هارون الرشيد والمرأة البرمكية" ..فراسة حيرت المستشارين

الأربعاء، 27 فبراير 2019 06:02 م
هارون


"الفراسة " ملكة منحها الله لبعض عباده فغدوا قادرين علي قراءة أي شخصية وطبائعها ،حتي دون سابق معرفة ،حيث يعرفها العلماء بأنّها المؤشر على الشخصية والطبع، وتسمى أيضاً بفن تحديد الطباع أو خصائص الشخصية إذ إنّ المظهر الخارجيّ يُعطي فكرة، ويكوّن صورة عن الشخصية الداخلية .

وفي تاريخ السلف الصالح هناك شخصيات إسلامية كانت الفراسة جزءا مهما من شخصيتهم ،حيث كانوا يمتلكون قدرات وإمكانيات لغوية عديدة وعجيبة قد تمر على الكثيرين في المعنى ويغفلون عن المغزى من ورائها ،بل يستطيعون عبر هذه القدرات قراءة الماضي وتحديد وجهة المستقبل.

الخليفة العباسي الأبرز هارون الرشيد الذي وصف عهده بالعصر الذهبي للدولة العباسية حيث اتسعت رقعة الدولة خصوصا أن الرشيد كان يحج عاما ويغزو عاما ،لدرجة أن عندما لمح سحابة من شرفه قصره خاطبها القول " أمطري أني شاءتي فسوف يأتني خراجك "

 وذات يوم دخلت قصر الرشيد امرأة برمكية  كانت تدعي  أم جعفر في حضور وجهاء حكمه والمقربين منه ، وقبل أن تبدأ الحديث مع أمير دعت له بالتوفيق السداد قائلة : أقر الله عينك وفرحك بما أتاك وأتم سعدك فقد حكمت فقصدت .

كلام البرمكية أثار استغرب الرشيد  فادرها بالتساؤل  من تكونين أيتها المرأة ؟فردت عليه قائلة أنا من آل برمك ممن قتلت رجالهم وأخذت ديارهم وسلبت أموالهم .

رد الرشيد كان حاضرا وقال :أما الرجال فقد مضى فيهم أمر الله ونفذ فيهم قدره وأما المال فمردود إليكِ ، ثم التفت هارون الرشيد إلى الحاضرين من أصحابه ومن معه فسألهم أتدرون ما قالت المرأة البرمكية؟ .

وهنا أبدي مستشارو الرشيد والمقربون منه استغرابا فقالوا له :يا أمير المؤمنين ما نراها إلا مدحتك ودعت لك وقالت خيرًا، فقال الرشيد للقوم وقد كان معروفًا عنه البلاغة ، ما أظنكم فهمتم مقصدها .

حديث الرشيد زاد دهشة المقربين منه وهو ما دفعه لتوضيح الأمر :أما قولها أقر الله عينك أي أسكنها عن الحركة وإذا سكنت العين عن الحركة عميت ، وأما قولها فرحك الله بما أتاك فأخذته من قول الله تعالى “حتى إذا فرحوا بما أتوا أخذاهم بغتة ”

ومضي الرشيد معددا قدح المرأة في حقه  وتمنياتها زوال نعمته قائلا :وأما قولها أتم الله سعدك فأخذه من قول الشاعر إذا تم شيء بدا نقصه ترقب زوال إذا قيل تم ” وفي قولها لقد حكمت فقصدت فأخذته من قول الله تعالى فأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبًا “.
حنق مستشارو الرشيد علي المرأة لم يدفعهم لتجاهل مناقبها بل تعجبوا لجرأتها وعلمها الغزير فقد كانت المرأة تدعو عليه بدلًا من الدعاء له ، ولم يلاحظ الفقهاء والمستشارون الجالسون عند الرشيد ما ترمي إليه المرأةرغم خبرتهم وتجربتهم  

الواقعة أثبتت مدي فراسة هارون وامتلاكه ناصية اللغة ، وذكائه الشديد في فهم مقصد المرأة البرمكية ومطلبها ولزومه الحذر معه وإيجازه في الرد عليه واكتفائه بإعادة ما تمت مصادرته من أموال أبنائها دون الدخول في تفاصيل أكثر معها .

اضافة تعليق