لماذا سماه خواطر حول القرآن الكريم وليس تفسيراً

في ذكرى مولد إمام الدعاة ..كيف أقنع الملك سعود بعدم نقل مقام إبراهيم؟

الإثنين، 15 أبريل 2019 08:32 م
الشيخ الشعراوي 1
الإمام الشعراوي يقدم خواطره حول آيات القرآن الكريم

تمر اليوم ذكرى مولد عالم من أعظم علماء الشريعة والفقه والتفسير، بل بلغ مكانة علمية جعلته يستحق لقب إمام الدعاة، إنه الإمام الداعية الشيخ محمد متولي الشعراوي - رحمه الله – الذي جعله عشقة للغة العربية واتقانه لها وفهمه الواسع لأسرار معانيها واحداً من أعظم مفسري القرآن الكريم، وإن كان رحمه الله فضل أن يسميه خواطر وليس تفسيرا لسبب سنشرحه في موضعه.

ولد  الشيخ الشعراوي في قرية دقادوس التابعة لمحافظة الدقهلية بدلتا مصرفي 15 أبريل عام 1911م ،وكان متميزاً منذ طفولته؛ حيث حفظ كامل القرآن الكريم كاملاً وهو في سنّ الحادية عشرة، وكان نابغةً في حفظه لأبيات الشعر والأقوال المأثورة، وتدرّج في دراسته من مدرسة الزقاريق الإبتدائية، مروراً بالمعهد الثانوي الأزهري، حيث كان له شعبيةً كبيرةً بين زملائه جعلوه رئيساً لاتّحاد الطلبة ورئيساً لجمعية الأدباء في الزقازيق.
و كان لوالده دورٌ كبير فيما وصل إليه ولده من سعة العلم، إذ أصرّ أن يلتحق الشعراوي بالأزهر الشريف في القاهرة، وأعدّ له في ذلك كل ما يلزم من السكن والملبس ومجموعة لا حصر لها من الكتب العلمية والدينية من خارج المقرر، ليبدأ الشعراوي بذلك مرحلةً انتقاليةً من عمره بالتحاقه بكلية اللغة العربية في الأزهر، وكان ذلك عام 1937م، وبدأت رحلته مع إلقاء الخطب منذ ثورة مقاومة الإنجليز التي اندلعت من الأزهر الشريف، اعتقل على أثرها الشعراوي مرّاتٍ عدّة.



تفوقه في تدريس العقائد وهي ليست تخصصه
تخرج عام 1940م، وحصل على العالمية مع إجازة التدريس عام 1943م. بعد تخرجه عين الشعراوي في المعهد الديني بطنطا، ثم انتقل بعد ذلك إلى المعهد الديني بالزقازيق ثم المعهد الديني بالإسكندرية وبعد فترة خبرة طويلة انتقل الشيخ الشعراوي إلى العمل في السعودية عام 1950 ليعمل أستاذاً للشريعة في جامعة أم القرى.
الشيخ الشعراوي اضطر أن يدرِّس مادة العقائد رغم تخصصه أصلاً في اللغة وهذا في حد ذاته يشكل صعوبة كبيرة، إلا أن الشيخ الشعراوي استطاع أن يثبت تفوقه في تدريس هذه المادة لدرجة كبيرة لاقت استحسان وتقدير الجميع. وفي عام 1963 حدث الخلاف بين الرئيس جمال عبد الناصر وبين الملك سعود. وعلى أثر ذلك منع الرئيس جمال عبد الناصر الشيخ الشعراوي من العودة ثانية إلى السعودية، وعين في القاهرة مديراً لمكتب شيخ الأزهر الشريف الشيخ حسن مأمون. ثم سافر بعد ذلك الشيخ الشعراوي إلى الجزائر رئيساً لبعثة الأزهر هناك ومكث بالجزائر حوالي سبع سنوات قضاها في التدريس.

الشعراوي ونكسة 67
 وأثناء وجود الشيخ الشعرواي في الجزائر حدثت نكسة يونيو 1967، فسجد شكراً لأقسى الهزائم العسكرية التي منيت بها مصر - و برر ذلك "في حرف التاء" في برنامج من الألف إلى الياء بقوله "بأن مصر لم تنتصر وهي في أحضان الشيوعية فلم يفتن المصريون في دينهم"، وحين عاد الشيخ الشعراوي إلى القاهرة عين مديراً لأوقاف محافظة الغربية فترة، ثم وكيلاً للدعوة والفكر، ثم وكيلاً للأزهر ثم عاد ثانية إلى السعودية ، حيث قام بالتدريس في جامعة الملك عبد العزيز.
نقل مقام إبراهيم
وفي عام 1954 كانت هناك فكرة مطروحة لنقل مقام إبراهيم من مكانه، والرجوع به إلى الوراء حتى يفسحوا المطاف الذي كان قد ضاق بالطائفين ويعيق حركة الطواف، وكان قد تحدد أحد الأيام ليقوم الملك سعود بنقل المقام.، وفي ذلك الوقت كان الشيخ الشعراوي يعمل أستاذاً بكلية الشريعة في مكة المكرمة وسمع عن ذلك واعتبر هذا الأمر مخالفاً للشريعة فبدأ بالتحرك واتصل ببعض العلماء السعوديين والمصريين في البعثة لكنهم أبلغوه أن الموضوع انتهى وأن المبنى الجديد قد أقيم.
لم ييأس الشيخ الشعرواي وقام  بإرسال برقية من خمس صفحات إلى الملك سعود، عرض فيها المسألة من الناحية الفقهية والتاريخية، واستدل الشيخ في حجته بأن الذين احتجوا بفعل الرسول جانبهم الصواب، لأنه رسول ومشرع وله ما ليس لغيره وله أن يعمل الجديد غير المسبوق، واستدل أيضاً بموقف عمر بن الخطاب الذي لم يغير موقع المقام بعد تحركه بسبب طوفان حدث في عهده وأعاده إلى مكانه في عهد الرسول. وبعد أن وصلت البرقية إلى الملك سعود، جمع العلماء وطلب منهم دراسة برقية الشعراوي، فوافقوا على كل ما جاء في البرقية، فأصدر الملك قراراً بعدم نقل المقام، وأمر الملك بدراسة مقترحات الشعراوي لتوسعة المطاف، حيث اقترح الشيخ أن يوضع الحجر في قبة صغيرة من الزجاج غير القابل للكسر، بدلاً من المقام القديم الذي كان عبارة عن بناء كبير يضيق على الطائفين.
القرآن الكريم وخواطر الشعراوي
قيل عن إمام الدعاة أنه تأدب مع كتاب الله تعالي، فلم يقل أنه يقوم بتفسير القرآن الكريم ولكنه يقول خواطره حول آياته الكريمة، يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي موضحـًا منهجه في التفسير: خواطري حول القرآن الكريم لا تعني تفسيراً للقرآن،وإنما هي هبات صفائية تخطر على قلب مؤمن في آية أو بضع آيات.. ولو أن القرآن من الممكن أن يفسر، لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى الناس بتفسيره. لأنه عليه نزل وبه انفعل وله بلغ وبه علم وعمل، وله ظهرت معجزاته،ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتفى بأن يبين للناس على قدر حاجتهم من العبادة التي تبين لهم أحكام التكليف في القرآن الكريم، وهي " افعل ولا تفعل..".
وبدأ الشيخ محمد متولي الشعراوي تفسيره على شاشات التلفاز قبل سنة 1980م بمقدمة حول التفسير ثم شرع في تفسير سورة الفاتحة وانتهى عند أواخر سورة الممتحنة وأوائل سورة الصف وحالت وفاته دون أن يفسر القرآن الكريم كاملاً. يذكر أن له تسجيلاً صوتياً يحتوي على تفسير جزء عم (الجزء الثلاثون).
مناصب تولاها الشعراوي
 تولّى الشيخ الشعراوي منذ تخرجه العديد من المناصب؛ حيث بدأ ذلك بتعيينه مدرساً بمعهد طنطا ثم الإسكندرية ثم الزقازيق، كما عمل محاضراً في كلية الشريعة بجامعة الملك عبدالعزيز في السعودية، ثم مديراً للدعوة الإسلامية بوزارة الأوقاف ، وفي نوفمبر 1976م اختار السيد ممدوح سالم رئيس الوزراء آنذاك أعضاء وزارته، وأسند إلى الشيخ الشعراوي وزارة الأوقاف وشئون الأزهر. فظل الشعراوي في الوزارة حتى أكتوبر عام 1978م، كما  تولى منصب عضو في مجلس الشورى ومجلس البحوث الإسلامية.
وفي سنة 1987م اختير عضواً بمجمع اللغة العربية (مجمع الخالدين).


مؤلفات وكتب الشعراوي
 ألف الشيخ الشعراوي خلال مسيرته الحافلة بالعطاء مئات الكتب الإسلاميّة، نذكر منها:
البعث والميزان والجزاء
الإسراء والمعراج
الجهاد في الإسلام.
المرأة في القرآن الكريم
أسماء الله الحسنى. يوم القيامة
معجزة القرآن
نهاية العالم
لبيك اللهم لبيك
وصايا الرسول
فقه المرأة المسلمة
عقيدة المسلم
عداوة الشيطان للإنسان
خواطر الشعراوي
على مائدة الفكر الإسلامي
الفتاوى
الفضيلة والرذيلة
الفقه الإسلامي الميسر وأدلته الشرعية
القضاء والقدر
الله والنفس البشرية
المرأة في القرآن الكريم
المرأة كما أرادها الله
النصائح الذهبية للمرأة العصرية
الإسلام والمرأة، عقيدة ومنهج
فقه المرأة المسلمة
الغارة على الحجاب
الوصايا
إنكار الشفاعة
أحكام الصلاة
أنت تسأل والإسلام يجيب
الغيب

جوائز رفيعة
منح الإمام الشعراوي على العديد من الجوائز الرفيعة طوال حياته، حيث:
- نال وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى لمناسبة بلوغه سن التقاعد في 15 أبريل 1976 قبل تعيينه وزيراً للأوقاف وشئون الأزهر
- منح وسام الجمهورية من الطبقة الأولى عام 1983 وعام 1988، ووسام في يوم الدعاة
- حصل على الدكتوراه الفخرية في الآداب من جامعتي المنصورة والمنوفية
- اختارته رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة عضوًا بالهيئة التأسيسية لمؤتمر الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية، الذي تنظمه الرابطة، وعهدت إليه بترشيح من يراهم من المحكمين في مختلف التخصصات الشرعية والعلمية، لتقويم الأبحاث الواردة إلى المؤتمر.
- جعلته محافظة الدقهلية شخصية المهرجان الثقافي لعام 1989 والذي تعقده كل عام لتكريم أحد أبنائها البارزين، وأعلنت المحافظة عن مسابقة لنيل جوائز تقديرية وتشجيعية، عن حياته وأعماله ودوره في الدعوة الإسلامية محلياً، ودولياً، ورصدت لها جوائز مالية ضخمة.
- اختارته جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم كشخصية العام الإسلامية في دورتها الأولى عام 1418 هجري الموافق 1998
وفاة الشيخ الشعرواي
وعندما مرض الشيخ الشعراوي كانت الطريقة الوحيدة لسماعه للقرآن الكريم هي أنّه طلب من أحد أن يجلس بقربه ويقرأ القرآن الكريم فإذا أخطأ يستيقظ الشيخ الشعراوي ليصحح له الخطأ، ثمّ تدهورت حالته الصحية بشكل كبير، ونام الشيخ مستقيماً على سريره حتى يشعر براحة، لكن ابنه شعر أنّ والده يحتضر فأخذ يلقنه الشهادة فنطقها محركاً إصبعه قائلاً: (أشهد أنّ لا اله الا الله وأشهد أنّ محمد رسول الله)، وبعدها توفي رحمه الله  وكان ذلك عام 1998 عن عمر يناهز 87 عاماً.

اضافة تعليق