رأوا صاعقة فتراجعوا.. كيف أقنع "الحجاج" جنوده برمي الكعبة بالمنجنيق؟

الإثنين، 11 مارس 2019 03:41 م
أكبر خديعة.. كيف أقنع الحجاج جنوده برمي الكعبة بالمنجنيق


من أصعب الحوادث التي سجلت في التاريخ الإسلامي تلك التي تم فيها اقتحام الكعبة وضربها بالمنجنيق في زمن الأمويين، أثناء قتالهم للصحابي عبد الله بن الزبير.

وأصعب ما في هذه الحادثة التاريخية  هي الساعات الأخيرة التيعاشها ابن الزبير.

وقد فرض الحصار على "ابن الزبير" في هلال ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين من الهجرة، وما زال الحجاج بن يوسف يحصره ثمانية أشهر وسبع عشرة ليلة، وكانوا يضربونه بالمنجنيق.

يقول احد الرواة: رأيت المنجنيق يرمى به، فرعدت السماء وبرقت وعلا صوت كالرعد، فأعظم ذلك أهل الشام فأمسكوا أيديهم، فرفع الحجاج حجر المنجنيق، فوضعه ثم قال: ارموا، ثم رمى معهم، ثم جاءت صاعقة تتبعها أخرى، فقتلت من أصحابه اثني عشر رجلاً، فانكسر أهل الشام.

فقال الحجاج: لا تنكروا هذا فإني ابن تهامة، - يعني أنها ليست نقمة ولكنها رعد منطقة تهامة-  هذه صواعق تهامة، هذا الفتح قد حضر، فصعقت من الغد صاعقة، فأصيب من أصحاب ابن الزبير عشرة، فقال الحجاج: ألا ترون أنهم يصابون.

وكان الشاميون يرمون المنجنيق من أبي قبيس ويرتجزون:
خطارة مثل الفنيق المزبد .. أرمي بها أعواد هذا المسجد

فجاءت صاعقة فأحرقتهم، فامتنع الناس من الرمي فخطبهم الحجاج فقال: ألم تعلموا أن بني إسرائيل كانوا إذا قربوا قربانًا فجاءت نار فأكلته علموا أنه قد تقبل منهم، وإن لم تأكله قالوا لم تقبل، فما زال يخدعهم حتى عادوا فرموا.

ولم تزل الحرب إلى قبيل مقتل ابن الزبير، فتفرق عامة أصحابه وخذلوه، وخرج عامة أهل مكة إلى الحجاج في الأمان، حتى ذكرأنولديه حمزة وخبيب أخذا لأنفسهما أمانًا، فدخل عبد الله بن الزبير على أمه أسماء حين رأى من الناس ما رأى من الخذلان، فقال لها: خذلتني الناس حتى ولدي وأهلي، فلم يبق معي إلا من ليس عنده من الدفع أكثر من ساعة والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا، فما رأيك؟

 فقالت: أنت والله يا بني أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض له، وقد قتل عليك أصحابك، ولا تمكن من رقبتك فينقلب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك.

 وإن قلت: كنت على الحق فلما وهن أصحابك ضعفت، فليس هذا فعل الأحرار ولا أهل الدين، وكم خلودك في الدنيا، القتل أحسن.

فدنا ابن الزبير فقبل رأسها وقال: هذا والله رأيي، والذي قمت به ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله عز وجل أن تستحل حرمته، ولكنني أحببت أن أعلم رأيك في مثل ذلك، فانظري يا أمي فإني مقتول في يومي  هذا، فلا يشتد حزنك، وسلمي الأمر لله، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر، ولا عمدا بفاحشة، ولم يجر في حكم الله عز وجل، ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد، ولم يبلغني ظلم عن عمالي فرضيت به بل أنكرته، ولم يكن شيء آثر عندي من رضاربي عز وجل، اللهم إني لا أقول هذا تزكيةمني لنفسي ، أنت أعلم بي، ولكن أقوله تعزية لأمي لتسلو عني.

 فقالت: إني لأرجو من الله عز وجلأن يكون عزائي فيك حسنًا إن تقدمتني، أخرج حتى أنظر ما يصير أمرك، فقال: جزاك الله يا أماه خيرا، ولا تدعي الدعاء لي قبل وبعد.

فقالت: لا أدعه أبدا، فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق،  ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك النحيب في الظلماء، وذلك الصوم في هواجر المدينة ومكة، وبره بأبيه وبي، اللهم إني قد أسلمته لأمرك فيه ورضيت بما قضيت فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين.

وأقام الشاميون على كل باب رجالاً وقائدًا، فشحنت الأبواب بأهل الشام، وكان لأهل حمص الباب الذي يواجه باب الكعبة، ولأهل دمشق باب بني شيبة، ولأهل الأردن باب الصفا، ولأهل فلسطين باب بني جمح، ولأهل قنسرين باب بني سهم،فمرة يحمل ابن الزبير في هذه الناحية، ومرة في هذه الناحية، كأنه أسد لا يقدم عليه الرجال.

فلما كان يوم الثلاثاء صبيحة سبع عشرة من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وقد أخذ الحجاج على ابن الزبير الأبواب، وبات ابن الزبير يصلي ليلته، ثم احتبى بحمائل سيفه فأغفى، ثم انتبه، فقال: أذن يا سعد، فأذن عند المقام، وتوضأ ابن الزبير، وركع ركعتي الفجر ثم تقدم، وأقام المؤذن، فصلى بأصحابه، فقرأ: ن والقلم  وقال:

من كان سائلاً عني فإني في الرعيل الأول، وأنشد:
ولست بمبتاع الحياة بسبة ... ولا مرتق من خشية الموت سلما
ثم قال: احملوا على بركة الله، ثم حمل حتى بلغ بهم الحجون، فرمي بحجر في وجهه فأرعش لها ودمي وجهه، فلما وجد سخونة الدم تسيل على وجهه ولحيته، قال يرتجز  :
فلسنا على الأعقاب تدمي كلومنا .. ولكن على أقدامنا تقطر الدما
ثم تكاثر عليه جنود الحجاج فقتلوه.
وجاء الخبر إلى الحجاج فسجد وسار حتى وقف عليه ومعه طارق بن عمرو، فقال طارق: ما ولدت النساء رجلاً ذكرًا من هذا فبعث الحجاج رأسه ورأس عبد الله بن صفوان ورأس عمارة بن عمرو إلى المدينة، فنصبت بها، ثم ذهب بها إلى عبد الملك.

اضافة تعليق