العمران النبوي والتنموي في المدينة المنورة

الأربعاء، 24 أبريل 2019 09:02 م
العمران
تفرد مجتمع المدينة بخصائص مميزة في العهد النبوي على كل المستويات

تفرد مجتمع المدينة المنورة في العهد النبوي بميزات خاصة سواء على المستوى الاجتماعي أو السكاني أو العمراني أيضاً، حيث قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وسكانها موزعون عشائرياً في قرى صغيرة، وأكمل تجمع للسكان تجمع القرى.
وهناك دراسات حديثة أن الإنسان إذا عاش في مجتمع محدود يرتفع مستوى الانضباط السلوكي، وأشد الأمكنة وحشة هي المدن الكبرى، لذلك حينما درس نخبة من كبار علماء الغرب أسباب العنف في العالم قالوا: المجتمعات الكبيرة، وسكان القرية أشد انضباطاً من سكان المدينة، بسبب أن الشخص الواحد معروف هناك.
فلذلك حينما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان سكانها موزعين عشائرياً في قرى صغيرة، أو في حصون، أو أطام، والأطام هي الحصون، فكل حصن فيه عشيرة تحيطه حيطانها، ويعمل أصحاب هذا الحصن في الزراعة، والصناعة، وإذا جاء المساء دخلوا حصنهم، وأقفلوا أبوابهم ليأمن كل منهم جيرانه، وما تحمله ظلمة الليل من طوارق السوء، بحسب ما يذكر فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي في موسوعته.

ويضيف: أنا فيما أعلم دمشق كان فيها أبواب، باب توما، باب شرقي، هذه الأبواب مساء تُغلق، المجتمع يعرف بعضه بعضا، فيه انضباط، فيه أمن، هذا كان مطبقاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد بلغ عدد حصونهم 59 حصناً موزعة على قبائلهم وعشائرهم، وفيما بلغني أن أكبر مدينة في العالم ( نيويورك ) معلومات قديمة، بعض أحيائها التي يسكنها المسلمون أحياء مغلقة تقفل أبوابها مساء، ما فيها مخدرات، ولا فيها ملاهٍ، ولا فيها شيء من هذا القبيل، كبار الشركات تتنافس على فتح محلات في هذا الحي الإسلامي، فيه انضباط، فيه أمن.
النبي وتوفير السكن والعمل للمهاجرين:
وقدم المهاجرون إلى المدينة، وكان أمام النبي عليه الصلاة والسلام مهمة كبيرة، وهي توفير السكن والمعاش لهم.
مبدأ المؤاخاة ومساهمة الأنصار في المجال الاقتصادي والاجتماعي:
وكان للأنصار مساهمات عظيمة تعرفونها جميعاً، كان كل أنصاري بعد أن آخى النبي بينه وبين مهاجر.
النبي عليه الصلاة والسلام آخى بين الأنصار والمهاجرين، فكان الأنصاري يقول للمهاجر: عندي بستانان، خذ أحدهما، عندي بيتان، خذ أحدهما، عندي دكانان، خذ أحدهما، أما الشيء الذي يغيب عن أذهانِ بعضِ المسلمين أنه لم يسجل التاريخ أن مهاجراً واحداً أخذ من أنصاري شيئاً، الأول بذل، والثاني تعفف.
 التجار الناجحون يدور رأس مالهم في العام أكثر من مرة
فلما عرض سعد بن الربيع رضي الله عنه على سيدنا عبد الرحمن بن عوف بستاناً، وبيتاً، ودكاناً، قال قولته الشهيرة: "بارك الله لك في مالك، لكن دُلّني على السوق "، ودخل إلى السوق، وتاجر، واغتنى، وكان هذا الصحابي الجليل من كبار تجار الصحابة، وله بعض التوجيهات، قال: < والله ما استقللتُ ربحاً، ولا بعت ديناً >>، يعني أن أقلّ هامش ربح كان يقبل به، لذلك بالتعريف الاقتصادي الآن: رأس المال يُقلب في العام مرتين أو ثلاثا، لأنه ما استقل ربحاً، باع بسرعة، باع، واسترد رأس ماله، واشترى بضاعة ثانية، وباعها واسترد رأس ماله.
لذلك التجارة حينما يدور رأس المال في العام الواحد مرتين يكون التاجر من كبار التجار، إذا دار ثلاث مرات يكون من نوادر التجار، أما بعض التجار فيدور المال دورة واحدة كل عامين أو ثلاثة.
قال: " والله ما استقللت ربحاً، ولا بعت ديناً ".
وهذا الصحابي الجليل سمع أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: " يدخل عبد الرحمن بن عوف الجنة حبواً، فقال: لا، والله لأدخلنها خبباً، وما عليّ إذا كنت أنفق مائة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء ".
 المال قوة اقتصادية
المال قوة، الذي يغتني، ويبتغي بماله خدمة المسلمين، توفير فرص عمل، معالجة المرضى، تزويج الشباب، فيرقى بماله إلى أعلى عليين، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( لا حَسَدَ إِلاّ في اثْنَتَيْنِ: رَجلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ منهُ آنَاءَ اللّيْلِ وآنَاءَ النّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللّيْلِ وَآنَاءَ النّهَار ))
( متفق عليه )
وكأن النبي عليه الصلاة والسلام رفع مرتبة الغني المحسن إلى مرتبة العالم ، فالعلم قوة، والمال قوة، وهما يتكاملان.
ماذا فعل النبي حتى هيأ للمهاجرين مساكن وعملاً ؟
لذلك ماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام حتى هيأ لهؤلاء المهاجرين مساكن ؟
– منحُ الأراضي غير الصالحة للزراعة لبناء المساكن:

منح الأنصار الأراضي، فقد ورد عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة جعل كل أرض لا يبلغها الماء يعطيها لبعض المهاجرين، ماذا نفهم من هذا الملمح ؟
المنظور النبوي للأرض الزراعية:
حرام وألف ألف حرام أن نقطع الغابات ليحل محلها صحراء من الإسمنت، إذا كان عندنا منطقة مشجرة، عندنا الغوطة لا ينبغي أن نبني في الغوطة، بل في مكان صحراوي، هذه إشارة من النبي عليه الصلاة والسلام، منح الأرض ليبنى عليها إن لم يكن فيها ماء، الماء للزراعة، فهذا من أول إشارات النبي عليه الصلاة والسلام.
تمليك الأرض لمن يزرعها
بعد هذا قانون تمليك الأرض لمن يزرعها، تحويل الأرض الجرداء إلى أرض خضراء، هذا سلوك حضاري.
بعض البلاد فيما بلغني أنّ أيّ إنسان يأخذ خمس دنمات يأخذها هبة من الدولة، بشرط أن يقلبها إلى جنة خضراء، ويعطى مبالغ كبيرة جداً لحفر بئر، وبناء منزل ، واستصلاح هذه الأرض، لأن في النهاية الإنسان كائن له فم يحتاج إلى طعام، والمستقبل للزراعة الإنسان، وقد يستغني الإنسان عن آلاف الأشياء، لكن لا يستغني عن الطعام، والآن حينما يكون التضخم النقدي يصبح الراتب فقط للطعام والشراب، ولن يستطيع الإنسان ترك الطعام والشراب.
فلذلك ما سمح النبي ببناء بيت في أرض فيها نبع ماء، أما أرض فيها مياه جارية فهذه الأرض للزراعة فقط.
أنا سمعت في بعض البلاد أن غرامة قلع شجرة تصل إلى المليون ليرة، الشجرة فيها حياة، فيها تعديل جو، فيها استجلاب أمطار، فيها منظر جميل.
وقال ياقوت الحموي في معجم البلدان: " فلما قدم النبي عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة مهاجراً أقطع الناس الدور والرباع، فخط لبني زهرة في ناحية من مؤخرة المسجد، فكان لعبد الرحمن بن عوف الحصن المعروف به، ووزع هذه الأراضي التي ليس فيها ماء وزعها على أصحابه لينشئوا عليها مساكن لهم ".

اضافة تعليق