رابعة العدوية أم الخير الزاهدة العابدة

الأحد، 10 فبراير 2019 08:40 م
_قصة_رابعة_العدوية

تعتبَر السيدة رابعة العدويّة رحمها الله رمزاً من أهم رموز التصوُّف الإسلاميّ؛ فهي شخصيّة روحانيّة، كما تُعتبَر واحدة من رائدات الفِكْر الصوفيّ، حيث امتلكَت فِكراً استقلاليّاً، وذاتاً مُتفرِّدة، إضافة إلى امتلاكها مدرسة خاصّة بها، وممّا يجدرُ ذِكره أنّ الجاحظ يُعَدُّ أوّل من كَتب عن رابعة مُؤرِّخاً لها، إذ ذَكرَها، فقال: " قِيل لرابعة القيسيّة لو كلمنا رجال عشيرتك فاشتروا لك خادماً يكفيك مؤنة بيتك؟ فقالت: والله إنّي لأستحي أن أسأل الدنيا من يملك الدنيا، فكيف أسألها من لا يملكها"، وقد ذُكِرَت على لسان الزركليّ، فعرَّف بها وقال: "هي رابعة ابنة إسماعيل العدويّة، وهي أمّ الخير، مولاة آل عتيك، ولها عدة أخبار في النُسك والعبادة، ومن كلامها:(اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيِّئاتكم)".
ويُعرَّف التصوُّف بأنّه توقُّف الإنسان عن العمل؛ بهدف العكوف على العبادة، ويظهر ذلك من خلال الإعراض عن أيّ أمر يتعلَّق بالدُّنيا وزُخرفها، والزُّهد بالمال، واللذّة، والجاه، وهو يتمثَّل بالشوق إلى الله، وهو الحبّ المُتجرِّد من أيّة غايات، أو منافع مادّية، كما أنّ مفهوم التصوُّف أعمّ من مفهوم الزُّهد؛ لأنّ الزُّهد يُعتبَر أحد أركان التصوُّف، أمّا الركن الثاني فهو الحبّ الإلهيّ.

حياة التصوف
و اشتُهِرت رابعة العدوية بأنّها واحدة من أتباع التابعين، وهي إنسانة مُتعبِّدة وزاهدة، إذ كانت مشهورة بالتصوُّف في عَصرها، علماً بأنّ التصوُّف لم يكن يحمل الاسم نفسه، أو الصفات المعروفة في الوقت الحالي.

أما منهجها في العبادة فكانت تقول إنها لا تعبد الله خوفًا من ناره، ولا طمعًا في جنته تخالف نص القرآن الكريم، وإن كانت هي بهذا تنتمي إلى مدرستها تمامًا؛ فالمدرسة الصوفية هي التي تعتبر أن الذين يعبدون الله من أجل جنة أو خوفًا من نار إنما يتعاملون مع الله، أو يعبدون الله، عبادة التجار كما أطلقوا عليها.
كما أنّ شهرتها كانت كبيرة جدّاً؛ حيث كُتِبت عن سيرة حياتها عدّة الكُتب، فعلى سبيل المثال، ذُكِرت سيرتها في أحد الأجزاء الخاصّة بكتاب ابن الجوزيّ، إذ ذُكِر أنّ ابن أبي الدُّنيا قال عنها: (حدَّثَنا محمد بن الحسين حدَّثني عبيس بن ميمون العطّار حدَّثتني عبدة بنت أبي شوال وكانت تخدم رابعة العدوية قالت: كانت رابعة تصلي الليل كله، فإذا طلع الفجر هجعت هجعة حتى يسفر الفجر، فكنت أسمعها تقول: يا نفس كم تنامين، وإلى كم تقومين، يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلا ليوم النشور)، كما أنّها ذُكِرت في كتاب ابن الجوزيّ (صفة الصفوة)، حيث قِيل عنها إنّها كانت تبكي كثيراً، فقد قرأ أحد الأشخاص آية من القرآن تتحدَّث عن النار، فصرَخَت رابعة، وسقطَت على الأرض، وقِيل إنّ شخصاً قدّم لها أربعين ديناراً حتى تقضيَ بها حوائجها، فبكَت، ونظرَت إلى السماء، وقالت: (هو يعلم أنّني أستحي منه أن أسأله الدنيا وهو يملكها، فكيف أنا أريد أن آخذها ممّن لا يملكها؟).
وقد اختلف العلماء في تحديد تاريخ وفاة رابعة العدويّة، فقال ابن خلكان إنّها تُوفِّيت في العام 135 هــ، كما أوردَ هذا ابن الجوزيّ في كتابه (شذور العقود)، وهناك من ذَكر بأنّها تُوفِّيت في عام 185 هــ، إضافة إلى أنّ ابن العماد الحنبليّ ذَكرَ أنّها من وفيات عام 135 هـ، ويبدو أنّ هذا التاريخ هو الأقرب إلى الصواب؛ وذلك لأنّ المصادر ذَكَرته كخبر صحيح، في حين تمّ التشكيك في الروايتَين الأُخرَيَين، إذ وَردَ أنّ الحَسن البصريّ تقدَّم إلى خِطبتها، علماً بأنّه تُوفِّي في عام 110 هــ؛ وذلك يعني أنّها كانت تبلغُ من العُمر عشر سنوات عند وفاته؛ لذا فالأقرب إلى الصحّة وفاتها في عام 135هـ.

شعر رابعة العدوية

ومن أشعارها في إحدى قصائدها التي تصف حب الخالق تقول:

عـرفت الهـوى مذ عرفت هـواك واغـلـقـت قلـبـي عـمـن سـواك

وكــنت أناجيـــك يـــا من تــرى خـفـايـا الـقـلـوب ولسـنـا نـراك

أحبـــك حـبـيــن حـب الهـــــوى وحــبــــا لأنـــك أهـــل لـــذاك

فــأما الــذي هــو حب الهــــوى فشـغلـي بـذكـرك عـمـن سـواك

وأمـــا الـــذي أنــت أهــل لــــه فكـشـفـك للـحـجـب حـتـى أراك

فـلا الحـمد فـي ذا ولا ذاك لـــي ولـكـن لك الـحـمـد فـي ذا وذاك

أحبــك حـبـيـن.. حــب الهـــوى وحــبــــا لأنــــك أهـــل لـــذاك

وأشتـاق شوقيـن.. شوق النـوى وشـوق لقرب الخلـي من حمـاك

فأمـا الــذي هــو شــوق النــوى فمسـري الدمــوع لطــول نـواك

وأمــا اشتيـــاق لقـــرب الحمـــى فنــار حيـــاة خبت فــي ضيــاك

ولست على الشجو أشكو الهوى رضيت بما شئت لـي فـي هداك

اضافة تعليق