تعلم من النبي: لا تنظر إلى الناس بلونين.. هناك ألوان أخرى

الأربعاء، 24 أبريل 2019 09:47 ص
الناس ألوان رمادية من السيرة


نظرة الناس جائرة في الحكم على الآخرين، فلا يعرفون إلا اللون الأبيض والأسود في الحكم على الناس، حيث تغيب عنهم بقية الألوان الرمادية بدرجاتها المختلفة من الألوان.

وهذا الأمر صار آفة أخرى من تلك الآفات التي تمزق مجتمعنا. بينما الناظر في هدي الرسول صلى الله عليه وسلم يجد الرحمة والسعة والترتيب حتى مع أعدائه فكلهم ليسوا على درجة واحدة من الخصومة على الرغم من أن كلهم أعداؤه.

لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل النضر بن حارث وعقبة بن أبي معيط بعد أسرهما ببدر على الرغم من اكتسابهما قدرًا من الحصانة بهذا الأسر.

بينما نهى أصحابه عن قتل العباس وأبي البختري بن هشام أثناء المعركة وكلاهما كان كافرًا محاربًا – هناك خلاف حول موعد إسلام العباس – بل أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( لو أن المطعم بن عدي كان حيًا – وكان قد مات كافرًا –وسألني هؤلاء النتنى – يعني أسرى بدر – لوهبتهم له).

فتجده يأمر بقتل كافر حتى بعد الأسر وينهى عن قتل آخر أثناء المعركة، وكافرًا هم أن يعطيه ثمرة انتصاره.

وفي فتح مكة أهدر صلي الله عليه وسلم دماء عشرة قرشيين وأمر بقتلهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة- قُتل منهم رجلان وأسلم الباقون –.

 بينما أرسل عمامته في إثر عكرمة بن أبي جهل – أمانًا له ليعود إلى مكة حتى دون أن يشترط إسلامه، على الرغم من أنه أحد أولئك الذين قاتلوه ليمنعوه من دخول مكة وكذا مع العصاة.

كما أمر - صلى الله عليه وسلم - بصلب وقطع أيدي وأرجل العرنيين بل وسمل أعينهم لما ارتكبوه من جرم الحرابة.

 بينما قال لعاص آخر لما جاءه معترفا: (أصليت معنا), قال: نعم, قال: (اذهب فإن الحسنات يذهبن السيئات), وكذا في الآخرة هناك من يعذب في الدرك الأسفل من النار: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً).

ومنهم من وصف بأنه من أشد الناس عذابًا، بينما هناك آخرون عذابهم في ضحضاح من النار تغلي منها دماغه، وقد نفعه الله تعالى بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وكلهم كافر مخلد في النار، ولكنها دركات تتدرج على قدر ما يرتكب أحدهم من جرم إلى جانب كفره.

وإذا كانت النار دركات فإن الجنة أيضًا درجات، هناك من هو في القمة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين, وهناك أصحاب الأعراف يقفون بين الجنة والنار في انتظار عفو الله سبحانه وتعالى وفضله حتى يؤذن لهم بدخول الجنة.

وهكذا يجب أن يتعامل المسلم مع الناس يحبهم ويقترب منهم ويودهم ويواليهم بقدر اقترابهم من الدين أو يعاديهم ويكرههم وينفر منهم بقدر ابتعادهم منه ناظرا لأعمالهم وجهدهم في خدمة الدين أو عدائه.

لقد كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الصديق والفاروق وذو النورين يحبهم ويستشيرهم ولا يكاد يفارقهم، وكان فيهم من قال فيه: "بئس أخو العشيرة"، وكذلك من أمره أن يغيب وجهه عنه فلا يراه.

لذلك يجب على الإنسان أن يقتدي لهدي الرسول الكريم في أن تكون الموالاة والمعاداة لها تدرج أو سلم يوضع عليه الناس بقدر أعمالهم وإيمانهم, وينبغي أن يكون الحب والاقتراب أوالبعد والهجران بقدر المكانة على هذا التدرج.

ولا يوجد بين الناس أسود بهيم وأبيض ناصع وإنما الألوان بينهما تتدرج قتامة.

 وينبغي أن ننظر إلى الناس بهذا المنظار ونضع أيدينا في أيديهم ليزداد التألق والصعود فكلنا خطاءون وكلنا مقصرون, نذنب ونعمل الخير ومن كانت حسناته أكثر من سيئاته فهو العدل المقبول كما قال الإمام الشافعي.

أما الهجر فالأصل فيه الحرمة وإنما يباح أحيانًا في أحوال قليلة نادرة لتحقيق مصلحة لا تتحقق إلا به يقدرها أهل العلم وتكون لضرورة تقدر بقدرها وتزول بزوالها أو بذهاب المصلحة المرجوة منها أو بثبوت عدم جدواها في تحقيق تلك المصلحة.
إن لله يوم القيامة ميزانًا يزن الناس –حسناتهم وسيئاتهم – فمن غلبت حسناته السيئات دخل الجنة ومن كانت عليه الأخرى دخل النار.

كيف ولا حساب نملكه ولا عقاب، وما يدريك لعل الله قد غفر للعاصي بسجدة سجدها أو دمعة أراقها أو درهم وضعه في كف مسكين، ولن يدخل أحد الجنة بعمله إلا أن يتغمدنا الله برحمته، حتى الرسول الكريم، كما أخبر بذلك: "إلا أن يتغمدني الله برحمته".

اضافة تعليق