دروس في الدعوة والرحمة النبوية

الطائف.. رحلة الإيذاء التي سبقت الإسراء

الأحد، 24 مارس 2019 09:07 م
الطائف
96 كيلو متر قطعها النبي الكريم سيراً على قدميه ليبلغ رسالة ربه

تكالبت الأحزان على النبي صلى الله عليه وسلم في عام الحزن الذي توفي فيه عمه أبو طالب الذي كان أكبر مدافع عنه والسند القوي، وكذلك ماتت السيدة خديجة رضي الله عنها التي كانت أول من آمن بالرسول وصدق رسالته من البشر جميعاً، ووقفت بجواره ومنحته كل الاهتمام وعطف وحنان الزوجة المؤمنة، وهو يعلن رسالته للناس في مكة.
و استغلت قريش موت عمه و زادوا من إيذائه ، و كان من أكثر الأشخاص الذين حاولوا إيذاء النبي صلى الله عيه وسلم هو عمه أبو لهب ، ذلك الكافر الذي عمل على ملاحقة النبي في أي مكان و بشكل خاص في موسم الحج ، فكان يعمل على إلقائه بالحجارة و يقول أنه صابئ كذاب ، هذا فضلا عن أنه كان يحاول بشتى الطرق أن يمنع الناس من إتباعه ، و حينما ضاق الحال برسول الله في مكة حاول أن يتخذ أسلوب جديد في دعوته ، و حاول أن يغير مكان الدعوة ربما يجد قبولا لدعوته في مكان آخر ، و في ذلك الوقت اختار الطائف لهذا الأمر ، و ذلك لأنه كان يعلم أنها مكان لتمركز سادة قريش ، كما أنها كانت مكان استراتيجي لهم ، وقتها سعى إلى الخروج إليها علها تكون أحسن حال من مكة .
وكانت رحلة الرسول الكريم إلى الطائف في شهر شوال من السنة العاشرة بعد بدء نزول الوحي ، حيث خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف التي تبعد عن مكة ستة وتسعين كيلو متر ماشياً على قدميه الشريفتين وكانه معه الصحابي زيد بن حارثة رضي الله عنه ، وأقام الرسول صلى الله عليه وسلم في الطائف عدة أيام، ولم يترك أحدًا إلا دعاه إلى الإسلام، فتطاولوا‏ عليه وطردوه، ثم أغروا به سفهاءهم فلاحقوه وهو يخرج من الطائف يسبّونه، ويرمونه بالحجارة، حتى دميت قدماه الشريفتان، فكانت هذه رحلة الإيذاء التي سبقت رحلة التسرية عن الرسول الكريم بالإسراء والمعراج.
 وحاول زيد بن حارثة رضي الله عنه أن يحمي الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أصيب في رأسه، ولم يزل السفهاء يرمونهما بالحجارة حتى لجأ الرسول صلى الله عليه وسلم وزيد رضي الله عنه إلى حائط (بستان) لعتبة و شيبة ابني ربيعة على بعد ثلاثة أميال من الطائف، فرجعوا عنهما. وبعد العسر يأتي اليسر، ومع الهم يأتي الفرج.
إسلام عداس
 ففي طريق عودة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة جلس في بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة من سادات أهل الطائف ليستريح قليلا، فأرسلا غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس بقطف من عنب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما وضعه بين يديه صلى الله عليه وسلم، مد يده قائلا: بسم الله ثم أكل، فقال عداس: إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال صلى الله عليه وسلم: من أي البلاد أنت وما دينك؟ فقال عداس: أنا نصراني من أهل نينوى، فقال صلى الله عليه وسلم: من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ فقال عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي، فأكب عداس على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويديه ورجليه يقبلهما وأسلم.
 ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليستأنف الدعوة إلى الله، وعرض الإسلام وإبلاغ الرسالة للوفود والقبائل والأفراد. إن المتأمل في رحلة النبي صلى الله عليه وسلم الشاقة للطائف، وما لاقاه من أذى ليجد فيها الدروس الكثيرة للدعاة والمربين، ومنها: رحمة الداعية: أظهرت رحلة الطائف الشاقة بصورة عملية، معاني الرحمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن آذاه، إذ كان بوسعه أن ينتقم من السفهاء الذين آذوه، ومن زعمائهم الذين أغروا به، وسلطوا عليه صبيانهم وسفهاءهم، فقد سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلة: «يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب (ميقات أهل نجد)، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، ولقد أرسل إليك ملَك الجبال لتأمره بما شئت، فناداني ملك الجبال وسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملَك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت؟ إن شئتَ أن أُطبق عليهم الأخشبين (الجبلين)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا» (رواه البخاري).
رحمة النبي بأهل الطائف
لقد كانت إصابة النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد أبلغ من الناحية الجسدية، أما من الناحية النفسية فإن إصابته يوم الطائف أبلغ وأشد، ومع ذلك رفض إهلاك من آذاه، فقد كانت نظرة النبي صلى الله عليه وسلم نظرة مستقبلية فيها رحمة لأعدائه ومن آذاه، بل وأمل في هدايتهم، فأهل الطائف يؤذونه، ويدفعون أنفسهم في النار، والرسول صلى الله عليه وسلم حريص عليهم، رحيم بهم، قائلا: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا»، ولم يكن هذا الموقف موقفًا عارضًا في حياته، فقد فعل ذلك أيضًا قبل ذلك مع قبيلة دوس عندما رفضوا الإسلام، فقال: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ» (رواه البخاري)، وصدق الله العظيم الذي قال عنه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].
وهذا الموقف مع ما فيه من درس عملي في رحمة الداعية وشفقته بالمدعو، وعدم تعجل نزول العقاب بمن لا يستجيب لدعوته، فيه أيضا دلالة على نبوته صلى الله عليه وسلم فقد تحقق بالفعل ما أخبر به من إسلام أبناء المشركين فيما بعد حين قال: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا» (رواه البخاري).
منهج الدعوة
من خلال رفض النبي صلى الله عليه وسلم لعرض ملَك الجبال بإهلاك من تعرض له بالأذى، وضع لنا النبي صلى الله عليه وسلم منهجه في التغيير، وهذا من الدروس الهامة من هذه الرحلة الشاقة، إذ كان مقترح ملَك الجبال أن يُطبق عليهم الجبلين، وهو يدخل تحت منهج الاستئصال، وقد نُفِذ في قوم نوح وعاد وثمود ولوط، قال تعالى: {فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40]، لكن النبي صلى الله عليه وسلم رفض ذلك، ونظر إلى المستقبل بيقين، وبروح التفاؤل والرحمة والشفقة قائلا: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا»، ومن ثم قرر الرجوع إلى مكة ليواصل دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة، رغم ما يلقاه من تعب ومشقة، وهذا هو المنهج النبوي في الدعوة إلى الله، كما قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125].
بركة ذكر الله
وفي إسلام عداس الغلام النصراني درس تربوي ودعوي في فضل وبركة التمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فالتسمية قبل الأكل من السنن والآداب التي علمها لنا النبي صلى الله عليه وسلم، فعن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه قال: «كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة (الطبق)، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك. فما زالت تلك طعمتي بعد» (رواه البخاري). فالتمسك بآداب وسنن النبي صلى الله عليه وسلم الفعلية والقولية من أسباب تميز المسلمين على من حولهم من المشركين، وهذا التميز يلفت أنظار الكفار دائما، ويدفعهم إلى السؤال، ثم يقودهم ذلك إلى فهم الإسلام والانجذاب إليه والدخول فيه، كما حدث مع عداس ومع غيره إلى يومنا هذا. {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [النور: من الآية54].
إن رحلة الطائف رغم ما فيها من أحداث مؤلمة من إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، تركت لنا دروسا هامة، ينبغي على المسلم عامة، والمربي والداعية خاصة الوقوف معها والعمل بها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم واصل دعوته إلى الله بصبر وثبات، وحكمة ورحمة، فكانت النتيجة النصر من الله، والفتح المبين الذي نعيش في ظلاله، وننعم بنوره إلى يومنا هذا، وإلى يوم الدين.  


اضافة تعليق