خطبة الجمعة غدًا.. الإدمان بين الأسباب والعلاج

الخميس، 21 مارس 2019 09:00 م
مدمن

تماشيا مع ما ينفع المسلمين وخاصة الدعاة نقدم زادًا للدعاة يعينهم على البحث ويفتح لهم الطريق لاستلهام الدروس والحكم من خلال نشر الوعي وإمدادهم بزاد ثقافي حول موضوع خطبة الجمعة كل أسبوع:

"الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربّه سببا في تحليل الحلال وتحريم الحرام؛ فأحل الطيبات وحرَّم الخبائث، أمّا بعـــد:
فأوصيكم ونفسي بالتقوى، واعلموا بأن أجسادنا على النّارِ لا تقْوَى، وتذكّروا أن الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وغدا يتخطى غيرنا إلينا..
ولقد اقتضت حكمة ربنا -جلّ في عُلاه- أن يُكرِم الوجود بخير مخلوق، وهو الإنسان، وأكرمه المولى -سبحانه- بكراماتٍ عدّة، لعلّ من أهمها أن رزقه عقلاً واعيًا مفكّرًا، صار به كريمًا؛ لأن العقل -بكل تأكيد- هو مناط التكليف، وسبب التشريف.
ولذا اعتبرت من فقد العقل غير مكلَّفٍ، ومرفوع عنه القلم، ولا يُحاسَب على ما يفعله بدون عقل؛ ففي الحديث الشريف: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ».. فتميّز الإنسان على سائر المخلوقات بالعقل، أداة التكريم، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70]..
بل أكّدت الشريعة في أكثر من موضع -في القرآن المجيد، والسنّة الشريفة- على ضرورة حفظ العقل، والحذر من تعريضه لأذى سواء أكان إيذاءً ماديًّا أم معنويًّا. واعتبر الدينُ العقلَ وديعة ونعمة من الله لعبده، يلزم حفظها والقيام بحق تلك النعمة.
بل إنّ علماء الأمّة -قديمًا وحديثًا- قد استقرّوا على أنّ حفظ العقل هو أحد مقاصد الشريعة الإسلامية -الكلية-، واعتبروا أن ضياع قيمة هذه المقاصد ضياع للمصالح الدينية والدنيوية على السواء.
ولحفظ العقل والقيام بحقّ تلك النعمة ألزم الإسلامُ المسلمَ بأشياء منها:
حفظ العقل من الشِّرْكِيَّات والخرافات.
حفظ العقل من الشبهات والشائعات.
حفظ العقل من المسكرات والمخدّرات.
وإذا ضيّع الإنسان قيمة عقله فقد تساوَى مع الحيوان، بل الحيوان أنفع منه لعلة الانتفاع منه، وعقل الإنسان به يميّز الخير من الشر والحسن من القبيح، به يستذكر المعلومات، به يتعلّم ويفهم الأمور..
لكنّ العجيب أنّ بعضًا من المنتسبين إلى الإسلام قد عطّلوا عقولَهم؛ فمنهم من استسلم لخرافاتٍ مضلّة، أو شبهات مُزِلّة، أو مسكرات مدمّرة -نوّعوا لها الأسماء، ونسَوْا أنها عين الدّاء. فكان لا بد من التحذير -مرارًا وتكرارًا- من خطورة مفسدات العقول، ومضيّعات الدين.. (كتعاطي المُخَدِّرَات)...
سمومٌ تفتك بأهمّ طاقات الأمّة، تطحن الرجال والأجيال، قصص وأهوال، ومآس تقشعر لها الأبدان، أشجان وأحزان، تلك التي نسمعها عن عالم المخدرات والمسكرات.
أين مستقبل شباب الأُمّـة؟!! وقد عقد أعداء الأمة عليهم الآمال، فإذا بهم ييسّرون لهم كل وسيلة للانحراف والانجراف إلى الهاوية.
إنه الإدمان وشرب المخدرات... تدمير للأسر والعائلات، شتات واغتصاب وقتل الآباء، والاحتيال والنصب، حوادث الطرق، كلها تنطلق من الإدمان والمخدرات.
إنها أم الخبائث = الخمر: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ» [المائدة:90، 91]. وقد قال أنس -رضي الله عنه-: لعن رسول الله في الخمرعشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له.
أوامر الله تعالى ونواهيه قائمة على تحقيق المصلحة للبشرية:
ممالا شكّ فيه أنّ كل أوامرالله لعباده قائمة على تحقيق مصلحة وإزالة مفسدة،قال تعالى:{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[الملك:14].
إنّه مما لا شكّ فيه -أيها الأحبّة- أنّ المخدرات هي إحدى الوسائل التي غزا بها أعداء الأمة أرجاءها، وكان سعيهم في أن تكون سببًا في إفساد الشباب والفتيات.
ومما يبدو -من خلال الإحصاءات ونتائج الدراسات العلمية- أنّ المخدرات لها ضررها على الفرد والمجتمع، كما تتعدد تلك الأضرار وتتنوّع؛ فمنها (الأضرار الدينية، الأضرار الاقتصادية، الأضرار الأمنيّة، الأضرار التربوية والاجتماعية والأسريّة، الأضرار البدنية والعضويّة، والأضرار النفسيّة الذّاتيّة...)..
ولعلّ إحصائية واحدة تثبت أنّ أكثر من 70 % من أسباب حوادث الطرق تعود إلى تناول المخدّرات، فانظر كم حصدت المخدرات وحوادث الطرق من الأرواح، التي وصل نتيجتها في عام واحد 2014م قرابة 13.000 مواطن، وتلف أكثر من 23.000 سيارة.
ومن أسباب انتشار المخدرات في المجتمع ما يأتي:
الخواء الروحيّ، وغياب الرقابة للمولى المتعال.
الفــراغ والترف الشرس.
تزييف الوعي من خلال صحبة السوء بأن ذلك يحقق لذّةً أو منفعةً.
ضعف السيطرة الأمنية أو غيابها، أو التيسير الأمني لانتشارها.
كثرة الانشغال الأسري عن الشباب والبنات، وغياب الدور التربوي: يقول النبي -صلى الله عليه وسلّم-: «ما من مولود يولد إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟” ثم تلا أبو هريرة -رضي الله عنه- وهو راوي الحديث قوله تعالى:{فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}
تغييب دور المسجد والداعي إلى الله تعالى عن علاج علل المجتمع.
نغمة التقليد للآخرين، ولو في الحرام.
(الممنوع مرغوب) مثلٌ له أصله الواقعيّ؛ لأن كثيرًا من الشباب يحبّ الولوج والاقتحام في الممنوعات، يبدأ على سبيل التجربة، ثم يتحوّل إلى الإدمان.
ومما لا شكّ فيه أنّ انتشار المخدرات والمسكرات في المجتمع، تجعله على حافة الهاوية والانهيار، في الدين والسياسة والاقتصاد والأخلاق..
ومن أضرارها الدينية:
رقّة الدين والتعبّد، وضياع القيمة دينيًّا.
عدم الاستجابة للدعاء؛ فالعاصي يبارز الله بالمعصية (فأنّى يُستجاب له؟!)
حمل وزر النفس وأوزار الآخرين، فالضرر ليس فرديًّا؛ بل هو ضرر جماعي.
الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى: «لعن رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- في الخمرِ عَشْرَةً: عاصرَها، ومعتصرَها، وشاربَها، وحاملَها، والمحمولةَ إليه، وساقِيَها، وبائعَها، وآكلَ ثَمَنِها، والمشترِي لها، والمُشتَراةَ له»..
المعيشة الضنك في الدين والدنيا: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا} [طه: 124، 125].
يضاف إلى الأمراض الدينية السابقة، أن المخدرات تُلْحِق بصاحبها أضرار ا بدنية وصحية، ترتبط بانتشار بعض الأمراض كالسيلان والزهري والسرطان، بخلاف السُّلّ وفساد المعدة، فضلاً عن أنه يؤثر على الأجنّة في بطون الأمهات المتعاطيات أو الأزواج المتعاطين، كما نعمل تلك السموم على إتلاف خلايا المخ والدماغ... فمن يتحمّل كل هذه العقوبات الصحيّة..
ويضاف إلى ما سبق بيانه:
كثرة الأوجاع النفسية والعقلية والاجتماعية، فإنها تسبب القلق والخوف المستمر والإحباط، والأَسْر القاتل، بالإضافة إلى فساد الحياة الاجتماعية وشيوع التفكك الأُسَرِيّ وكثرة الطلاق في المجتمع، بالإضافة إلى كثرة حوادث الطرق.
ولسنا بحاجة إلى كثير استطراد للتأكيد على خطورة الإدمان وتناول المسكرات على الاقتصاد والإنتاج، وكثرة الجرائم كالتحرش والاغتصاب والسرقة وقطع الطريق، وإرهاق الدول..
ومن وسائل علاج المخدرات في المجتمع ما يأتي:
عوْدة الدور التربوي الحقيقي لحياة الأُسَر والعائلات. [ألا كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته].
الاحتواء للشباب والبنات في سنّ البلوغ والمصاحبة والاستقلالية؛ فالصداقة لهم من قِبَل الآباء والأُمّهَات، ...... الخ.
استرجاع دور المسجد في الموعظة والتذكير وتنشيط الدور الدعوي والتوعوي من خلال بيوت الله تعالى؛ لا سيّما وقد غاب دور الإعلام الحقيقي عن التربية والتوجيه والتقويم.
ذبح الفراغ بسكين العمل:
فإن الفارغ من عمل وقيمة حقيقية للحياة لا قيمة له، وعرَّض -بالتأكيد- للوقوع فريسة في شباك شياطين الإنس والجنّ، والوقت هو حياة الإنسان وعمره، فليحرص على ملأ الفراغ بالعمل، وفي الحديث:
(لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وماذا عمل فيما علم).
التنسيق بين كل أدوار التربية في المجتمع (أسرة ومدرسة وإعلام ومسجد.... الخ)؛ فلا يُعقل أن يخطب الخطيب خطبته عن معالجة الإدمان والمخدرات، وبيان خطرهما على الفرد والمجتمع، قم تفاجأ بالإعلام يعمل على ترميز المتعاطين، والحوار معهم، والإعلاء من شأنهم في المجالس..
فمتى يبلغ البنيان يوماً تمامَه *** إذا كنت تبنى وغيرك يهدم
الصحابة والجاهزية وسرعة الاستجابة:
لقد مرّ بتاريخ الأمّة مشهد تحريم الخمر كأعظم مشهد في تاريخ المسلمين في سرعة الاستجابة لأوامر الله تعالى، -بلا جدال أو تباطؤ أو تهرّب وتسكّع-، فحين نزلت آية الخمر التي قال فيها المولى: (فاجتنبوه) أريقت كؤوس الخمر في شوارع وطرقات المدينة..
فأين نحن من هؤلاء؟!!
إن كثيرًا من الصحابة كانوا قد ألفوا الخمور، بل لا تخلو مائدة منها، بل وحتى الضيوف إذا قدموا ، فأول ما يُضيفون به الخمر ، فهي في قلوبهم ودمائهم ، وهي تجارتهم وشرابهم ، ولكن لما جاء الأمر من الله بتحريم الخمر انتهوا فوراً وقالوا : انتهينا ربنا،قالوا: سمعنا وأطعنا،عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْر،قَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} قَالَ فَدُعِيَ عُمَرُ رَضِي اللَّه عَنْه فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ،فَقَالَ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} فَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ نَادَى أَنْ لَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ ، فَدُعِيَ عُمَرُ رَضِي اللَّه عَنْه فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ ، فَدُعِيَ عُمَرُ رَضِي اللَّه عَنْه فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَلَمَّا بَلَغَ {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} قَالَ عُمَرُ رَضِي اللَّه عَنْه : انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا ” [متفق عليه]...
ومن أمثلة الجاهزية: 
حنظلة يوم عُرْسِه في مقدمة غزوة أُحُد سنة 3 هـ .
حمراء الأسد بعد أُحُد مباشرة.
بنو قريظة بعد الأحزاب.
تحريم الحمر الأهلية.
نزول آيات الحجاب وسرعة الجاهزية لدى نساء المسلمين.
وحتى تتعلّم الأمّة هذه الجاهزية عليها بالآتي:

أولا: التخفف من الدنيا وعدم التعلق الزائد بزخارفها وزينتها.
ثانيًا: الاستعداد للآخرة وتذكر الثواب يوم القيامة.
ثالثًا: صحبة أهل الجاهزية والهمّة العالية.
رابعًا: ترتيب كل ما يلزم، والعمل على استقرار حال الأسرة والأبناء..
نسأل الله تعالى أن يحفظنا وأهلنا من كل سوء".

اضافة تعليق