اعتبر بـ "جريج العابد".. واحذر أن تغضب أمك

الجمعة، 15 مارس 2019 11:51 ص
اعتبر بـ جريج العابد..واحذر أن تغضب أحد والديك


ربما يكون الإنسان على درجة عالية من العبادة والزهد والحفاظ على الصلوات والصيام، وغيرها من رؤوس العبادات، لكن ربما خطأ واحد مع والديه يكون كالصاعقة التي تنقض على أعماله فتنهيها، وهو لا يشعر.

لذلك علينا أن نعتبر بقصة "جريج العابد"، وهو رجل في بني إسرائيل كان صاحب صومعة، قال: فاشتاقت أمه إليه فأتته حتى قامت عند صومعته، فنادته: أي جريج! أي جريج! وهو قائم يصلي، فلما سمع النداء فعرف الصوت أمسك عن القراءة، فقال: أي ربي "صلاتي أو أمي"، ثم قال: ربي أعظم علي حقًا من أمي، قال: فمضى في صلاته، ثم نادته الثانية ففعل أيضًا مثلها، وقالت الثالثة، ففعل أيضًا مثلها ولم يشرف عليها.

 فقالت: اللهم كما لم يرني وجهه فابتله بنظر المومسات في وجهه، فحملت امرأة من أهل القرية من فاحشة فولدت، فقيل لها: ممن هذا؟ قالت: صاحب الصومعة، فرفع ذلك إلى الملك، فقال: هذا صاحب صومعة، وهو يفعل مثل هذا؟ فأمر أهل القرية فأخذوا الفئوس والمساحي، حتى أتوه فنادوه وهو في صلاته فلم يكلمهم، قال: فقالوا: ضعوا الفئوس في الصومعة فضربوا حتى كادت أن تميل.

 قال: فأشرف عليهم، فقال: ماذا تريدون؟ مالي ولكم؟ فقالوا: أنت في الصومعة وأنت تحبل النساء؟

 فقال: أنا؟ فنزل فصلى ركعتين ودعا الله تعالى ثم جاء إلى الصبي ولما يتكلم فضرب قفاه وقال: من أبوك؟ قال: صهيب صاحب الضأن، وكان صهيب رجلا يرعى الغنم يأوي إلى الصومعة، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " والذي نفس محمد بيده، لو دعت الله أن يفتنه عن دينه لأفتنه عن دينه ".

 وقد روي خبر جريج عن طريق آخر، وذكر فيه أن الصومعة هدمت وأنه قيل له: نبنيها لك لبنة من فضة ولبنة من ذهب، فقال: بل ردوها كما كانت.

والمومسات هو جمع مومسة وهي البغي الفاجرة، فإن قال قائل: كيف دعت أمه عليه واستجيب لها فيه؟ وهو لم يقصد عقوقها، ولم يترك إجابتها تهاونا بها، ولا استخفافا بحقها، وإنما آثر مرضاة الله على أمرها، وإتمام صلاته التي ابتدأها، إما مؤديا الفرض فيها، وإما متطوعا بفعلها؟

 قيل له: جائز أن يكون الكلام في شريعتهم كان جائزًا في صلاته كما كان في أول الإسلام ثم نسخ ما أبيح منه بحظره، والنهي عنه، على ما وردت الأخبار به.

 وقد جاء أن عبد الله بن مسعود أخبر، أنه كان يسلم بعضهم على بعض في الصلاة فيرد عليه، وأنه ذكر أنه حين قدم من أرض الحبشة سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فلم يرد عليه، وأنه قال: فأخذني ما قرب وما بعد، وقال النبي صلى الله عليه وسلم حين فرغ من صلاته: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، سلمت عليك فلم ترد.

 فقال: إن الله يحدث من أمره ما شاء، وأنه مما أحدث "ألا تكلموا في الصلاة".
وقد يكون أيضا أن جريجا رأى وإن كانت إجابته في أمه جائزة في صلاته أو غير قاطعة لها - بأن المضي على الصلاة أولى من إجابتها، وجائزة أن يكون القوم قد فرض عليهم إجابة أمهاتهم في الصلاة إذا دعونهم وإن كانوا في صلاتهم، فترك ذلك جريج لتفريط منه وفي فعله أو العلم به.
 وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لو نادني أحد أبوي وأنا في الصلاة فقال يا محمد لأجبته "، وهذا محتمل أن يكون على بعض الوجوه المخصوصة أو المنسوخة، وجائز أن يكون أراد لأجبته بالتسبيح ليعلم أني قد سمعته أو في هذه الحال بالتصفيق، وقال: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لبعض من ناداه وهو يصلي فلم يجبه فقال: ما منعك أن تجيبني؟ فقال: إني كنت أصلي فقال: ألم تسمع قول الله عز وجل: " استجيبوا لله ولرسوله إذا دعاكم " .

اضافة تعليق