لا تبخل بالعبادة.. فربما ذنوبك لا تكفيها الصلوات المكتوبة

الإثنين، 11 فبراير 2019 11:44 ص
لا تضن على نفسك وتبخل بالعبادة

يضن كثير من الناس على نفسه في التعامل مع الله، ويبخل في الإكثار من الخير، حتى أنه ربما يتشبث في فهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلوات المكتوبة وصوم رمضان، واجتناب الكبائر، ويهجر الكثير من السنن والصدقات، التي تمحو الكثير من التجاوزات والسهو، كما يخطئ في فهم حقيقة العبادة، والهدف المرجو منها في التقرب إلى الله، حتى تكون ل زلفى يوم القيامة.

فعن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما، أن رجلاً سأل رسول الله عليه وسلم فقال: أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال ، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئًا، أأدخل الجنة؟، قال: (نعم) رواه مسلم.

والمقصود من الحديث لما أرسل الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، جعل الغاية من ابتعاثه الرحمة بالخلق، والإرشاد إلى أقصر الطرق الموصلة إلى رضى الله سبحانه وتعالى.

وإذا رأينا قوله تعالى: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ( الحج : 107 )، تداعى إلى أذهاننا الكثير من الصور التي تؤكّد هذا المعنى، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يدّخر جهدًا في إنقاذ البشرية من الضلال، وتبصيرهم بالهدى والحق.

لذلك دلالة النبي صلى الله عليه وسلم على ما يستطيع أن ينجي الإنسان به نفسه يوم القيامة من الالتزام بالصلوات المكتوبة، وصوم رمضان، والالتزام بالحلال واجتناب الحرام، هو من باب الدلالة على أقصر الطرق التي تنجي صاحبها.

ولكن لا تقف على ما يفهمه الناس من التشبث والبخل على نفسه في الاستكثار من الخير، والنظر للعبادة على أنها حمل يتخلص منه بمجرد القيام به.

وتحقيق هذا الهدف يتطلّب الإدراك التام لما عليه البشر من تنوّع في القدرات والطاقات، إذ من المعلوم أن الناس ليسوا على شاكلة واحدة في ذلك، بل يتفاوتون تفاوتًا كبيرًا، فلئن كان في الصحابة من أمثال الصدّيق والفاروق وغيرهم من قادات الأمة الذين جاوزت همتهم قمم الجبال وأعالي السحاب، فإن منهم - في المقابل - الأعرابي في البادية، والمرأة الضعيفة، وكبير السنّ، وغيرهم ممن هم أدنى همّة وأقل طموحًا من أولئك الصفوة.

ولذلك الصحابي، أتى ليسأل النبي صلى الله عليه وسلم، سؤال المشتاق إلى ما أعده الله تعالى لعباده المتقين في الجنة، ومسترشدًا عن أقصر الطرق التي تبلغه منازلها، فقال: "أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئًا، أأدخل الجنة؟".

لكن إذا لم تستطع أن تلتزم بما دلك عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فهنا يجب أن تكون متحسبًا لأي سهو عن هذه العبادة المفروضة بالاستكثار من الخير، حتى تكون لك شفيعًا عن سهوك وتقصيرك في بعض الأوقات.

وورد على ألسنة عدد من الصحابة رضوان الله عليهم،، أن أعرابيًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خمس صلوات في اليوم والليلة"، فقال: هل علي غيرها؟، قال: "لا، إلا أن تطوع"، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وصيام رمضان"، قال: هل علي غيره؟، قال: "لا، إلا أن تطوع".

وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، قال: هل علي غيرها؟، قال: "لا، إلا أن تطوع"، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفلح إن صدق".

وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرني بعمل يدخلني الجنة؟، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم" رواه البخاري.

ومما لا ريب فيه أن السائل الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي نحن بصدده - كان دقيقا في اختياره للمنهج الذي رسمه لنفسه؛ فإنه قد ذكر الصلوات المكتوبات، وهي أعظم أمور الدين بعد الشهادتين، بل إن تاركها بالكلية خارج عن ملة الإسلام، كما جاء في الحديث الصحيح: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر".


وبعد الصلاة ذكر صوم رمضان، وهو أحد أركان الإسلام العظام، ومما أجمع عليه المسلمون، وقد رتّب الله عليه أجرًا كبيرًا، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه".

ثم أكّد التزامه التام بالوقوف عند حدود الله وشرائعه، متمثلاً بتحليل ما أحله الله في كتابه، وبيّنه رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، واجتناب ما ورد في هذين المصدرين من المحرمات، مكتفيًا بما سبق، غير مستزيد من الفضائل والمستحبات الواردة.

ولكن لماذا لم يرد ذكر للحج والزكاة في الحديث، على الرغم من كونهما من أركان الإسلام، ولا يقلان أهمية عن غيرهما؟

والجواب هو أن الفرق بين الحج والزكاة وبين غيرهما من العبادات، هي أن فرضيتهما لا تتناول جميع المكلفين، فالحج لا يجب إلا على المستطيع، كما قال الله تعالى: { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} ( آل عمران : 97 ).

، كذلك الزكاة لا تجب إلا على من ملك النصاب، ونستطيع أن نقول أيضًا: إن هذا الحديث ربما ورد قبل أن تفرض الزكاة أو الحج؛ فإن الحج قد فُرض في السنة الثامنة، والزكاة وإن كانت قد فُرضت في مكة فإنها كانت عامة من غير تحديد النصاب، ولم يأت بيان النصاب إلا في المدينة، ولعل هذا هو السر في عدم ذكرهما في الحديث.

وهنا تأتي البشرى من النبي صلى الله عليه وسلم ، ليبين أن الالتزام بهذا المنهج الواضح، كاف لدخول الجنة، وهذا يعكس ما عليه الإسلام من يسر وسماحة، وبعدٍ عن المشقّة والعنت، فهو يسرٌ في عقيدته، يسرٌ في عباداته وتكاليفه، واقع ضمن حدود وطاقات البشر، وهذا مما اختص الله تعالى به هذه الأمة دون سائر الأمم.

لكن ثمة أمر ينبغي ألا نُغفل ذكره ، وهو أن التزام العبد بالطاعات وفق ما أمر الله به ، واجتناب المحرمات وتركها ، يحتاج إلى عزيمة صادقة ، ومجاهدة حقيقية للنفس ، وليس اتكالا على سلامة القلب ، وصفاء النية ، وليس اعتمادا على سعة رحمة الله فحسب ، لأن للجنة ثمنا ، وثمنها هو العمل الصالح كما قال الله تعالى : { وتلك الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } ( الزخرف : 72 ) ، فإذا صدقت نية العبد ، أورثته العمل ولابد .

اضافة تعليق