صحابة تخلصوا من المكروه دون أن يكذبوا.. براعة المنطق

الخميس، 28 فبراير 2019 03:12 م
صحابة تخلصوا من المكروه دون أن يكذبوا..براعة المنطق

ليس كل ما يقال على غير الحقيقة يدخل في دائرة المكروه والكذب، فهناك مساحة واسعة فيما يعرف بـ«المعاريض»، ليتخلص الإنسان من شيء يكرهه، أو يوقعه في مكروه يمس دينه أو عرضه أو ماله.

وقد أرشدت السنة النبوية إلى التخلص من المكروه بأمر سهل جدًا، من تعريض بقول أو فعل.

ومن ذلك أن رجلاً قال: «يا رسول الله، إن لي جارًا يؤذيني، قال: انطلق، فأخرج متاعك إلى الطريق، فانطلق، فأخرج متاعه.

 فاجتمع الناس إليه. فقالوا: ما شأنك؟ فقال: إن لي جارًا يؤذيني، فجعلوا يقولون: اللهم العنه، اللهم أخرجه، فبلغه ذلك، فأتاه فقال: ارجع إلى منزلك، فوالله لا أوذيك أبدًا».

وهذه وأمثالها من الحيل التي أباحتها الشريعة. والحيل هي التي  تحيل الإنسان بفعل مباح على تخلصه من ظلم غيره وأذاه، لا الاحتيال على إسقاط فرائض الله واستباحة محارمه.

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أحدث في صلاته فلينصرف، فإن كان في صلاة جماعة فليأخذ بأنفه ولينصرف».

وفي السنة كثير من ذكر المعاريض التي لا تبطل حقًا، ولا تحق باطلاً كقوله - صلى الله عليه وسلم - للسائل «ممن أنتم؟ قالوا: نحن من ماء» ، وكان إذا أراد غزوة ورّى بغيرها.

 وكان الصديق - رضي الله عنه - يقول في سفر الهجرة لمن يسأله عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من هذا بين يديك»" فيقول: «هادٍ يدلني على الطريق».

والصحابة رضي الله عنهم لهم في ذلك روايات ووقائع كثيرة استخدموا فيها المعاريض.

فقد روى زيد بن أسلم عن أبيه، قال: قدمت على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ثياب من اليمن، فقسمها بين الناس، فرأى فيها حلة رديئة، فقال: كيف أصنع بهذه؟ إن أعطيتها أحدا لم يقبلها، فطواها وجعلها تحت مجلسه،  وأخرج طرفها، ووضع الحلل بين يديه، فجعل يقسم بين الناس.

 فدخل الزبير وهو على تلك الحال، فجعل ينظر إلى تلك الحلة، فقال: ما هذه الحلة؟ فقال عمر: دعها عنك، قال: ما شأنها؟ قال: دعها. قال: فأعطنيها. قال: إنك لا ترضاها، قال: بلى، قد رضيتها.

 فلما توثق منه، واشترط عليه ألا يردها، رمى بها إليه، فلما نظر إليها إذ هي رديئة، قال: لا أريدها، قال عمر: هيهات، قد فرغت منها. فأجازها عليه، ولم يقبلها.

وقال عبد الله بن سلمة: سمعت عليًا يقول: «لا أغسل رأسي بغسل حتى آتي البصرة فأحرقها، وأسوق الناس بعصاي إلى مصر».


قال: فأتيت أبا مسعود البدري، فأخبرته فقال: «إن عليًا يورد الأمور موارد لا تحسنون تصديرها، علي لا يغسل رأسه بغسل، ولا يأتي البصرة، ولا يحرقها، ولا يسوق الناس عنها بعصاه، عليّ رجل «أصلع» إنما على رأسه مثل الطست إنما حوله شعرات.

 ومن ذلك: تعريض عبد الله بن رواحة لامرأته بإنشاد شعر يوهم أنه يقرأ، ليتخلص من أذاها له حين واقع جاريته، حينما طلبت منه أن يقرأ قرآنًا ليؤكد لها أنه ليس على جنابة فقال:
شهدت بــأن الله حـــق        **         وأن النار مثويا لكافرينا

وأن العرش فوق الماء طافٍ **   وفوق العرش رب العالمينا

تحمله ملائكة كرام          **          ملائكة الإلــه مسومينا

وتعريض محمد بن مسلمة لكعب بن الأشرف حين أمنّه بقوله: «إن هذا الرجل قد أخذنا بالصدقة وقد عنانا».

ومن ذلك أيضًا قول عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه - وقد أقيم على دكان بعد صلاة الجمعة - فقام على الدكان، وقال: إن الأمير أمرني أن ألعن علي بن أبي طالب، فالعنوه، لعنه الله.

ومن ذلك: تعريض الحجاج بن علاط، بل تصريحه لامرأته، بهزيمة الصحابة وقتلهم، حتى أخذ ماله منها.

ومما ورد في ذلك أيضا فراسة الصحابي خزيمة بن ثابت، حين قدم وشهد على عقد التبايع بين الأعرابي ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولم يكن حاضرًا، تصديقًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جميع ما يخبر به.

وكذلك فراسة حذيفة بن اليمان، وقد بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عينا إلى المشركين فجلس بينهم.

 فقال أبو سفيان: لينظر كل منكم جليسه، فبادر حذيفة وقال لجليسه: من أنت؟ فقال: فلان بن فلان.

اضافة تعليق