كان صحيحا لم تثبت عيناه لها، وينحدر منهما الدمع. وتحرق خرقة وتقدم إلى أنفه. فإن كان صحيح الشم: بلغت الرائحة خيشومه ودمعت عيناه.

وقد وجد في " أقضية علي" - رضي الله عنه - مثل هذه القضية، وأن المضروب ادّعى أنه أخرس، وأمر أن يخرج لسانه وينخس بإبرة، فإن خرج الدم أحمر فهو صحيح اللسان، وإن خرج أسود فهو أخرس.

وأوصى رجل إلى آخر: أن يتصدق عنه من هذه الألف دينار بما أحب، فتصدق بعشرها، وأمسك الباقي؛ فخاصموه إلى علي.

وقالوا: يأخذ النصف ويعطينا النصف، فقال: أنصفوك؛ قال: إنه قال لي: أخرج منها ما أحببت؛ قال: فأخرج عن الرجل تسعمائة، والباقي لك؛ قال:وكيف ذاك؟ قال: لأن الرجل أمرك أن تخرج ما أحببت، وقد أحببت التسعمائة، فأخرجها.

وقضي أيضًا: في رجلين حرّين يبيع أحدهما صاحبه على أنه عبد؛ ثم يهربان من بلد إلى بلد - بقطع أيديهما؛ لأنهما سارقان لأنفسهما، ولأموال الناس.

ومن عجيب قضائهما حكم به في امرأة تزوجت، فلما كان ليلة زفافها أدخلت صديقها سرًا، وجاء الزوج فدخل، فوثب إليه الصديق فاقتتلا، فقتل الزوج الصديق.

فقامت إليه المرأة فقتلته، فقضى بدية الصديق على المرأة، ثم قتلها بالزوج، وإنما قضى بدية الصديق عليها: لأنها هي التي عرضته لقتل الزوج له؛ فكانت هي المتسببة في قتله، وكانت أولى بالضمان من الزوج المباشر؛ لأن المباشر قتله قتلاً مأذونًا فيه، دفعًا عن حرمته، وهذا من أحسن القضاء الذي لا يهتدي إليه كثير من الفقهاء.

وقضى في رجل فر من رجل يريد قتله، فأمسكه له آخر، حتى أدركه فقتله؛ وبقربه رجل ينظر إليهما، وهو يقدر على تخليصه، فوقف ينظر إليه حتى قتله.

 فقضى أن يقتل القاتل، ويحبس الممسك حتى يموت، وتفقأ عين الناظر الذي وقف ينظر ولم ينكر.

اضافة تعليق