كيف تستقبل ضيوفك؟.. أخلاق دعا لها النبي يكتمل بها الإيمان

الإثنين، 11 مارس 2019 10:40 ص
كيف تستقبل ضيوفك


غابت عن أخلاق المسلمين في الوقت الحالي سلوكيات وأخلاقيات إكرام الضيف، فأصبح أكثرنا لا يكترث بوجود ضيفه، حتى أنه ربما يفتقد للآداب التي حث عليها النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الضيوف.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليقل خيرا أو ليصمت ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليكرم جاره ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليكرم ضيفه ) رواه البخاري ومسلم .



وقد نشأ العرب قبل الإسلام ورغم جاهليتهم على بعض القيم الرفيعة، والخصال الحميدة، وسادت بينهم حتى صارت جزءاً لا يتجزّأ من شخصيتهم ، يفتخرون بها على من سواهم ، ويسطّرون مآثرها في أشعارهم، ومن بينها إكرام الضيف، وقد اتضح ذلك جليا في قصائدهم وأدبهم..

 ولم تكن هذه الأخلاق العظيمة من فراغٍ ، ولكنها نتاج طبيعي من تأثّر أسلافهم بدعوة نبي الله إبراهيم عليه السلام ، حتى اعتادوا عليها ، وتمسّكوا بها عند معاملتهم للآخرين، حتى جاء الإسلام ورسخ هذه الأخلاق بشكل أكثر قوة في صدورهم، ومعاملتهم، بالحث على إكرام الضيف ، والحفاوة به .

 وجعل الإسلام من إكرام الضيف سمة بارزة للسمو الأخلاقي الذي تدعو إليه تعاليم الشريعة، والتخلق بها يعدّ مظهرا من مظاهر تمام الإيمان وكماله، لذلك أكد النبي صلى الله عليه وسلم على أن إكرام الضيف دلالة على الإيمان بالله: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) .


ووعى المؤمنون ذلك جيدا ، وفهموا المراد منه ، فصار للضيافة شأن عظيم في حياتهم، من خلال تعليمات النبي صلى الله عليه وسلم.

 وبالرغم من الظروف التي كان يمر بها النبي  صلى الله عليه وسل، إلا أنه كان حريص على إكرام ضيوفه رغم ظروفه، حتى أنه أتاه ضيف ، فلم يجد ما يضيفه به ، فقال لأصحابه : ( من يضيف هذا الليلة رحمه الله ) فقام رجل من الأنصار فقال : " أنا يا رسول الله " ، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته : " هل عندك شيء ؟ " قالت : " لا ، إلا قوت صبياني " ، قال : " فعلّليهم بشيء ، فإذا دخل ضيفنا فأطفيء السراج ، وأريه أنّا نأكل ، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه " ، قال : فقعدوا وأكل الضيف ، فلما أصبح، غدا على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة ).

 كان هذا الموقف العظيم من الصحابي والتفاني في إسداء الكرم للضيف ، لثمرة من ثمار إيمانهم العميق بثواب الله وأجره .

 ومن أداب كرم الضيف أن يدعو الإنسان لضيـافته الأتقياء والصالحين ، ويتجنب دعوة الفسقة من الناس ، عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ولا يأكل طعامك إلا تقي ) ، كذلك فإنه يدعو لضيافته دون تمييز بين الفقير والغني ، فإن هذا من التواضع الذي ينبغي أن يتحلّى به المؤمن ، وقد جاء في الحديث : ( شر الطعام طعام الوليمة، يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ) متفق عليه .

فإذا حضر ضيوفه ، يستقبلهم عند بابه ، ويبشّ عند قدومهم ، ويطيب في حديثه معهم ، وقد سئل الأوزاعي رحمه الله : " ما إكرام الضيف ؟ " ، قال : " طلاقة الوجه ، وطيب الكلام " ، وقال الشاعر :



وإني لطـلـق الـوجــه للمـبتغـي القــِرى وإن فنــائي لـلـقــرى لــــرحيب

أضاحـك ضـيـفـي عنـد إنـزال رحـلـــه فيخـصب عنـدي والمحل جديب

وما الخصب للأضياف أن يُكثر القِرى ولكنـما وجه الكــريم خصـيـــب



فإذا حضر وقت الطعام ، فإنه يأتيهم بما تسير له ، ولا ينبغي له أن يتكلف ما لايستطيع ؛ فإن هذا مخالف للهدي النبوي ، وفيه أذى وإحراج للضيف من ناحية أخرى ، ومن إكرام الضيف : أن يخرج معه إلى باب الدار عند توديعه ؛ فإن ذلك يشعره بمدى الحفاوة به ، والفرحة بحصول زيارته .

 ولئن كان الإسلام قد أولى العناية بحق الضيف على بعده وقلّة حضوره ، فإن اهتمامه بالجار من باب أولى ، وحسبنا دلالة على ذلك : أن الله تعالى قرن الأمر بالإحسان إليه مع الأمر بعبادته سبحانه ، قال تعالى : { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب } ( النساء : 36 ) ، وأكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحق في قوله : ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) .

 ومن هنا كان إيذاء الجار من كبائر الذنوب عند الله عز وجل ، بل هو منافٍ لكمال الإيمان ، وقد روى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ) ، قيل : ومن يا رسول الله ؟ ، قال : ( الذي لا يأمن جاره بوائقه ) ، أي لا يسلم من شره وأذاه .

 والإحسان إلى الجار قربة عظيمة إلى الله تعالى ، ومن هنا جعل الإسلام له حقوقا عديدة ، من جملتها : أن يمدّ جسور المحبة بينه وبين جيرانه ، وأن يأتي كل ما من شأنه أن يوطّد هذه العلاقة ، ويزيدها قوة ، فيتعهّده دائما بالزيارة والسؤال عن أحواله ، ويمدّ له يد العون في كل ما يحتاجه ، ويقف معه في الشدائد والنوائب التي قد تصيبه ، ويشاركه في أفراحه التي تسعده .



ومن حقوق الضيف أن يستر ما يظهر له من عيوبه ، ويحفظ عينه من النظر في عوراته، ويتواصل معه بالهدايا بين الحين والآخر ؛ فإن ذلك يزيد الألفة ، ويقوي المحبة ، مهما كانت الهدية قليلة القدْر ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تحقرن جارة جارتها ، ولو فرسن شاة ) رواه البخاري ومسلم ، والفرسن : هو عظم قليل اللحم .




اضافة تعليق