قصة المائدة.. طالبوا مكافأة صيامهم خديعة لله فكانت وبالاً عليهم

الخميس، 25 أبريل 2019 01:00 م
عظات قصة المائدة


قال الله تعالى في سورة المائدة: {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}

تعد سورة "المائدة" من أهم الآيات القرآنية والمعجزات التي تكشف لنا العبرة والعظة في خطورة المكر والخداع، من خلال استلهام الأجر والثواب على فريضة الصيام التي فرضها الله على عباده.

وسميت هذه السورة سورة "المائدة"، لأنها تتضمن قصة المائدة التي أنزلها الله تعالى من السماء عندما سأله عيسى ابن مريم عليه السلام إنزالها من السماء كما طلب منه ذلك أصحابه الحواريون.

ومضمون قصة هذه المائدة أن عيسى عليه السلام أمر الحواريين بصيام ثلاثين يومًا, فلما أتموها طلبوا منه أن يسأل ربه لينزل عليهم مائدة من السماء من أجل أن يأكلوا منها، وتطمئن بذلك قلوبهم أن الله تعالى قد قبل صيامهم وتكون لهم عيدًا يفطرون عليها يوم فطرهم، لكن عيسى عليه السلام وعظهم في ذلك وخاف عليهم ألا يقوموا بشكرها، فأبوا عليه إلا أن يسأل لهم ذلك.

فلما ألحوا عليه أخذ عيسى يتضرع إلى الله تعالى في الدعاء والسؤال أن يجابوا إلى ما طلبوا، فاستجاب الله عز وجل دعاءه فأنزل الله سبحانه وتعالى المائدة من السماء والناس ينظرون إليها كيف تنحدر بين غمامتين، وجعلت تدنو قليلاً قليلاً وكلما دنت منهم يسأل عيسى عليه السلام ربه أن يجعلها رحمة لا نقمة، وأن يجعلها سلامًا وبركة.

فلم تزل تدنو حتى استقرت بين يدي عيسى عليه السلام وهي مغطاة بمنديل، فقام عيسى عليه السلام يكشف عنها وهو يقول "بسم الله خير الرازقين"، فإذا عليها من الطعام سبعة من الحيتان وسبعة أرغفة وقيل: كان عليها خل ورمان وثمار ولها رائحة عظيمة، ثم أمرهم عيسى عليه السلام بالأكل منها.


كما أمر عليه السلام الفقراء والمحتاجين والمرضى وأصحاب العاهات وكانوا قريبًا من الألف وثلاثمائة أمرهم أن يأكلوا من هذه المائدة، فأكلوا منها فبرأ كل من به عاهة أو آفة أو مرض مزمن واستغنى الفقراء وصاروا أغنياء.

وندم الناس الذين لم يأكلوا منها لما رأوا من إصلاح حال أولئك الذين أكلوا، ثم صعدت المائدة وهم ينظرون إليها حتى توارت عن أعينهم.

وقيل: إن هذه المائدة كانت تنزل كل يوم مرة فيأكل الناس منها، فيأكل آخرهم كما يأكل أولهم حتى قيل: إنه كان يأكل منها كل يوم سبعة آلاف شخص.

ثم أمر الله تعالى عيسى أن يقصرها على الفقراء دون الأغنياء، فشق ذلك على كثير من الناس وتكلم منافقوهم في ذلك فرفعت المائدة ومُسخ الذين تكلموا في ذلك من المنافقين خنازير.

العبرة من قصة المائدة
حينما أرسل الله سبحانه رسوله عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل يدعوهم إلى الله، لم يجد منهم آذاناً صاغية، ولا قلوباً واعية، ولما علم أن أكثرهم عن الحق معرضون، خاطبهم بقوله: {من أنصاري إلى الله} (آل عمران:52).

وآمنت فئة قليلة بما جاء به عيسى عليه السلام من الحق: {نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون} (آل عمران:52)، وفي آية أخرى: {قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} (المائدة:111).

وقد سمى سبحانه أنصار عيسى بالحواريين؛ لأنهم أخلصوا لله تعالى نياتهم، وطهروا سرائرهم من النفاق والغش، {آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون}.

ثم أخبر القرآن الكريم ما كان من بني إسرائيل، فقال سبحانه: {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} (آل عمران:54). وقد كان اليهود الذين علم منهم عيسى عليه السلام الكفر، قد دبروا له حيلة لقتله، واتخذوا الإجراءات اللازمة لتنفيذ هذه الجريمة النكراء، بيد أن الله سبحانه أحبط مكرهم، وأبطل تدبيرهم، بأن نجى نبيه عليه السلام.

ويحكي القرآن الكريم في شأن الحوارين أنهم طلبوا من عيسى عليه السلام أن يُنْزِل عليهم مائدة من السماء، ودار بينهم وبين عيسى عليه السلام الحوار التالي: {إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء} (المائدة:112).

وقد كان جواب عيسى على طلب الحواريين بأن أمرهم بتقوى الله سبحانه، والوقوف عند حدوده، والخوف والخشية منه، وترك مطالبته بأمور تؤدي بالمؤمن إلى الفتنة، فقال لهم: {اتقوا الله إن كنتم مؤمنين}.

ثم حكى القرآن الكريم ما ردَّ به الحواريون على عيسى عليه السلام، وذلك قولهم: {قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين} (المائدة:113).

فقد بينوا في جوابهم أنه طلبوا نزول المائدة رغبة في أن ينالوا البركة، ولحاجتهم إلى الطعام بعد أن ضيق عليهم بنو إسرائيل في الرزق، وأيضًا لتزداد قلوبهم إيمانًا بالله وتصديقًا بما جاءهم من الحق، وأيضًا ليكونوا شهودًا على صدق المعجزات التي جاءهم بها عيسى عليه السلام عند الذين لم يشهدوها.

والحواريون بينوا لعيسى عليه السلام -كما حكى القرآن الكريم- أنهم لم يطلبوا نزول المائدة من السماء؛ لأنهم يشكون في قدرة الله، أو نبوة عيسى عليه السلام، بل طلبوا ذلك زيادة في الإيمان، وطلباً لليقين.

ثم أخبرنا القرآن الكريم بما تضرع به عيسى عليه السلام بعد أن سمع من الحواريين ما قالوه في سبب طلبهم لنزول المائدة من السماء، كما بين ذلك سبحانه بقوله: {قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين} (المائدة:114)، فقد طلب عيسى عليه السلام من ربه سبحانه أن ينزل على أنصاره رزقاً من السماء، يكون يوم نزوله عيداً يحتفلون به، ويبتهجون، ويتقربون به إلى الله عز وجل على ما رزقهم من الطيبات، ويكون أيضًا عيدًا لمن يأتي من بعدهم، ممن لم يشهد هذه الآية المعجزة الربانية.

ثم ختم سبحانه حديثه عن هذه المائدة وما جرى بشأنها بين عيسى عليه السلام والحواريين بقوله: {قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين}، فأخبرهم سبحانه أنه منزل هذه المائدة عليهم؛ إجابة لدعاء رسوله عيسى عليه السلام، وأخبرهم أن من يكفر بعد نزولها، فإنه سوف يعذبه عذابًا شديدًا.

وتحدث القرآن الكريم في سورة الحديد عن ثلاث طوائف من أتباع عيسى عليه السلام؛ طائفة ابتدعت في دين الله ما ليس منه، وطائفة أخرى استمرت على الإيمان الحق، الخالي من البدع والأهواء، وطائفة ثالثة انحرفت عن الحق الذي جاء به عيسى عليه السلام انحرافًا شديدًا.

وقد أخبر سبحانه عن هذه الطوائف الثلاث بقوله: {وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون} (الحديد:27).

 فالطائفة الأولى جعل سبحانه في قلوبها {رأفة ورحمة} غير أنها ابتدعت عبادة اختارتها لنفسها {ورهبانية ابتدعوها}؛ زهداً في متاع الدنيا، وتقرباً إلى الله تعالى، والله سبحانه لم يأمرها بها، بيد أنها مع مرور الأيام لم تحافظ على ما اختارته من عبادة، وما ابتدعته من بدعة، بل صار أمرها إلى طقوس خالية من العبادة الصحيحة، لم يصبر على تكاليفها ومشاقها إلا القليل منهم.

والطائفة الثانية استمرت على اتباعها لعيسى عليه السلام وعلى الإيمان به إيماناً صحيحاً خالياً مما يفسده، ويعكر صفوه، فأعطاها سبحانه أجورها طيبة كاملة، {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم}. وأما الطائفة الثالثة فقد بدلت نعمة الله كفراً، وقالت: {إن الله ثالث ثلاثة} (المائدة:73)، وقالت: {إن الله هو المسيح ابن مريم} (المائدة:17)، وقالت: {المسيح ابن الله} (التوبة:30)، فسوف تلقى من العقاب والعذاب ما تستحقه.

وقد قال سبحانه في ختام الآية: {وكثير منهم فاسقون} ليدل على أن الذين خرجوا عن الدين الحق الذي جاء به عيسى عليه السلام، وفسقوا عن أمر ربهم أكثر من الذين آمنوا به واتبعوا النور الذي أنزل معه.

بلغ الخبر اليهود فجاءوا غمًا وكمدًا ينظرون إليه فرأوا عجبا، ثم أمر سيدنا عيسى عليه السلام الحواريين بالأكل منها، فقالوا له: لا نأكل حتى تأكل، فقال عيسى: إنما يأكل منها من طلبها وسألها، فلما أبوا أن يبدأوا بالأكل منها أمر الفقراء والمساكين والمرضى وأصحاب العاهات والمقعدين والعميان وكانوا قريبًا من الألف وثلاثمائة أن يأكلوا فأطاعوا، فأكلوا منها وحصلت بركات هذه المعجزة العظيمة إذ شفي كل من به عاهة أو آفة أو مرض مزمن، وصار الفقراء أغنياء، فندم الناس الذين لم يأكلوا منها لما رأوا من إصلاح حال أولئك الذين أكلوا، ولما تزاحم الناس على المائدة جعل سيدنا عيسى دورا لكل منهم وكان يأكل آخرهم كما يأكل أولهم، حتى قيل: إنه كان يأكل منها كل يوم سبعة آلاف شخص.

ولما تم أربعون يومًا أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام: يا عيسى اجعل مائدتي هذه للفقراء دون الأغنياء، ثم أمرهم بأن لا يخونوا فيأكل منها غني وأن لا يدخروا ولا يرفعوا من طعامها ويخبئوه لغد، فخان من خان وادخر من ادخر، فرفعت المائدة، فشق ذلك على كثير من الناس، وتكلم منافقوهم في ذلك وشككوا الناس بعيسى عليه السلام، فقال الله: "يا عيسى أني آخذ بشرطي" أي سأعذب من كفر، فلما قام الذين كفروا من نومهم في اليوم التالي وكانوا ثلاثة وثلاثين شخصا، تحولوا إلى خنازير بشعة، وصاروا يأكلون الأوساخ من حفر الأقذار، بعد ما كانوا يأكلون الطعام الطيب وينامون على الفراش اللين.

فلما رأى الناس ذلك اجتمعوا إلى عيسى عليه السلام يبكون، وجاء هؤلاء الخنازير فطأطأوا رءوسهم وصاروا يبكون وتجري دموعهم، فعرفهم سيدنا عيسى وصار يقول لكل منهم: "ألست فلانا؟" فيومئ برأسه ولا يستطيع الكلام، وبقوا كذلك عدة أيام ثم دعا سيدنا عيسى ربه عز وجل أن يقبض أرواحهم، فأصبحوا لا يُدرى أين ذهبوا.

اضافة تعليق